فلبينية في مطار مانيلا عائدة من الكويت  (تعبيرية)
فلبينية في مطار مانيلا عائدة من الكويت (تعبيرية)

أمر عليها منذ شهر ديسمبر الماضي وإلى يوم كتابة المقال، آخر أيام العمل في الفصل الدراسي الصيفي في جامعة الكويت، بشكل يومي. أجدها كل يوم في نفس المكان، جالسة على أحد الكراسي حمراء اللون الممتدة في صف مرتب في إحدى ردهات الجامعة والتي أمر فيها بعجلة في طريقي إلى فصلي الدراسي.

كل يوم في نفس المكان تجلس هي مرتدية ذات الطقم الباهت شكلاً ولوناً، "يونيفورم" البنطال والقميص المتعارف عليهما للعاملات في المنازل في لون أخضر فاتح جداً يصل حد أول درجات البياض.

كما هي دائماً وإلى اليوم، يوم كتابة المقال، صامتة، هادئة بهدوء ملبسها، مغيبة وباهتة الوجود بغياب وبَهَتان لونه. تجلس "زهرة"، وهمُ اسمٍ تصورتُه لها حيث لم أسألها في يوم عن اسمها، بصمت وجمود، لا تلفون يشغل يدها مثل كل بقية الجالسات والجالسين على الكراسي المتفرقة، لا حركة تميز كيانها الحي، لا شيء يشي بوجودها سوى رفعة الرأس الخفيفة والابتسامة العذبة التي تستقبلني بها كل يوم ساعة مروري المحددة.

كل يوم ألقي عليها التحية السريعة تصاحبها دوماً أمنية أن أضمها إلى قلبي وأعتذر لها عن هذه الحياة الظالمة الباردة التي جعلتها تجلس في ملبسها الباهت خارج فصل دراسي كان يفترض أن تكون بداخله وعلى كراسيه.

أصبّح عليها "صباحك خير يا صديقتي"، فتومئ برقة باتجاهي، وفي قلبي أردد "صباحك عدالة غائبة يا ابنتي"، وليتني أستطيع أن أناديها بابنتي، لربما هي لن تقبلها، لربما لديها أماً في الشرق الآسيوي البعيد تعمل هي جاهدة لتوفر لها لقمة عيشها وكرامة معيشتها.

أود أن أعرف المزيد عنها ولكنني لا أجرؤ، بأي حق أبدأ حواراً وأسأل أسئلة خاصة؟ لربما تكفينا هذه العلاقة الهادئة، لربما هي علاقة تطبب جرحاً قديماً في قلبي وألماً متجدداً في صدرها، ولربما هي علاقة ليس لها أي معنى، لن أعرف أبداً.

أكره هذا "اليونيفورم" الغبي الذي أراه دوماً على الكثير من فتيات ونساء الجالية الفلبينية العاملات في دول الخليج. أكره طبقيته وحدوده الفاصلة التي يخلقها بيننا كبشر والأهم بيننا كنساء.

أنا و"زهرة"، لربما نشترك في الكثير من الهموم النسائية، لربما نتشارك في الكثير من العواطف والمشاعر والمخاوف، إلا أن المؤكد أن حظوظنا شديدة التباين، عميقة الاختلاف، حظوظ تمعن في التفرقة بيننا كنساء في هذا العالم الذكوري شديد العنف والقسوة، حظوظ يؤكد تباينها الظالم هذا الزي اللعين الذي يمعن في تبيان سخافة ضربة الحظ الجينية التي وضعتني في موضعي المترف ووضعتها في موضعها الشقي العسير.

يا لوجع الذكرى، لحظة وصولي لهذا السطر من المقال تذكرت "زهرة" أخرى، "زهرة" التي رافقت ابنتي في المدرسة منذ سنوات مضت والتي كانت تكافح مرضاً عضالاً سرقها من الدنيا في 2011. عادت صغيرتي يوم غياب زهرة من المدرسة محملة بخلطة من الغضب والحزن لم أعرف وقتها كيف أتعامل معها.

"لماذا زهرة يا ماما، لماذا هي؟" لا أتذكر الهراء الذي لابد أنني قلته لها كأم تواسي صغيرتها، لكنني أتذكر تحديداً هذا السيخ الحار من الألم الذي اخترق قلبي وتلك الدموع الساخنة القريبة من الاحمرار التي سالت على خدي ابنتي وهذا التشبث العنيف بيننا، حين أخذتها في حضني أستنجد بها من ترويع المأساة وتستنجد هي بي من مصادفتها عديمة المعنى.

لم نعرف ما يمكن أن نقوله أو كيف قد نقوله سوى أننا سنبقى نتذكر "زهرة" في كل زهرة نراها وكل شجرة نقف تحتها ومع كل نسمة هواء وخيط حرير ونغمة عذبة ولون شجي في لوحة نصادفها.

وها هي "زهرة" تحضرني بعد عشر سنوات من وفاتها مع مقال، مقال عن "زهرة" أخرى، معذبة عذاباً آخر، تناضل نضالاً مختلفاً في دنيا لا ترحم ولا تعدل ولا تمنطق شيئاً من أحداثها القاسية مطلقاً. 

لابد أن لـ "زهرة" ذات الزي الأخضر الباهت أسرة تركتها خلفها بألم وعذاب، لابد أن لها أحلاماً وطموحات وآمالاً انهرست تحت ضروس العمل القاسي الذي لا يرحم ولا يتوقف، في طيات واجبات خدمة البيوت التي لا تتوقف أربعة وعشرين ساعة في الأربعة وعشرين.

لابد أن لـ "زهرة" عينين تتابع بهما ملابس وحقائب شابات الجامعة فيذوب قلبها الفتي اشتهاءً، لابد أن لها قلباً يدق لفتى بعيداً في الغالب الأعم لن ينتظرها ولن تعود هي إليه في زمن معقول، لابد أن لها طموحاً وحلماً ذابا في كي الملابس وغسيل المواعين ومرافقة الطالبة، التي هي في الغالب تعاني من إعاقة ما تحتاج للخدمة والمرافقة، وانتظارها بالساعات خارج الفصول الدراسية.

كل الزهور الرقيقة تذوب في هذه الدنيا الباردة العدمية، أفلا أقل من أن نظللها بشيء من الرحمة إبان زمنها العسير على هذه الأرض؟ 

ليت هذا "اليونيفورم" الكريه بكل ما يحمله من دلالات ومعان يختفي من ظاهر حياتنا، هذا الزي الذي بتشابهه وبهتانه يحول كل هذه الفتيات والسيدات إلى نسخ متطابقة في وعينا، وكأنهن "قطع بشرية" متكررة، لا إنسانات مختلفات ذوات ماض وحاضر وطموحات وأحلام وأشواق وعذابات.

هذا "اليونيفورم" الكريه كما يوحد المظهر يوحد كذلك المنظور والشعور، يجعلنا نرى هذه العاملات كأنهن صوراً مكررة مخليِّة، كأنهن كلهن واحد متشابه، يفقدنا القدرة على التواصل الطبيعي الذي يمكننا من تمييز الفروقات البشرية والظروف الإنسانية.

لم أتصور أن أتمنى قانوناً في يوم يحكم المظهر، إلا أنني أتمنى لو يسن قانون يمنع قسرية "اليونيفورم" الكريه. لربما من هذه الخطوة البسيطة الظاهرية، نستطيع أن نميز اختلافات الزهور. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.