شاب يحمل العلم الفلسطيني في الضفة الغربية (أرشيفية)
شاب يحمل العلم الفلسطيني في الضفة الغربية (أرشيفية)

(سنكون يوما ما نريد، لا الرحلة ابتدأت ولا الدرب انتهى ) – محمود درويش.

في خضم كل هذا الإرباك التاريخي عند نقطة "تحارج" في القضية الفلسطينية التي انتهت إلى طريق "الدولة الفلسطينية" المسدود، وقد انتهت إلى مسخ بائس لا يرقى إلى "سلطة حكم" ومستعص على هذا المسخ في رام الله أن يدفن نفسه، يبدو أن الحلول "الواقعية المباشرة" انتهت.

بدأت المقال بتلك الجملة الدرويشية التي تأملت فيها حلم شاعر فلسطيني كان الأقرب لعقل "الثورة" التي تحولت إلى "سلطة" كان درويش شاعرها أيضا،  وبين الثورة التي بدأتها بتغذية "قومية شعبوية" ثبت أنها الفخ القاتل لها، وانتهاءها بسلطة ميتة الضرب فيها عبث وليس حراما، لأتخيل حجم التفاؤل الذي ينادي به درويش بأن يكون الفلسطيني "يوما ما يريد" وبلعبة بلاغية يقرر أن الرحلة لم تبتدئ ولا الدرب انتهى!

لفترة طويلة، كنت ضمن تيار "ضئيل الحجم" ينادي بوحدة الضفتين كآخر حل واقعي للقضية الفلسطينية، وحدة بين ضفتي نهر صغير تم تكريسه سرا للخيبة بين شرقه وغربه.

وكنت دوما أحاول تجنب الطوباوية الإنشائية في الطرح الوحدوي، متمسكا بالقانون الدولي المتمثل بقرارات الأمم المتحدة التي أعقبت حرب حزيران عام 1967، مذكرا دوما بالواقع التاريخي أن الضفة الغربية تم احتلالها "مع أراض لدول عربية أخرى" وأن القرارات الدولية ثبتت في إجماع دولي استثنائي الحدث كاحتلال عسكري مطالب بالانسحاب إلى حدود ما قبل السادس من حزيران عام 1967.

كانت فكرة منظمة التحرير الفلسطينية فكرة "أميركية – كيسنجرية" لئيمة لتسحب البساط من تحت "الدولة الأردنية" كصاحبة حق شرعي قانوني للضفة الغربية التي كانت تحت سيادتها الدستورية والقانونية.

الفلسطينيون تفرقوا فصائل "متناحرة غالبا" تحت مظلة كبسولة تلك المنظمة التي لم يكن ممكنا تصنيفها ككيان مقبول دوليا للمطالبة بالحقوق، لكن هذا الكيان الهلامي "غير المتجانس بفصائله المكونة له" أصر على أن يكون الممثل الشرعي والوحيد للقضية الفلسطينية، وكان زعيمه ياسر عرفات قادرا على أن يكون "بمهارات شخصية فذة بلا شك" الصمغ الذي يجمع ما لا يجتمع من مكونات وعناصر، وبرحيله "الأكثر غموضا" تفكك الصمغ اللاصق وانتهت المنظمة إلى سلطة لا يراها الإسرائيلي شريكا في السلام.

وتراكمت على سياجاتها البوليسية "المتقلصة باستمرار" التوسعات الاستيطانية على أراضي الضفة الغربية ليصبح حل الدولتين الذي بدأ بخدعة "غزة- أريحا" حلا مستحيلا، وما بين غزة وأريحا اليوم وعلى أرض الواقع أسوار من المستحيل.

فكرة وحدة الضفتين، وهي تعني إعادة الأمور لنصابها الجغرافي والسياسي والقانوني كما تصور المجتمع الدولي، تم اختراقها على أكثر من مستوى.

كان الاختراق الأول عدم الإقرار بها عربيا "بتأثير القومجيين العرب ومصر عبدالناصر" وخلق مفهوم التمثيل الشرعي والوحيد ووضعه في حضن كيان "شعبوي" متنقل وفصائلي قابل ذاتيا للتناحر والتشرذم.

أما الاختراق الثاني المستمر قادم من لدن اليمين الإسرائيلي كفكرة قديمة متجددة منذ بدايات دولة إسرائيل، بما تم تسميته بالحل الأردني للقضية، وملخصه باختصار تفريغ الضفة الغربية من مكونها الفلسطيني وتوطين كافة الفلسطينيين في الأردن والترويج لفكرة أن الأردن هو الوطن الفلسطيني.

هذه الفكرة، التي تبناها حتى ناشطون وكتاب عرب وتسللوا إليها من فكرة "الوحدة بين الضفتين" مشوهين المفهوم الأساسي للوحدة مكتفين بالحل الديمغرافي دون الجغرافي، لا تزال تحاول الحضور بإطلالات موسمية مدعومة باليمين الصهيوني المتشدد في إسرائيل.

طبعا الفكرة مرفوضة أردنيا وعلى كل المستويات، وحضورها يثير استفزاز الجميع، وهذا طبيعي، لأنه يهدد فكرة وجود الدولة الأردنية التي دخلت مئويتها الثانية وقد كسبت وجودها بامتياز وجدارة رغم كل ما تعرضت له تلك الدولة تاريخيا من استهداف لم يتوقف لتقويضها وتمرير فكرة "الوطن البديل" لتحل مكانها، وتلك الحساسية، الطبيعية كما المفرطة جدا، جعلت الحديث عن الفكرة الأصلية بوحدة الضفتين مثل المشي في حقل ألغام.

واليوم، وأمام انسداد الأفق في مشروع "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" بحل الدولتين، وهو حل مستحيل أمام وقائع الجغرافيا والسياسة على الأرض، فإن القضية المركزية في الشرق الأوسط تتحول بالتدريج وبالضرورة إلى قضية حقوق وحريات إنسانية، حقوق فلسطينيين في العيش والعمل بكرامة ضمن سلطة إسرائيل، في داخل الدولة، الخط الأخضر، أو في الأراضي المحتلة التي تخضع فعليا لإدارة الاحتلال الإسرائيلي.

إسرائيل ملزمة بإدارة هذا الاحتلال، وإدارة عيش تلك الكثافة السكانية التي تعاني من أسوأ ظروف معيشة وحياة بسبب هذا الاحتلال ذاته، وهذه الكثافة السكانية لها حقوق إنسانية تلزم المجتمع الدولي أن يطالب بها.

وبصراحة أمام انسداد كل الحلول والذي تتحمل حكومات اليمين الإسرائيلي مسؤوليته، فإنني لا أرى منتهى درب كالذي تحدث عنه درويش إلا الدولة الواحدة لشعبين في إسرائيل، وهو ما تعتبره إسرائيل نفسها "تهديدا وجوديا" ليهودية الدولة الذي تسعى لترسيخه في سابقة خطيرة غير مأمونة العواقب في منطقة ملتهبة بالحساسيات القومية والدينية والمذهبية.

هل سيكون الفلسطيني والإسرائيلي ما يريد كل منهما؟ هي جدلية "التكوين" و"الإرادة" في عالم يعيد تكوين ذاته.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.