جندي إسرائيلي يقف على معدات حفر قرب الجدار الإسمنتي الفاصل على الحدود مع لبنان (أرشيفية)
جندي إسرائيلي يقف على معدات حفر قرب الجدار الإسمنتي الفاصل على الحدود مع لبنان (أرشيفية)

وجهة النظر المتوافقة مع "محور الممانعة" ترى انتصاراً في انسحاب الفتى اللبناني، شربل أبو ضاهر، من مواجهة مشارك إسرائيلي في بطولة العالم للفنون القتالية للناشئين، والتي أقيمت في الإمارات. وكانت الشابة اللبنانية ناديا فواز، بطلة لبنان بالشطرنج، قد انسحبت بدورها من مباريات مهرجان أبوظبي، تجنباً لمواجهة مشارك إسرائيلي.

الشباب اللبناني، وفق هذا الرأي، قد أثبت أنه ليس محايداً، بل أظهر مساندته للحق الفلسطيني وتأييده للمقاومة في لبنان وإنكاره للتطبيع بكافة أشكاله، بل رفضه للحياد الذي تنادي به بعض المرجعيات اللبنانية.

وقد يكون كل من شربل وناديا متوافقين بالكامل مع وجهة النظر هذه.

ولكن لكي يصحّ استدلال الممانعة بأن تجنب الشابين مواجهة خصميهما الرياضيين هو الشاهد على الموقف الوطني والقومي والإنساني، وفق هذا الاعتبار، كان لا بد أن يكون الخيار حرّاً ومفتوحاً لكل منهما، ولغيرهما في مواقف مشابهة. أي أن تكون المشاركة والامتناع سيّان، فيأتي الفعل تعبيراً عن قرار ذاتي وقناعة مجرّدة، لا عن خشية وخوف وريبة.

أما الواقع فليس كذلك. فلو أن ناديا أو شربل واجه المشارك الإسرائيلي وفق مقتضى المباراة الرياضية، فإنه يكون قد خالف بذلك القانون اللبناني الذي يحظّر التواصل والعلاقة مع حاملي الجنسية الإسرائيلية، وعرّض نفسه بالتالي للملاحقة الجزائية فور العودة إلى لبنان.

على أن الهمّ القضائي ليس العبء الوحيد، أو الأكبر، في حال قام المشارك اللبناني بما هو قد سافر لأجله، أي منافسة الرياضيين الوافدين من أنحاء العالم على أساس الروح الرياضية الجامعة والمتجاوزة لكل الاعتبارات الخلافية.

ثمة توجه ممانع في لبنان، في الإعلام وفي وسائط التواصل الاجتماعي، لترصّد كل لقاء وكل تجاور، متعمّد أو وليد الصدفة، بين أي مشارك لبناني ومن يقابله من الإسرائيليين، لغرض الإدانة والتشهير والتهديد وإلصاق تهم الخيانة والعمالة، ليس بمرتكب الكبيرة هذه وحسب، بل بكل من يتماهى معه بأي شكل. أسرته، بيئته، طائفته.

لا يمكن الإصغاء إلى الكلام عن "بطولة" أبو ضاهر ووالده، في "رفض التطبيع"، من حيث أنها "عابرة للطوائف" إلا في سياق الترهيب والتهويل المستمرين بحق اللبنانيين المسيحيين، وصولاً عند الأطراف إلى تذكيرهم بأنه ثمة مراكب بانتظار الإبحار بهم إلى غربٍ لهم أن يشهروا فيه "حيادهم".

الخيار المتاح أمام الشاب والشابة اللبنانيين كان بالتالي إما إنجاز المباراة وفق القواعد الرياضية، والتعرض للويل والثبور وعظائم الأمور عند العودة إلى لبنان، أو الامتناع والانسحاب ونيل قدر من الاحتفاء التعويضي. ليس في هذا أي إنكار لصدق المواقف بل الأصل افتراضه، على أن الخط الفاصل بين البطولة والإكراه ضبابي.

للتأكيد، إسرائيل ارتكبت بحق اللبنانيين، طوال فترة احتلالها لأجزاء واسعة من وطنهم، وقبل هذه الفترة وبعدها، إساءات واسعة النطاق، تطال الحياة والحرية والكرامة والممتلكات.

وليس المطلوب البتّة التغاضي عن هذه الإساءات والصفح عنها، بل الملحّ والحرج كان ولا يزال العمل الجاد الدؤوب على توثيق كافة تفاصيلها ودقائقها بما يتيح العودة إليها بالشكل المنتج الذي يحقق العدالة، أو أقله التعويض والإنصاف، ساعة تسنح الفرصة، والعمل الحازم الحاسم كذلك على تحضير الأسس لكي تسنح هذه الفرصة.

غير أنه ليس من المجدي، بل من التدليس، التترس خلف هذا التاريخ لفرض المقاطعة وقذف من لا يرفض التطبيع بأسمّ النعوت. فالمسؤولية المادية التاريخية التي تتحملها إسرائيل تكرّرت مثيلاتها في الواقع اللبناني.

أي أن ما أقدمت عليه إسرائيل، ارتكبه مغلظاً النظام السوري وزاد عليه كمّا ونوعاً، ولا يزال، واقترفته براحة واستباحة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، بل والأنكى، أن الأحزاب والمنظمات المسلّحة اللبنانية، بما فيها من يلتحف اليوم رداء "المقاومة"، قد أقدمت على أفعال من جنس الفعل الإسرائيلي.

مقاطعة "العدو الإسرائيلي" ورفض التطبيع معه تقوم على مغالطات مركبّة، أولها وأقبحها هذه الذاكرة الانتقائية التي تعفي، الذات والقريب، من قبائح ورذائل لا تغتفر، ولا تنسى لحظة يكون من تورّط ببعضها هذا الآخر  إذ هو اليوم قد أخرج من تعريف الذات للذات، وتطمس وتدفن حين يكون المسؤول عنها "من أبناء جلدتنا"، على أن تبقى قابلة للاسترجاع المغرض وفق مقتضى الحال، ووفق المقاس المصلحي لهذه "الجلدة" المتبدلة.

نعم، إسرائيل، بحكم تاريخها وتجربتها البنيوية هي في موقع الإساءة المستمرة للفلسطينيين. قطاع غزّة أشبه بالسجن الكبير، على أن السجانين ليسوا الإسرائيليين وحدهم، بل كذلك المصريين. وبقاء الفلسطينيين تحت الاحتلال دون حرية وسيادة وحقوق سياسية، في أوضاع مسيئة للحياة والكرامة عار مطلق ليس على جبين إسرائيل وحسب، بل بحقّ الإنسانية جمعاء.

الواقع القائم نزيف مستمر لا ينبئ بالخير لأحد، ومعالم سبيل الخروج الناجع من هذا المأزق ليست واضحة. إسرائيل أُقحمت، بنفسها وبفعل الغير، في خيار إما أن تكون ظالمة أو مظلومة، واستقرت بحكم الطبيعة البشرية على أن تكون ظالمة. ومن الواجب الاعتراض على ظلمها، على أن الحياء يقتضي بأن يكون المعترِض قد سعى إلى تنزيه نفسه عمّا يجاهر باعتراضه.

أحوال الفلسطينيين في لبنان لا تظهر بأنه فعل، الفلسطيني في لبنان محروم من حق الملكية ومن حق العمل، ومن حق المواطنة طبعاً. له أن يرضى بما يمنح لبنان العظيم من منن. ليس في الأمر افتراءِ على لبنان، فصيغته الهشّة معرّضة لخطر وجودي في حال جرى الإقرار بكامل الحقوق الإنسانية الطبيعية التلقائية للفلسطينيين.

الإشارة هي هنا وحسب للتنبيه إلى أنه في حال كانت المقاطعة عقاباً للأذى الذي تسببت فيه إسرائيل بحق لبنان، فالتجانس يقتضي اشتمال الموقف سوريا والفلسطينيين. وفي حال كانت المقاطعة نصرة للفلسطينيين، فنصرتهم تكون أولاً بإنصاف المقيمين منهم في لبنان ومساواتهم، خلا الحقوق السياسية، باللبنانيين بالكامل.

مع غياب الإقدام في هذين  الوجهين، وفيما يتعدى المصلحة الفورية التي يحقّقها خطاب المقاطعة في تعزيز مواقع محور الممانعة، يبدو فعل المقاطعة عصبياً فئوياً وحسب، المسعى منه شفاء الصدور، ولو بجرعات آنية، لا تحقيق العدل.

والإشكالية ليست بأن منطق المقاطعة لا يسير باتجاه الحل الناجع، أي المنتج للعدالة مهما كان شكل تصوّرها، بل هو  يدفع بالاتجاه المعاكس، أي نحو تكريس الأذى وتعميقه.

إيليا غروزمان ويوناتان ماك، هما المشاركان الإسرائيليان اللذان رفض مواجهتهما كل من ناديا وشربل.

إيليا ويوناتان شابان، كما ناديا وشربل. مندفعان مجتهدان كما ناديا وشربل. فخوران دون شك بتمثيل وطنهما، كما ناديا وشربل. ويمكن الافتراض باطمئنان بأنهما لم يرتكبا أي جرائم حرب، ولا هما تورطا بأي اعتداء على لبنان.

السردية السياسية الاجتماعية الغالبة في إسرائيل، وهي المستقاة من تاريخ طويل، فصوله فيها المحكم وفيها المتشابه، تقوم على مقولة إن الشعب اليهودي كان ولا يزال عرضة للاضطهاد والتمييز والاستهداف، في كل مكان ومن أطراف متباينة، ليس لأفعال ارتكبها أو لمواقف اتخذها، بل من جرّاء رغبة دفينة لدى الأغيار بالإطاحة به دوافعها الحقد والبغض والحسد. أي أن "اليهودي" مستهدف ليس لما قد يكون قد فعله، بل لأنه يهودي وحسب.

ماذا قال شربل وناديا لإيليا ويوناتان دون أن يتفوها بكلمة؟ قالا لهما إن السردية الغالبة في إسرائيل قد صدقت. أنه لا اعتبار لشخصيكما وإنجازاتكما ودوافعكما وأفكاركما. فأنتما جزء من كمّ جماعي، هو "لكيان المؤقت"، ووطنكما إلى زوال، إن لم يكن في الواقع المرتقب، ففي رغبات من نتجاوب معه.

ولكن مهلاً، يعترض المعترضون، الاستهداف الجماعي هنا هو لإسرائيل كدولة غاصبة مغتصبة، وللصهيونية كعقيدة عنصرية ناكرة لحقوق الآخرين، وليس لليهودية كدين وتاريخ. فلا يصحّ بالتالي أن ينسب إلى فعل الشابين اللبنانيين التصديق على السردية الإسرائيلية التي تمزج المستويات، بل توظّف التاريخ اليهودي في خدمة الاضطهاد الإسرائيلي للفلسطينيين.

فرْز التجربة اليهودية الصهيونية الإسرائيلية إلى مقومات متعارضة ليس خاطئاً برمّته. أي أنه ثمة أوساط يهودية في خلفيتها، علمانية ويسارية، ناقدة وناقضة لدمج هذه المقومات. ربما أن أشد من يتصدّى لإسرائيل على المستوى العالمي هو من هذه الأوساط.

وثمة جماعات دينية يهودية ترفض السياسة والدولة. ولكن هؤلاء وأولئك هم عند الهوامش الضحلة للتجربة المشتركة، واستدعاؤهم على أنهم البديل عنها هو إنكار لحقيقة راسخة ثابتة، وهي في مركزية التداخل بين اليهودية والصهيونية وإسرائيل.

المفارقة هنا هي أن من يزعم الفرز، من المعادين لإسرائيل والصهيونية، غالباً ما يلجأ إلى استدعاء التاريخ اليهودي العميق، بل الدين اليهودي والكتب المقدسة اليهودية، للطعن بالصهيونية وإسرائيل. في أحسن الأحوال، هو قد يكون صادقاً في الفرز بنواياه، ولكنه غير موفق بمنهجه.

كما معظم الشباب، في الانفتاح على العالم وفي تحدّي مسلمات الجيل السابق، ربما أن إيليا ويوناتان كانا من المعترضين على مقولة الاضطهاد السرمدي لليهود وما يستتبعها من حاجة إلى التكمين، إلى العصبية اليهودية. ربما ساورتهما بشأنها بعض الشكوك وإن كانا على قبول عام بها، أو ربما كانا من الذين يعتنقونها جملة وتفصيلاً.

في جميع الحالات، ما حدث في أبوظبي جاء شاهداً ثابتاً أكيداً أن مقولة استهداف هويتهما ليست مجرد نظرية.

لن يساهم رفض ناديا وشربل مواجهتهما رياضياً بتوعيتهما، إلا إلى عزلتهما كيهود والحاجة إلى التقوقع والاستقواء إزاء من يرفض اليهود، حتى الشباب منهم، حتى الرياضيين منهم. فالمقاطعة هي مضاعفة للأذى. أذى قليل يطال إيليا ويوناتان، وأذى كثير يطال الفلسطينيين.

من شأن التطبيع أن يكون مخرجاً من هذا الأذى وذاك. ليس كل التطبيع.

ثمة تطبيع انبطاحي، قبيح غريب، مشوّه للفكر والتاريخ، يكشف عن احتقار للذات أو عن سعي مرذول إلى المصلحة الضيقة. لا حاجة لهكذا تطبيع.

ثمة تطبيع انبهاري، يرى في إسرائيل كل النجاح ويتعامى عن مواضع فشلها العديدة. الحاجة قائمة لتصويبه.

ثمة تطبيع انكساري، نتيجة الإكراه والمقايضة. الحاجة دائمة لتصويبه وتوضيحه وترقيته. وثمة تطبيع نفاقي، نأخذ ونطالب بالمزيد، فاشل بحكم ذكاء من يفترض خداعهم. والحاجة هي إلى علاجه تصحيحه.

يبقى التطبيع الندي. نحن وأنتم نتيجة تاريخ مؤلم. نسعى بنية صادقة لتفكيك المتشابك فيه انطلاقاً من قناعة أن الخير على جماعة مضاعف عن الخير على فرقة.

كان بوسع ناديا وشربل أن يقولا ذلك لإيليا ويوناتان بلغة المباراة الرياضية. عسى أن يكون الأمر كذلك في المرة القادمة.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!