جندي إسرائيلي يقف على معدات حفر قرب الجدار الإسمنتي الفاصل على الحدود مع لبنان (أرشيفية)
جندي إسرائيلي يقف على معدات حفر قرب الجدار الإسمنتي الفاصل على الحدود مع لبنان (أرشيفية)

وجهة النظر المتوافقة مع "محور الممانعة" ترى انتصاراً في انسحاب الفتى اللبناني، شربل أبو ضاهر، من مواجهة مشارك إسرائيلي في بطولة العالم للفنون القتالية للناشئين، والتي أقيمت في الإمارات. وكانت الشابة اللبنانية ناديا فواز، بطلة لبنان بالشطرنج، قد انسحبت بدورها من مباريات مهرجان أبوظبي، تجنباً لمواجهة مشارك إسرائيلي.

الشباب اللبناني، وفق هذا الرأي، قد أثبت أنه ليس محايداً، بل أظهر مساندته للحق الفلسطيني وتأييده للمقاومة في لبنان وإنكاره للتطبيع بكافة أشكاله، بل رفضه للحياد الذي تنادي به بعض المرجعيات اللبنانية.

وقد يكون كل من شربل وناديا متوافقين بالكامل مع وجهة النظر هذه.

ولكن لكي يصحّ استدلال الممانعة بأن تجنب الشابين مواجهة خصميهما الرياضيين هو الشاهد على الموقف الوطني والقومي والإنساني، وفق هذا الاعتبار، كان لا بد أن يكون الخيار حرّاً ومفتوحاً لكل منهما، ولغيرهما في مواقف مشابهة. أي أن تكون المشاركة والامتناع سيّان، فيأتي الفعل تعبيراً عن قرار ذاتي وقناعة مجرّدة، لا عن خشية وخوف وريبة.

أما الواقع فليس كذلك. فلو أن ناديا أو شربل واجه المشارك الإسرائيلي وفق مقتضى المباراة الرياضية، فإنه يكون قد خالف بذلك القانون اللبناني الذي يحظّر التواصل والعلاقة مع حاملي الجنسية الإسرائيلية، وعرّض نفسه بالتالي للملاحقة الجزائية فور العودة إلى لبنان.

على أن الهمّ القضائي ليس العبء الوحيد، أو الأكبر، في حال قام المشارك اللبناني بما هو قد سافر لأجله، أي منافسة الرياضيين الوافدين من أنحاء العالم على أساس الروح الرياضية الجامعة والمتجاوزة لكل الاعتبارات الخلافية.

ثمة توجه ممانع في لبنان، في الإعلام وفي وسائط التواصل الاجتماعي، لترصّد كل لقاء وكل تجاور، متعمّد أو وليد الصدفة، بين أي مشارك لبناني ومن يقابله من الإسرائيليين، لغرض الإدانة والتشهير والتهديد وإلصاق تهم الخيانة والعمالة، ليس بمرتكب الكبيرة هذه وحسب، بل بكل من يتماهى معه بأي شكل. أسرته، بيئته، طائفته.

لا يمكن الإصغاء إلى الكلام عن "بطولة" أبو ضاهر ووالده، في "رفض التطبيع"، من حيث أنها "عابرة للطوائف" إلا في سياق الترهيب والتهويل المستمرين بحق اللبنانيين المسيحيين، وصولاً عند الأطراف إلى تذكيرهم بأنه ثمة مراكب بانتظار الإبحار بهم إلى غربٍ لهم أن يشهروا فيه "حيادهم".

الخيار المتاح أمام الشاب والشابة اللبنانيين كان بالتالي إما إنجاز المباراة وفق القواعد الرياضية، والتعرض للويل والثبور وعظائم الأمور عند العودة إلى لبنان، أو الامتناع والانسحاب ونيل قدر من الاحتفاء التعويضي. ليس في هذا أي إنكار لصدق المواقف بل الأصل افتراضه، على أن الخط الفاصل بين البطولة والإكراه ضبابي.

للتأكيد، إسرائيل ارتكبت بحق اللبنانيين، طوال فترة احتلالها لأجزاء واسعة من وطنهم، وقبل هذه الفترة وبعدها، إساءات واسعة النطاق، تطال الحياة والحرية والكرامة والممتلكات.

وليس المطلوب البتّة التغاضي عن هذه الإساءات والصفح عنها، بل الملحّ والحرج كان ولا يزال العمل الجاد الدؤوب على توثيق كافة تفاصيلها ودقائقها بما يتيح العودة إليها بالشكل المنتج الذي يحقق العدالة، أو أقله التعويض والإنصاف، ساعة تسنح الفرصة، والعمل الحازم الحاسم كذلك على تحضير الأسس لكي تسنح هذه الفرصة.

غير أنه ليس من المجدي، بل من التدليس، التترس خلف هذا التاريخ لفرض المقاطعة وقذف من لا يرفض التطبيع بأسمّ النعوت. فالمسؤولية المادية التاريخية التي تتحملها إسرائيل تكرّرت مثيلاتها في الواقع اللبناني.

أي أن ما أقدمت عليه إسرائيل، ارتكبه مغلظاً النظام السوري وزاد عليه كمّا ونوعاً، ولا يزال، واقترفته براحة واستباحة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، بل والأنكى، أن الأحزاب والمنظمات المسلّحة اللبنانية، بما فيها من يلتحف اليوم رداء "المقاومة"، قد أقدمت على أفعال من جنس الفعل الإسرائيلي.

مقاطعة "العدو الإسرائيلي" ورفض التطبيع معه تقوم على مغالطات مركبّة، أولها وأقبحها هذه الذاكرة الانتقائية التي تعفي، الذات والقريب، من قبائح ورذائل لا تغتفر، ولا تنسى لحظة يكون من تورّط ببعضها هذا الآخر  إذ هو اليوم قد أخرج من تعريف الذات للذات، وتطمس وتدفن حين يكون المسؤول عنها "من أبناء جلدتنا"، على أن تبقى قابلة للاسترجاع المغرض وفق مقتضى الحال، ووفق المقاس المصلحي لهذه "الجلدة" المتبدلة.

نعم، إسرائيل، بحكم تاريخها وتجربتها البنيوية هي في موقع الإساءة المستمرة للفلسطينيين. قطاع غزّة أشبه بالسجن الكبير، على أن السجانين ليسوا الإسرائيليين وحدهم، بل كذلك المصريين. وبقاء الفلسطينيين تحت الاحتلال دون حرية وسيادة وحقوق سياسية، في أوضاع مسيئة للحياة والكرامة عار مطلق ليس على جبين إسرائيل وحسب، بل بحقّ الإنسانية جمعاء.

الواقع القائم نزيف مستمر لا ينبئ بالخير لأحد، ومعالم سبيل الخروج الناجع من هذا المأزق ليست واضحة. إسرائيل أُقحمت، بنفسها وبفعل الغير، في خيار إما أن تكون ظالمة أو مظلومة، واستقرت بحكم الطبيعة البشرية على أن تكون ظالمة. ومن الواجب الاعتراض على ظلمها، على أن الحياء يقتضي بأن يكون المعترِض قد سعى إلى تنزيه نفسه عمّا يجاهر باعتراضه.

أحوال الفلسطينيين في لبنان لا تظهر بأنه فعل، الفلسطيني في لبنان محروم من حق الملكية ومن حق العمل، ومن حق المواطنة طبعاً. له أن يرضى بما يمنح لبنان العظيم من منن. ليس في الأمر افتراءِ على لبنان، فصيغته الهشّة معرّضة لخطر وجودي في حال جرى الإقرار بكامل الحقوق الإنسانية الطبيعية التلقائية للفلسطينيين.

الإشارة هي هنا وحسب للتنبيه إلى أنه في حال كانت المقاطعة عقاباً للأذى الذي تسببت فيه إسرائيل بحق لبنان، فالتجانس يقتضي اشتمال الموقف سوريا والفلسطينيين. وفي حال كانت المقاطعة نصرة للفلسطينيين، فنصرتهم تكون أولاً بإنصاف المقيمين منهم في لبنان ومساواتهم، خلا الحقوق السياسية، باللبنانيين بالكامل.

مع غياب الإقدام في هذين  الوجهين، وفيما يتعدى المصلحة الفورية التي يحقّقها خطاب المقاطعة في تعزيز مواقع محور الممانعة، يبدو فعل المقاطعة عصبياً فئوياً وحسب، المسعى منه شفاء الصدور، ولو بجرعات آنية، لا تحقيق العدل.

والإشكالية ليست بأن منطق المقاطعة لا يسير باتجاه الحل الناجع، أي المنتج للعدالة مهما كان شكل تصوّرها، بل هو  يدفع بالاتجاه المعاكس، أي نحو تكريس الأذى وتعميقه.

إيليا غروزمان ويوناتان ماك، هما المشاركان الإسرائيليان اللذان رفض مواجهتهما كل من ناديا وشربل.

إيليا ويوناتان شابان، كما ناديا وشربل. مندفعان مجتهدان كما ناديا وشربل. فخوران دون شك بتمثيل وطنهما، كما ناديا وشربل. ويمكن الافتراض باطمئنان بأنهما لم يرتكبا أي جرائم حرب، ولا هما تورطا بأي اعتداء على لبنان.

السردية السياسية الاجتماعية الغالبة في إسرائيل، وهي المستقاة من تاريخ طويل، فصوله فيها المحكم وفيها المتشابه، تقوم على مقولة إن الشعب اليهودي كان ولا يزال عرضة للاضطهاد والتمييز والاستهداف، في كل مكان ومن أطراف متباينة، ليس لأفعال ارتكبها أو لمواقف اتخذها، بل من جرّاء رغبة دفينة لدى الأغيار بالإطاحة به دوافعها الحقد والبغض والحسد. أي أن "اليهودي" مستهدف ليس لما قد يكون قد فعله، بل لأنه يهودي وحسب.

ماذا قال شربل وناديا لإيليا ويوناتان دون أن يتفوها بكلمة؟ قالا لهما إن السردية الغالبة في إسرائيل قد صدقت. أنه لا اعتبار لشخصيكما وإنجازاتكما ودوافعكما وأفكاركما. فأنتما جزء من كمّ جماعي، هو "لكيان المؤقت"، ووطنكما إلى زوال، إن لم يكن في الواقع المرتقب، ففي رغبات من نتجاوب معه.

ولكن مهلاً، يعترض المعترضون، الاستهداف الجماعي هنا هو لإسرائيل كدولة غاصبة مغتصبة، وللصهيونية كعقيدة عنصرية ناكرة لحقوق الآخرين، وليس لليهودية كدين وتاريخ. فلا يصحّ بالتالي أن ينسب إلى فعل الشابين اللبنانيين التصديق على السردية الإسرائيلية التي تمزج المستويات، بل توظّف التاريخ اليهودي في خدمة الاضطهاد الإسرائيلي للفلسطينيين.

فرْز التجربة اليهودية الصهيونية الإسرائيلية إلى مقومات متعارضة ليس خاطئاً برمّته. أي أنه ثمة أوساط يهودية في خلفيتها، علمانية ويسارية، ناقدة وناقضة لدمج هذه المقومات. ربما أن أشد من يتصدّى لإسرائيل على المستوى العالمي هو من هذه الأوساط.

وثمة جماعات دينية يهودية ترفض السياسة والدولة. ولكن هؤلاء وأولئك هم عند الهوامش الضحلة للتجربة المشتركة، واستدعاؤهم على أنهم البديل عنها هو إنكار لحقيقة راسخة ثابتة، وهي في مركزية التداخل بين اليهودية والصهيونية وإسرائيل.

المفارقة هنا هي أن من يزعم الفرز، من المعادين لإسرائيل والصهيونية، غالباً ما يلجأ إلى استدعاء التاريخ اليهودي العميق، بل الدين اليهودي والكتب المقدسة اليهودية، للطعن بالصهيونية وإسرائيل. في أحسن الأحوال، هو قد يكون صادقاً في الفرز بنواياه، ولكنه غير موفق بمنهجه.

كما معظم الشباب، في الانفتاح على العالم وفي تحدّي مسلمات الجيل السابق، ربما أن إيليا ويوناتان كانا من المعترضين على مقولة الاضطهاد السرمدي لليهود وما يستتبعها من حاجة إلى التكمين، إلى العصبية اليهودية. ربما ساورتهما بشأنها بعض الشكوك وإن كانا على قبول عام بها، أو ربما كانا من الذين يعتنقونها جملة وتفصيلاً.

في جميع الحالات، ما حدث في أبوظبي جاء شاهداً ثابتاً أكيداً أن مقولة استهداف هويتهما ليست مجرد نظرية.

لن يساهم رفض ناديا وشربل مواجهتهما رياضياً بتوعيتهما، إلا إلى عزلتهما كيهود والحاجة إلى التقوقع والاستقواء إزاء من يرفض اليهود، حتى الشباب منهم، حتى الرياضيين منهم. فالمقاطعة هي مضاعفة للأذى. أذى قليل يطال إيليا ويوناتان، وأذى كثير يطال الفلسطينيين.

من شأن التطبيع أن يكون مخرجاً من هذا الأذى وذاك. ليس كل التطبيع.

ثمة تطبيع انبطاحي، قبيح غريب، مشوّه للفكر والتاريخ، يكشف عن احتقار للذات أو عن سعي مرذول إلى المصلحة الضيقة. لا حاجة لهكذا تطبيع.

ثمة تطبيع انبهاري، يرى في إسرائيل كل النجاح ويتعامى عن مواضع فشلها العديدة. الحاجة قائمة لتصويبه.

ثمة تطبيع انكساري، نتيجة الإكراه والمقايضة. الحاجة دائمة لتصويبه وتوضيحه وترقيته. وثمة تطبيع نفاقي، نأخذ ونطالب بالمزيد، فاشل بحكم ذكاء من يفترض خداعهم. والحاجة هي إلى علاجه تصحيحه.

يبقى التطبيع الندي. نحن وأنتم نتيجة تاريخ مؤلم. نسعى بنية صادقة لتفكيك المتشابك فيه انطلاقاً من قناعة أن الخير على جماعة مضاعف عن الخير على فرقة.

كان بوسع ناديا وشربل أن يقولا ذلك لإيليا ويوناتان بلغة المباراة الرياضية. عسى أن يكون الأمر كذلك في المرة القادمة.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.