مظاهرة أمام مكتب رئيس الوزراء الأردني في العاصمة، عمّان، بسبب غلاء المعيشة عام 2018
مظاهرة أمام مكتب رئيس الوزراء الأردني في العاصمة، عمّان، بسبب غلاء المعيشة عام 2018

قبل أيام أظهر استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية عن نتائج صادمة، ومقلقة لآراء، ومواقف الشارع الأردني من قضايا محلية ودولية، مما يؤشر على تزايد حدة السخط والغضب الشعبي.

والغريب والملفت للانتباه أنه ورغم كل حملات التسويق الرسمي، والجهد الكبير المبذول في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية للترويج للإصلاح السياسي في البلاد، فإن 2 في المئة فقط من الشعب الأردني يفكرون بالانضمام للأحزاب السياسية، و8 في المئة يتوقعون نجاح الحياة الحزبية، و87 بالمئة لا يعرفون شيئا عن قانون الأحزاب الجديد.

طوال الأشهر الماضية انشغلت البلاد في وثيقة الإصلاح السياسي التي عكفت على إعدادها لجنة ملكية رفيعة بقيادة سمير الرفاعي، رئيس الوزراء الأسبق، وأصبح الحديث عن الحكومات الحزبية رائجا.

وتحت هذه اليافطة جرت تعديلات واسعة على الدستور، وتلتها اجتماعات متواصلة في الديوان الملكي لإعداد الرؤية الاقتصادية التي وصفت بأنها "عابرة للحكومات"، والوصفة التي ستُخلص الأردن من أزماته الاقتصادية، وقبل أن يهضم الأردنيون والأردنيات وثيقتي الإصلاح السياسي والاقتصادي كانت لجنة حكومية تضع الرتوش الأخيرة على خطة إصلاح القطاع العام.

الرهانات، والتبشير على أن البلاد تسير بالاتجاه الصحيح تدحضها نتائج استطلاع "نبض الشارع"، فالإجابات قاطعة وحاسمة لدى الناس، إنهم لا يشترون بضاعة الحكومة ووعودها للمستقبل.

كثيرة هي التفاصيل التي أظهرتها نتائج استطلاع الرأي، وتكشف المأزق الذي يمر به الأردن، وحالة التيه التي يعيشها الناس و"كفرهم" بالتوجهات والحلول التي تقترحها حكوماتهم لمواجهة التحديات.

وعلى سبيل المثال لا الحصر. كل الكلام والاجتماعات للحديث عن تطوير الحياة الحزبية وولادة أحزاب برامجية ستقود الحكومات في السنوات القادمة لا يجد اهتماما ولا تجاوبا، بل على العكس حالة من الاستنكاف.

وتطغى النقاشات التي تبحث في إطلاق الحياة الحزبية داخل أسوار الجامعات ولكن القناعات المترسخة أن كل ما يُقال ليس سوى "بروباغاندا"، وأن المقاربة الأمنية التي حكمت السياسات والممارسات داخل الجامعات وخارجها لن تتغير.

في ظل الأحكام العرفية، قبل أكثر من ثلاثة عقود، كانت الحياة الحزبية واقعا سائدا في الجامعات، وكانت الأحزاب السرية قادرة على الاستقطاب والعمل أكثر مما عليه الحال بعد عودة الحياة الديمقراطية والبرلمانية، عام 1989. 

وكانت مظلة الأحزاب اليسارية والقومية، ولاحقا الإسلامية، قادرة على استيعاب الحراك الطلابي ودفع قياداته لتصدر المشهد السياسي، ولم يكن آنذاك من يشكو من الصراعات العشائرية التي باتت السمة الغالبة على الجامعات، وهو ما زاد اليقين أن تهميش العمل السياسي داخل أسوار الجامعات كان صناعة رسمية بامتياز، وهذه النتيجة تزيد من المخاوف، وتُشيع أجواءً من التشاؤم بصعوبة استعادة الحياة الحزبية وزخمها، وقبل ذلك، التشكيك بجدية الخطاب الحكومي من الأساس.

هذا الواقع ينسحب بشكل جليّ في نتائج الاستطلاع، فغالبية الأردنيين، 67 بالمئة، يعارضون انضمام طلبة الجامعات للأحزاب، ويعتقدون أنها قد تكون سببا للمشاكل والفتن والتفرقة، وعلى هذا المنوال فإن 73 بالمئة يعارضون إقامة أنشطة حزبية داخل الجامعات.

بلا أدنى شك، تحصد الحكومات المتتابعة بعد عقود نتائج فشلها الذريع في تحقيق الرفاه للناس وفقدان الثقة بسياساتها، فالأزمة أكثر تعقيدا من تجاهل الأردنيين للتنظير الرسمي عن الحياة الحزبية، فالغالبية ترى أن الاتجاه الذي تمضي فيه البلاد ليس صحيحا، ولا إيجابيا، والأسباب لذلك واضحة، فالخدمات الحكومية بصفة عامة وخاصة، في مجالات التعليم والصحة والنقل تتردى وفي تراجع، والأسعار ترتفع وغلاء المعيشة يلتهم ميزانيات الأسر والبطالة والفقر في تزايد ملحوظ والفساد المالي والإداري، والمحسوبية سمات لا يمكن تجاهلها، ومُلخص الحال أن البلاد ليست بخير، ولهذا فإن 80 بالمئة يرون أن الأوضاع الاقتصادية تسير بالاتجاه السلبي.

كل خطط الحكومة، ومبادراتها لا تحظى بالاهتمام، وأكثر ما تحدث عنه رئيس الوزراء في الأسابيع الماضية كان تطوير القطاع العام، باعتباره جزءاً من مصفوفة الإصلاح، فالأردن الذي كان يُشهد له بتطور وفعالية الأداء المؤسسي لوزاراته تراجع واقعه، وصارت الخدمات الحكومية مُنفرة للمواطنين والمواطنات، وساد الاعتقاد أن الجهاز الحكومي المترهل بات مظلة للبطالة المُقنّعة، والسؤال الأكثر إلحاحا؛ كيف يمكن الحديث عن إصلاح القطاع العام في ظل غياب المعايير للرقابة والمساءلة؟

سمعت حين عرض رئيس الحكومة خطته لإصلاح القطاع العام من يسأل بسخرية؛ كيف ستُنجز الحكومة هذه المهام الثقيلة إذا كانت حتى الآن لم تُقنع الشارع بآليات تشكيل الحكومات وتغييرها، ولم تضع رغم مرور 100 عام على تأسيس الدولة منظومة لتقييم عمل الوزراء حتى أصبحنا مضرب المثل بأعداد الوزراء السابقين الذين تكدسوا، ويعيش معظمهم على رواتب تقاعدية على حساب الدولة التي تشكو الصعوبات الاقتصادية؟

اللامبالاة بضجيج الحكومة واضح، ولا يحتاج إلى استطلاعات الرأي لإثباته، ولا أعرف ماذا يفعل أو سيفعل الفريق الوزاري حين يعرف أن 81 بالمئة لم يسمعوا عن خطة إصلاح القطاع العام، والأكثر بلاءً أن 66 بالمئة يعتقدون أن هذه الخطة لن تُحسّن من أداء القطاع العام، و42 بالمئة ممن عرفوا بالخطة مُقتنعون أن الحكومة لن تنجح في أي من بنود خطتها لإصلاح القطاع العام.

بعد عامين على جائحة كورونا، تضاعفت معاناة الناس وتزايدت الأزمات الاقتصادية في الأردن، تبعتها الحرب على أوكرانيا التي أشعلت لهيب الأسعار، وأصبحت الأسر، الأكثر فقرا وهشاشة، ظهرها مكشوف ولا تجد من يسندها لمواجهة "غول" الغلاء، وما يوجع ويؤلم قناعتها أن السياسات والإجراءات التي اتبعتها الحكومة للحد من الأسعار كانت غير كافية، وهذا ما يقوله ليس المعارضون، بل 95 بالمئة من الشارع الأردني.

استطلاع "نبض الشارع" بانوراما تُضيء وتكشف عن موقف المجتمع من الكثير من التحديات المؤرقة، والتي تكون في مقدمة المشهد، فالعنف الذي يتعرض للإنكار، تؤكد الأرقام أنه ينتشر، وهذا ما يراه 88 بالمئة، وأكثر من ذلك فإن 40 بالمئة من الأردنيين يرون أن جرائم القتل أبرز أشكال العنف، و36 بالمئة يجدون أن الإناث هنّ الفئة الأكثر عرضة للعنف المجتمعي والأسري، و47 بالمئة ينسبون تفشي العنف للبطالة والفقر.

اشتبك الاستطلاع مع قضايا خارج حدود الأردن احتلت مساحة واسعة من التغطية والاهتمام، في مقدمتها كانت زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، للمنطقة، ولم يُفاجئني أن 58 بالمئة لم يسمعوا بها، ولم أستغرب أن 67 بالمئة يرون أنها ستُسهم في تطبيع العلاقات السعودية- الإسرائيلية، وهو ما ساد التركيز عليه قبل قمة الأمن والتنمية في جدة، وما شاع عن ناتو عربي يضم إسرائيل، وهو ما كُذّب على أرض الواقع.

ولكن الأهم أن المجتمع الأردني لا يثق بكل هذه التحركات السياسية في خدمة قضية فلسطين، وبحل الصراع العربي- الإسرائيلي، و12 بالمئة فقط يعتقدون أن لها أثرا إيجابيا في عملية السلام.

مثلما مر بايدن من المنطقة ولم يسمع به إلا قلة من المهتمين، فإن قمة الأمن والتنمية في جدة لم تحتل سلم الأولويات عند الشارع الأردني، ولم تسمع بها الأغلبية، ومن تابعوها وعلموا بأمرها يعتقدون أنها خطوة لترسيخ التعاون الإقليمي الدفاعي والأمني والاستخباري.

ربما ترى أطراف حكومية أن مواقف الشارع متطرفة وتغض النظر عن الإيجابيات والإنجازات ولا تنظر بامتنان إلى أن الأردن، رغم الأزمات الجارفة، لم يقف الناس في "الطابور" للحصول على رغيف الخبز أو لتعبئة سيارتهم بالبنزين، وكان قادرا على التكيف وإيجاد المخارج حتى لا يقع عن الحافة.

والحقيقة أن كل هذه الشروحات والإيضاحات لا تهم المواطنين ما داموا يعيشون ضنك الحياة اقتصاديا، وتضيق عليهم هوامش وسقوف حرياتهم وحقوقهم.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.