قبل أيام أظهر استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية عن نتائج صادمة، ومقلقة لآراء، ومواقف الشارع الأردني من قضايا محلية ودولية، مما يؤشر على تزايد حدة السخط والغضب الشعبي.
والغريب والملفت للانتباه أنه ورغم كل حملات التسويق الرسمي، والجهد الكبير المبذول في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية للترويج للإصلاح السياسي في البلاد، فإن 2 في المئة فقط من الشعب الأردني يفكرون بالانضمام للأحزاب السياسية، و8 في المئة يتوقعون نجاح الحياة الحزبية، و87 بالمئة لا يعرفون شيئا عن قانون الأحزاب الجديد.
طوال الأشهر الماضية انشغلت البلاد في وثيقة الإصلاح السياسي التي عكفت على إعدادها لجنة ملكية رفيعة بقيادة سمير الرفاعي، رئيس الوزراء الأسبق، وأصبح الحديث عن الحكومات الحزبية رائجا.
وتحت هذه اليافطة جرت تعديلات واسعة على الدستور، وتلتها اجتماعات متواصلة في الديوان الملكي لإعداد الرؤية الاقتصادية التي وصفت بأنها "عابرة للحكومات"، والوصفة التي ستُخلص الأردن من أزماته الاقتصادية، وقبل أن يهضم الأردنيون والأردنيات وثيقتي الإصلاح السياسي والاقتصادي كانت لجنة حكومية تضع الرتوش الأخيرة على خطة إصلاح القطاع العام.
الرهانات، والتبشير على أن البلاد تسير بالاتجاه الصحيح تدحضها نتائج استطلاع "نبض الشارع"، فالإجابات قاطعة وحاسمة لدى الناس، إنهم لا يشترون بضاعة الحكومة ووعودها للمستقبل.
كثيرة هي التفاصيل التي أظهرتها نتائج استطلاع الرأي، وتكشف المأزق الذي يمر به الأردن، وحالة التيه التي يعيشها الناس و"كفرهم" بالتوجهات والحلول التي تقترحها حكوماتهم لمواجهة التحديات.
وعلى سبيل المثال لا الحصر. كل الكلام والاجتماعات للحديث عن تطوير الحياة الحزبية وولادة أحزاب برامجية ستقود الحكومات في السنوات القادمة لا يجد اهتماما ولا تجاوبا، بل على العكس حالة من الاستنكاف.
وتطغى النقاشات التي تبحث في إطلاق الحياة الحزبية داخل أسوار الجامعات ولكن القناعات المترسخة أن كل ما يُقال ليس سوى "بروباغاندا"، وأن المقاربة الأمنية التي حكمت السياسات والممارسات داخل الجامعات وخارجها لن تتغير.
في ظل الأحكام العرفية، قبل أكثر من ثلاثة عقود، كانت الحياة الحزبية واقعا سائدا في الجامعات، وكانت الأحزاب السرية قادرة على الاستقطاب والعمل أكثر مما عليه الحال بعد عودة الحياة الديمقراطية والبرلمانية، عام 1989.
وكانت مظلة الأحزاب اليسارية والقومية، ولاحقا الإسلامية، قادرة على استيعاب الحراك الطلابي ودفع قياداته لتصدر المشهد السياسي، ولم يكن آنذاك من يشكو من الصراعات العشائرية التي باتت السمة الغالبة على الجامعات، وهو ما زاد اليقين أن تهميش العمل السياسي داخل أسوار الجامعات كان صناعة رسمية بامتياز، وهذه النتيجة تزيد من المخاوف، وتُشيع أجواءً من التشاؤم بصعوبة استعادة الحياة الحزبية وزخمها، وقبل ذلك، التشكيك بجدية الخطاب الحكومي من الأساس.
هذا الواقع ينسحب بشكل جليّ في نتائج الاستطلاع، فغالبية الأردنيين، 67 بالمئة، يعارضون انضمام طلبة الجامعات للأحزاب، ويعتقدون أنها قد تكون سببا للمشاكل والفتن والتفرقة، وعلى هذا المنوال فإن 73 بالمئة يعارضون إقامة أنشطة حزبية داخل الجامعات.
بلا أدنى شك، تحصد الحكومات المتتابعة بعد عقود نتائج فشلها الذريع في تحقيق الرفاه للناس وفقدان الثقة بسياساتها، فالأزمة أكثر تعقيدا من تجاهل الأردنيين للتنظير الرسمي عن الحياة الحزبية، فالغالبية ترى أن الاتجاه الذي تمضي فيه البلاد ليس صحيحا، ولا إيجابيا، والأسباب لذلك واضحة، فالخدمات الحكومية بصفة عامة وخاصة، في مجالات التعليم والصحة والنقل تتردى وفي تراجع، والأسعار ترتفع وغلاء المعيشة يلتهم ميزانيات الأسر والبطالة والفقر في تزايد ملحوظ والفساد المالي والإداري، والمحسوبية سمات لا يمكن تجاهلها، ومُلخص الحال أن البلاد ليست بخير، ولهذا فإن 80 بالمئة يرون أن الأوضاع الاقتصادية تسير بالاتجاه السلبي.
كل خطط الحكومة، ومبادراتها لا تحظى بالاهتمام، وأكثر ما تحدث عنه رئيس الوزراء في الأسابيع الماضية كان تطوير القطاع العام، باعتباره جزءاً من مصفوفة الإصلاح، فالأردن الذي كان يُشهد له بتطور وفعالية الأداء المؤسسي لوزاراته تراجع واقعه، وصارت الخدمات الحكومية مُنفرة للمواطنين والمواطنات، وساد الاعتقاد أن الجهاز الحكومي المترهل بات مظلة للبطالة المُقنّعة، والسؤال الأكثر إلحاحا؛ كيف يمكن الحديث عن إصلاح القطاع العام في ظل غياب المعايير للرقابة والمساءلة؟
سمعت حين عرض رئيس الحكومة خطته لإصلاح القطاع العام من يسأل بسخرية؛ كيف ستُنجز الحكومة هذه المهام الثقيلة إذا كانت حتى الآن لم تُقنع الشارع بآليات تشكيل الحكومات وتغييرها، ولم تضع رغم مرور 100 عام على تأسيس الدولة منظومة لتقييم عمل الوزراء حتى أصبحنا مضرب المثل بأعداد الوزراء السابقين الذين تكدسوا، ويعيش معظمهم على رواتب تقاعدية على حساب الدولة التي تشكو الصعوبات الاقتصادية؟
اللامبالاة بضجيج الحكومة واضح، ولا يحتاج إلى استطلاعات الرأي لإثباته، ولا أعرف ماذا يفعل أو سيفعل الفريق الوزاري حين يعرف أن 81 بالمئة لم يسمعوا عن خطة إصلاح القطاع العام، والأكثر بلاءً أن 66 بالمئة يعتقدون أن هذه الخطة لن تُحسّن من أداء القطاع العام، و42 بالمئة ممن عرفوا بالخطة مُقتنعون أن الحكومة لن تنجح في أي من بنود خطتها لإصلاح القطاع العام.
بعد عامين على جائحة كورونا، تضاعفت معاناة الناس وتزايدت الأزمات الاقتصادية في الأردن، تبعتها الحرب على أوكرانيا التي أشعلت لهيب الأسعار، وأصبحت الأسر، الأكثر فقرا وهشاشة، ظهرها مكشوف ولا تجد من يسندها لمواجهة "غول" الغلاء، وما يوجع ويؤلم قناعتها أن السياسات والإجراءات التي اتبعتها الحكومة للحد من الأسعار كانت غير كافية، وهذا ما يقوله ليس المعارضون، بل 95 بالمئة من الشارع الأردني.
استطلاع "نبض الشارع" بانوراما تُضيء وتكشف عن موقف المجتمع من الكثير من التحديات المؤرقة، والتي تكون في مقدمة المشهد، فالعنف الذي يتعرض للإنكار، تؤكد الأرقام أنه ينتشر، وهذا ما يراه 88 بالمئة، وأكثر من ذلك فإن 40 بالمئة من الأردنيين يرون أن جرائم القتل أبرز أشكال العنف، و36 بالمئة يجدون أن الإناث هنّ الفئة الأكثر عرضة للعنف المجتمعي والأسري، و47 بالمئة ينسبون تفشي العنف للبطالة والفقر.
اشتبك الاستطلاع مع قضايا خارج حدود الأردن احتلت مساحة واسعة من التغطية والاهتمام، في مقدمتها كانت زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، للمنطقة، ولم يُفاجئني أن 58 بالمئة لم يسمعوا بها، ولم أستغرب أن 67 بالمئة يرون أنها ستُسهم في تطبيع العلاقات السعودية- الإسرائيلية، وهو ما ساد التركيز عليه قبل قمة الأمن والتنمية في جدة، وما شاع عن ناتو عربي يضم إسرائيل، وهو ما كُذّب على أرض الواقع.
ولكن الأهم أن المجتمع الأردني لا يثق بكل هذه التحركات السياسية في خدمة قضية فلسطين، وبحل الصراع العربي- الإسرائيلي، و12 بالمئة فقط يعتقدون أن لها أثرا إيجابيا في عملية السلام.
مثلما مر بايدن من المنطقة ولم يسمع به إلا قلة من المهتمين، فإن قمة الأمن والتنمية في جدة لم تحتل سلم الأولويات عند الشارع الأردني، ولم تسمع بها الأغلبية، ومن تابعوها وعلموا بأمرها يعتقدون أنها خطوة لترسيخ التعاون الإقليمي الدفاعي والأمني والاستخباري.
ربما ترى أطراف حكومية أن مواقف الشارع متطرفة وتغض النظر عن الإيجابيات والإنجازات ولا تنظر بامتنان إلى أن الأردن، رغم الأزمات الجارفة، لم يقف الناس في "الطابور" للحصول على رغيف الخبز أو لتعبئة سيارتهم بالبنزين، وكان قادرا على التكيف وإيجاد المخارج حتى لا يقع عن الحافة.
والحقيقة أن كل هذه الشروحات والإيضاحات لا تهم المواطنين ما داموا يعيشون ضنك الحياة اقتصاديا، وتضيق عليهم هوامش وسقوف حرياتهم وحقوقهم.

