رسائل متبادلة بين طهران وواشنطن
رسائل متبادلة بين طهران وواشنطن

أسبوع حافل في الساحة المشتعلة ديبلوماسيا وعسكريا بين أميركا وإيران في السباق لحصد تنازلات أخيرة في الملف النووي قبل أي إتفاق قريب هذا الخريف، وفي المبارزة الإقليمية عبر بوابة سوريا المستباحة والمتشرذمة بين أطراف الصراع.

في المفاوضات النووية وبعد أن أعلنت الخارجية الإيرانية أنها تسلمت الرد الأميركي على ملاحظاتها لحل القضايا العالقة، بدأت عقارب الساعة بالعد العكسي وبانتظار جولة جديدة وقد تكون حاسمة في المحادثات في فيينا خلال الأسابيع المقبلة.

أهم ما في الرسائل المتبادلة بين طهران وواشنطن في الملف النووي هو ما يلي:

1- قرار من المحافظين في إيران بخوض المفاوضات بعد مماطلة استمرت عاما منذ خروج حسن روحاني وجواد ظريف. لا نعرف بعد إذا ما كان هذا القرار الإيراني يحظى بغطاء من المرشد الأعلى علي خامنئي الذي سيحسم مصير العودة للاتفاق أو المضي بمسار المواجهة.

2- التنازلات التي قدمتها إيران في ملفي الحرس الثوري الإيراني والرضوخ لإبقائه على لائحة الإرهاب، وفي قبول تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعكس نية إيرانية بالعودة للاتفاق ليس محبة بالغرب بل لأسباب اقتصادية أهمها رفع العقوبات المرتبطة بالاتفاق، وفتح الباب لتصدير النفط الإيراني للسوق الأوروبي، وتقليل الاعتماد على السوق الصيني الذي خذل إيران أخيرا واستمالته روسيا بعد حرب أوكرانيا.

3- التنازلات التي قدمتها أميركا أكثرها يرتبط بملف العقوبات وتسهيل تعاملات أوروبية مع مصارف إيرانية بعضها قد يكون مرتبط بالحرس الثوري، والامتناع عن وضع عقوبات جديدة.

4- العقبات المستمرة تدور في فلك مصير الاتفاق في حال تغير اسم الرئيس الأميركي خلال عامين، بالإضافة  إلى المساحة المتاحة لوكالة الطاقة الذرية في تفتيش المنشآت الإيرانية، ومصير عقوبات غير مرتبطة بالملف النووي.

هذه الصورة ترجح اتفاقا هذا العام ولو لم يكن وشيكا خلال أسابيع ومعارضة إسرائيل تبددت اليوم بعد تلقي تطمينات من واشنطن وزيارة مستشار الأمن القومي إيال حلاتة ووزير الدفاع بيني غانتس إلى أميركا هذا الأسبوع. فهناك مصلحة إيرانية - غربية بفتح السوق الإيراني وخصوصا النفطي قبل أزمة الشتاء، وهناك رغبة إيرانية بتحصيل أكثر ما يمكن من دون تفكيك البرنامج النووي بل فقط إبطاءه والجلوس على بعد ستة أسابيع من القدرة التسلحية.

هذه المفاوضات تمضي على وقع التجاذبات الإقليمية والتراشق العسكري بين الحرس الثوري والقيادة الوسطى في سوريا لتحسين شروط المفاوضات. الرسالة الأميركية بالرد على التصعيد الإيراني وضرب قاعدة التنف هو أن الوجود الأميركي في سوريا غير مرتبط بالملف النووي، ولا تغيير في بنود الاتفاق والمفاوضات ليست رادع كاف لعدم الرد على طهران في سوريا.

في نفس الوقت فإن المفاوضات حول الغاز والنفط في لبنان لها بعد إيراني أيضا وفي حال تم التوصل إلى مقاربة تفيد إسرائيل وحزب الله وتوافق عليها الولايات المتحدة. وهنا يسود تفاؤل أميركي بإمكانية الوصول لاتفاق حول الحدود البحرية قبل نهاية ولاية الرئيس اللبناني ميشال عون في 31 أكتوبر الذي أيضا يتزامن مع موعد الانتخابات الإسرائيلية في 1 نوفمبر.

في التهدئة أيضا يقع الترحيب الأميركي بإعادة الإمارات العربية المتحدة سفيرها سيف محمد الزعابي إلى طهران بعد ستة أعوام وبتشجيع الحوار العربي - التركي - الإيراني.

هذا المناخ المزدوج من المفاوضات والضربات ينذر بأن ساعة الحسم في الملف النووي اقتربت وأن فرص العودة لاتفاق 2015 هي أكبر من أي وقت مضى هذا العام إنما بشروط منفصلة عن الساحة السورية وعن الضربات التي قد تستمر ضد ميليشيات إيران حتى وهي تصدر النفط للقارة الأوروبية.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.