قمة العلمين
زعماء الدول الخمس المشاركة في قمة العلمين التي عقدت في مصر في 22 من أغسطس الجاري.

قبيل وغداة قمة العلمين الخُماسية، شهدت الساحة الإعلامية العربية جدلا واسعا تمحور حول سؤالين اثنين: ما الذي تسعى إليه الدول المنخرطة في هذا الحراك الدبلوماسي الكثيف الذي توجته قمة العلمين؟ ولماذا غابت السعودية عن الحراك والقمة؟، لا سيما وأنها الخامسة التي تلتئم على هذا المستوى، خلال الأشهر التي سبقت وأعقبت جولة الرئيس جو بايدن في المنطقة.

نبدأ بالسؤال الأول والأسهل، فالإجابة عليه لم تثر تباينا كبيرا بين المحللين. المنطقة على مفترق طرق هام، وتكاد تلج عتبات مرحلة استراتيجية جديدة. وفي غياب النظام الإقليمي العربي (جامعة الدول العربية)، فمن الطبيعي أن تلتقي الدول المتقاربة في رؤاها وتصوراتها لمستقبل الإقليم وأولوياته وخرائط تحالفاته.

مروحة التحديات التي تجابه الإقليم لا حدود لها: (1) تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا وعليها بالذات في حقلي الطاقة والغذاء، فضلا عن الخيارات المتاحة أمام قادة هذه الدول في الاصطفافات الدولية التي نجمت عن الحرب وتسببت بها. (2) تهالك اقتصادات دول عربية عدة، من بينها دول منخرطة في هذا الحراك، كمصر والأردن، إثر كورونا وأوكرانيا، وتحول "الجائحة الاقتصادية" فيها إلى "تهديد" لأمنها الوطني. (3) تداعيات العودة للاتفاق النوي بين إيران والمجتمع الدولي، وكيفية التعامل مع إيران كـ"دولة عتبة نووية"، وما قد يترتب على أدوارها وسلوكها من تحولات في ضوء رفع العقوبات الدولية/الأميركية المفروضة عليها. (4) مآلات "قوس الأزمات" الممتد في المنطقة في ضوء هذه التطورات جميعها (من اليمن إلى لبنان، مرورا بسوريا والعراق، دع عنك ليبيا التي التأمت القمة الخماسية على مقربة من حدودها مع مصر).

تقف الدول المنخرطة في هذا المسار على أرضية مشتركة حيال عدة قضايا وأولويات، برغم ما يباعد بينها من خلافات وتباين في الأولويات والتحالفات. فهي من جهة تُعظّم مفهوم "المصلحة" في علاقاتها الثنائية، وتسعى في تنفيذ مشاريع مشتركة ذات طبيعة مستدامة، في حقول الطاقة والبنية التحتية والتبادل التجاري والاستثمار. وهي من جهة ثانية (ربما باستثناء البحرين)، تنظر لإيران بعيون "أقل عدائية"، وتبحث عن صيغة للتعامل معها قبل وبعد إبرام اتفاقها النووي مع المجتمع الدولي، وهي من جهة ثالثة، تحبذ عودة سوريا للجامعة العربية، وأعطت موافقة مبدئية لمشاركتها في قمة الجزائر حال انعقادها في نوفمبر القادم. وهي جميعها أعادت علاقاتها مع تركيا أو في طريقها إلى ذلك، والأهم، أنها جميعها، لم تقف تلقائيا خلف واشنطن في الأزمة الأوكرانية، وتفضل الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع مختلف الأقطاب الدولية، بالذات روسيا والصين.

وبرغم التفاوت في مكانة القضية الفلسطينية لدى هذه الأطراف، حيث يبدي الأردن ومصر اهتماما أكبر من غيرهما من الدول المشاركة بهذا الملف، إلا أنها تتبنى مواقف متقاربة حيال هذه المسألة، تقوم على "حل الدولتين" ودعم الرعاية الهاشمية للمقدسات، وحفظ التهدئة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ينقلنا ذلك إلى السؤال الثاني، الأصعب، موضع الجدل واختلاف التحليلات: لماذا تغيب السعودية عن هذا الحراك، وهي التي تلتقي مع الدول المشاركة في معظم، إن لم نقل جميع، العناوين السابق ذكرها؟ فالمملكة بانتظار جولة سادسة من الحوار مع إيران، على المستوى السياسي هذه المرة، وليس الأمني، وسط تكهنات متفائلة بنجاحات على طريق "تطبيع" العلاقات الثنائية بين البلدين. والمملكة قادت التحرك العربي في قمة جدة أثناء زيارة الرئيس بايدن، وآثرت التموضع في "أوبك بلس"، ولم تستجب لا لمشروع "الناتو الشرق أوسطي"، ولا لمطالب القطع والقطيعة مع روسيا والصين. والمملكة هي صاحبة مبادرة السلام العربية التي نهضت على فكرة "حل الدولتين"، وسبق لها أن وقعت بيانات مشتركة تدعم الوصاية الهاشمية على المقدسات. والمملكة معنية بحلول سياسية لأزمات الإقليم المفتوحة، بدءا من اليمن. والمملكة منذ أن أطلق ولي عهدها رؤيته "2030"، تولي الاقتصاد والتنمية والاستثمار والسياحة والترانزيت، مكانة متقدمة في سلم أولويات علاقاتها الإقليمية والدولية، فلماذا تغيب، وجميع القضايا الحاضرة، تقع مبدئيا في صلب أولويات الرياض واهتماماتها؟

بعض المتحدثين السعوديين (والعرب)، من مثقفين وإعلاميين ومحللين سياسيين، رفضوا فكرة "الغياب"، وبالأحرى: "التغييب"، فهم يرون أن المملكة حاضرة بحضور زميلاتها في مجلس التعاون: الإمارات والبحرين، وأحيانا تشارك بموفد أقل مستوى، ويشار هنا باستمرار إلى الأمير تركي بن محمد بن فهد، وزير الدولة المقرب من ولي العهد السعودي، والذي لا يظهر عادة في الصورة. لكن السؤال لماذا يغيب ولي العهد السعودي شخصيا، ولماذا لا تستضيف الرياض هذا الحراك وترعاه، وهي الأقدر على فعل ذلك، بدلالة الحضور، كامل النصاب، لقمة جدة، وهل يمكن الأخذ بنظرية أن من حضر من قادة الخليج يمثل السعودية وينطق باسمها؟ في الحقيقة مثل هذا التفسير، لا يمكن أن يكون مقنعا في السياسة والعلاقات الدولية، لا سيما في ضوء المعطيات المتراكمة، التي تدلل على أن الرياض وأبو ظبي، ليستا على قلب رجل واحد في عديد من القضايا والتحديات، وأن البحرين، "أصغر" من أن تكون صوت المملكة المعبر عن أولوياتها، مع الاعتذار عن هذا التعبير مسبقا.

رواية أخرى تُستحضر لتفسير غياب المملكة عن حراك القمم الرباعية والخماسية، تعزوه إلى جدول الأعمال المزدحم لولي العهد، الذي يتولى فعليا قيادة المملكة في ضوء الوضع الصحي (وعامل السنّ) الذي يعيشه الملك سلمان بن عبد العزيز. والحقيقة أن مرض الملك وانشغالات ولي عهده، لم يمنعا الأخير من تنفيذ جولتين خارجيتين في الأسابيع الأخيرة، حملته أولاها إلى كل من القاهرة وعمان وأنقرة، وأوصلته ثانيتها إلى كل من أثينا وباريس، كما لم تمنع من قبل، من استقبال الرئيس الأميركي وتسعة من قادة دول مجلس التعاون، فضلا عن قادة كل من الأردن ومصر والعراق، ثم أن بمقدور الرياض أن تكون حاضنة لهذا الحراك، وبصورة تعفي ولي العهد من عناء السفر وتبقيه على مقربة من مقر قيادته.

آخرون تحدثوا عن أجندة سعودية مغايرة، تلتقي لفظيا مع أجندة الدول المشاركة، وتغايرها في ترتيب الأولويات والضرورات الضاغطة، فولي العهد آثر مشاهدة جولات المصارعة الحرة، التي جمعت انتوني جوشوا وألكسندر أوسيك في جدة، على المشاركة في قمة العلمين، برغم التزامن القريب بينهما. الاهتمامات الداخلية لولي العهد تأتي في صدارة أولوياته، وبالذات ما يتصل منها برؤية "2030"، ونقل المملكة إلى عصر جديد، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا (ليس بالضرورة سياسيا)،  وهي مُقَدَّمَة على أجندة السياسة الخارجية والوضع الإقليمي، دون تقليل من شأن وأهمية هذه الأجندة.

وإذ يقترح البعض "خلافا" سعوديا إماراتيا، يقف وراء غياب السعودية عن هذا الحراك، فإنه يفترض أن أبو ظبي، هي "الراعي الرسمي" لمسلسل القمم الثلاثية والرباعية والخماسية، والذي اشتمل على إسرائيل في بعض حلقاته، وأن الإمارات تسعى لتعزيز مكانتها في المنظومة الخليجية والإقليم وعلى الساحة الدولية، ودائما في سياق "المنافسة"، وليس التعاون أو التكامل، مع السعودية، إذ حتى القمم التي يُدعى إليها خارج الإمارات، ومن قبل قادة الدول المضيفة، إنما تأتي بـ"تحريك" من ولي عهد أبو ظبي الذي صار رئيسا للدولة بعد رحيل أخيه غير الشقيق، خليفة بن زايد آل نهيان.

والحقيقة أن المراقب يقف حائرا عند محاولة تقديم "تفسير" لسبب الغياب السعودي عن هذا الحراك، حتى أننا لا نعرف ما إن كانت المملكة قد دعيت أو استمزجت "أصلا" للمشاركة فيه، أم أن الأمر حدث بخلاف ذلك، على أن الغياب السعودي عنه، ليس الغياب الوحيد، وإن كان الأكثر أهمية ودلالة.

فالقمم التي يقال إنها بحثت في القضية الفلسطينية، وعبرت عن مواقف مشتركة حيالها، تلتئم من دون مشاركة الفلسطينيين، والمؤكد أن الرئيس محمود عباس لم يتلق دعوة لحضور أي منها، وهذا أمرٌ مفهوم في ضوء "الموقف المقرر" للإمارات في عقدها وترتيبها، والإمارات كما هو معلوم، لا تحتفظ بعلاقات وديّة مع الرئاسة الفلسطينية، إن على خلفية دعمها للعقيد المنشق محمد دحلان، أو بفعل حماستها لمسار إبراهام التطبيعي، وباستثناء الأردن، فلا يبدو أن الأطراف الأخرى المشاركة، شديدة الحماس لدعوة عباس ومشاركته في قمم كهذه.

وكما هو حال بعض التفسيرات للغياب السعودي، فهناك من يقترح أن هذه المجموعة من الدول، باتت تتعامل مع مصر والأردن، بوصفهما "كفيلتي" الملف الفلسطيني، وأن حضورهما القمم المشار إليها، يُغني عن حضور الفلسطينيين، إذ في الوقت الذي تتكفل فيه مصر بملف غزة وحماس والتهدئة والمصالحة الفلسطينية المتعثرة، فإن للأردن "دالّة" على الرئيس عباس، إذ يكاد الملك عبد الله الثاني يكون الوحيد من بين قادة العالم، الذي يحتفظ بعلاقة منتظمة مع الرئاسة الفلسطينية.

والحقيقة أن الغياب الفلسطيني عن القمم، العائد في جزء منه، لهزال النظام السياسي الفلسطيني وشيخوخته وانقساماته، يطرح أسئلة عديدة، من بينها: هل نحن أمام عودة "غير رسمية، وعير معلنة" عن قرارات الرباط 1974، التي نظرت لمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، أو على الأقل، إطفاء مفاعليها ومندرجاتها، عمليا وليس رسميا؟ بل أن السؤال، حول صيغة الحل المستقبلي للقضية الفلسطينية، يبدو مطروحا بقوة، في ظل ما يتطاير من سيناريوهات تعيد الاعتبار لـ"الخيار الأردني"، وتقترح على قطاع غزة، إمارة مسالمة، ومزدهرة اقتصاديا، إن أوفت حماس بمقتضيات "سلطة الأمر الواقع" القائمة فيه وعليه، منذ أزيد من خمسة عشر عاما؟

والخلاصة أن النظام الإقليمي العربي، كما النظام الدولي، يمر في مرحلة انتقال استراتيجية، لم تتضح معالمها و"قواعدها" بعد، حيث تبحث مختلف الأطراف عن "مكان تحت الشمس"، وتسعى في رسم مواطئ أقدامها التالية، في ظل حالة تبدل في أوزان القوى وتحالفاتها وأولوياتها، يشمل ذلك الدول العربية، كما يشمل دول الجوار الإقليمي للعالم العربي على حد سواء.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!