لم يسبق لزيارة رئيس فرنسي إلى الخارج أن حظيت بهذا الحجم من المتابعة والاهتمام الرسمي والشعبي في المغرب
لم يسبق لزيارة رئيس فرنسي إلى الخارج أن حظيت بهذا الحجم من المتابعة والاهتمام الرسمي والشعبي في المغرب

يصادف حدث زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر، مرور عام على قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجارين الشقيقين الجزائر والمغرب، وفي سياق أزمة فرنسية - مغربية حقيقية، انطلقت صامتة ثم ما لبثت أن أطلت برأسها من شبابيك القنصليات الفرنسية التي شرعت في رفض منح التأشيرة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى الديار الفرنسية، بالرغم من أن قرار باريس في هذا الإطار ساوى بين المغاربة والجزائريين بتقليص 50% في نسبة  التأشيرات الممنوحة، في الوقت الذي عامل فيه التونسيين بتقليص أقل (30%).

لم يسبق لزيارة رئيس فرنسي إلى الخارج أن حظيت بهذا الحجم من المتابعة والاهتمام الرسمي والشعبي في المغرب، مثل الذي حظيت به الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الجزائر هذا الأسبوع، حيث اعتبر المغاربة أن النزاع الجزائري- المغربي حاضر بقوة بين ثنايا وبياض سطور جدول أعمال محادثات الرئيس الفرنسي والقادة الجزائريين.

مع ترقب مغربي للبيان الختامي للزيارة، والتساؤل هل ستنجح الجزائر في ضغوطها لانتزاع موقف فرنسي يخالف مواقفها السابقة في نزاع الصحراء الغربية، موقف يستجيب لرغبة جبهة البوليساريو ومحتضنيها. خاصة بعد إشهار الجزائر مؤخرا لورقة الصحراء، والتأكيد على أن "تطوير العلاقات مع محيطها مرتبط بالموقف من الصحراء الغربية". هكذا تابعنا كيف قامت الجزائر بتجميدها لاتفاقيات التعاون وحسن الجوار مع مدريد، بعد التغير الإسباني في الموقف من قضية الصحراء لصالح المغرب.

لذلك تتجه الأنظار اليوم صوب الجزائر لحل أزمة أوروبا من الطاقة، باعتبار الجزائر تحتل المرتبة الرابعة عالميا في إنتاج الغاز، ما يجعلنا نستعيد ذكرى برنامج "النفط مقابل الغذاء"، خلال حصار العراق في عهد الرئيس صدام حسين. لنكون أمام برنامج جزائري آخر، موجه إلى البلدان الأوروبية المتوسطية باسم "الدفء (الغاز) مقابل الاعتراف" (بجمهورية البوليساريو)". 

استبق ملك المغرب محمد السادس وصول ماكرون إلى العاصمة الجزائرية بخمسة أيام، ليرد بالمثل في خطابه السنوي في العيد الوطني "ثورة الملك والشعب" (20 غشت 2022)، على الشروط الجزائرية المتصلة بالصحراء، وكانت أهم فقرات خطاب الملك بمناسبة الذكرى، هي مطالبة شركاء المغرب التقليديين والجدد بموقف واضح من سيادة المغرب على الصحراء الغربية، و"أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". دون تسمية من هم هؤلاء الشركاء المعنيين. 

على الفور فسر عدد من المتابعين أن الخطاب يهم فرنسا ثم إسرائيل تباعا. لكن القصد في الحقيقة يعني هنا بالأساس فرنسا "الشريك التقليدي". أما الدولة العبرية "الشريك الجديد"، فهي وإن لم تعلن رسميا موقفا واضحا من مغربية الصحراء، واستمرت في التزامها بـ"الحل الأممي في قضية الصحراء الغربية"، كما أقر بذلك مدير مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط/ السفير ديفيد غوفرين في تصريح لوكالة إيفي الإسبانية. إلا أن إسرائيل باعتبارها من أكبر المصدرين للأسلحة العسكرية في العالم، تساعد عمليا المملكة في التسليح وفي إمدادها بـ "القبة الحديدية". وسبق لوزير إسرائيلي أن وجه تهديدا صريحا للجزائر من قلب العاصمة الرباط، معتبرا أن "اعتداء على المغرب هو اعتداء على إسرائيل". وتكررت زيارات كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين في الدولة العبرية إلى الرباط منذ توقيع التطبيع، من وزير الدفاع بيني غانتس، الذي وقع مذكرة تفاهم مع نظيره المغربي، في أول اتفاق من نوعه بين إسرائيل ودولة عربية (نوفمبر 2021). إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الفريق أفيف كوخافي ( 19 يوليو 2022). وقال الجيش الإسرائيلي في بيان له أن "اجتماعات كوخافي (مع قادة الجيش المغربي) تناولت فرص التعاون العسكري، سواء في التدريبات، أو في المجالات العملياتية والاستخباراتية".

هو ما وصفته الجزائر بـ"الاستفزاز"، وبـ"تهديد الأمن الاستراتيجي للجزائر"، وبلجوء المغرب إلى "الاستقواء بإسرائيل".. وسط مخاوف من اندلاع حرب في المنطقة بين الجارين، قد تستكمل أشواطا متبقية من "حرب الرمال" في بداية الستينيات من القرن الماضي. 
لكن ما الذي حصل حتى تتراجع فرنسا عن مواقفها السابقة الداعمة للرباط بالوقوف بجانبها في قضية الصحراء الغربية، خاصة في الأمم المتحدة. فلطالما كانت فرنسا في فوهة الانتقادات الحادة، ووصفت بـ"التحيز وعدم التوازن" من طرف الجزائر، لدعم باريس المغرب في ملف الصحراء.

يعزو بعض المحللين المغاربة هذا التراجع إلى "قلق باريس من الاستثمارات المغربية في إفريقيا الفرنكفونية"، وإلى التحفظ الفرنسي من اعتراف دونالد ترامب بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية، بل يقال إن فرنسا هي من كانت وراء عدم اتخاذ الاتحاد الأوروبي لموقف مساند للمقترح المغربي بالحكم الذاتي في الصحراء. إلا أن جهات فرنسية ترجع الأزمة الفرنسية مع المغرب إلى إن باريس لا ترى بعين الرضا للهاث المتسارع الوتيرة بين المغرب وإسرائيل، خاصة في الجانب المتعلق بالتعاون التكنولوجي العسكري، وإلى فرضية تجسس الرباط على كبار مسؤولي الدولة الفرنسية، في مقدمتهم الرئيس ماكرون، بواسطة برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس". الأمر الذي أثار غضبا شديدا لدى فرنسا سرعان ما تطور إلى مستويات قصوى من الحدة والتأزم. 

من جانب آخر، يمكن توجيه السؤال إلى ماكرون، ما الذي دعاه إلى أن يبتلع لسانه الذي أطاله قبل أقل من سنة (أكتوبر 2021)، لما قام بالتشكيك في وجود "أُمّة جزائرية" قبل الاستعمار الفرنسي. بل أكثر من ذلك لم يتردد يومها في مهاجمة النظام الجزائري، قائلا  إن "النظام السياسي العسكري بُني على الريع التذكاري"، مضيفا: "نحن نرى أن "النظام الجزائري متعَب، والحراك أضعفه".  وأنه يرى أن الرئيس عبد المجيد تبون "عالق في نظام قاسٍ للغاية".

لللإجابة ما عليكم إلا أن تفتحوا كتاب أزمة الطاقة وتفتشو عن الغاز! مهما حاول الرئيس ماكرون تضليل الرأي العام بأنه لم يأت لاهثا وراء الغاز الجزائري.

لا شك أن حرب روسيا في أوكرانيا قلبت الكثير من الموازين والمواقف عبر العالم، وأن أزمة الطاقة كانت أبرز تداعياتها الخطيرة على أوروبا. لذلك سارعت دول أوروبية للبحث عن منافذ بديلة للتزود بالغاز، وكلما اقترب فصل الشتاء والبرد زاد القلق والخوف من الموت في الصقيع المنتظر. وماكرون الذي ربح ولاية ثانية على رأس فرنسا، يسعى الآن جاهدا إلى مراكمة الأمجاد، منها ربح معركة التزود بالغاز قبل أن تضظره الأزمة إلى الفشل، وربما المغادرة قبل الأوان. وبما أن أقرب منفذ هو المستعمرة السابقة التي كانت تسمى "فرنسا الثانية"، قبل أن يلجأ الرئيس شارل ديغول إلى الاستسلام أمام ضربات المقاومة وجيش التحرير الجزائري، ليطرح استفتاء البقاء أو الخروج من الجزائر، وتنهي نتيجة التصويت 132 سنة من الوجود الاستعماري الاستيطاني لفرنسا في الجزائر. 

لكن هل علينا هنا استحضار أمير الشعراء أحمد شوقي في مسرحيته "مجنون ليلى"، في مشهد ضبط فيه والد ليلى، قيس يتلصص أمام بابها، فزعم "المجنون" أنه جاء من "الدار حتى خلَت من دارنا النارُ".. وأتاه الرد:  امضِ قيسُ امضِ جئت تطلبُ نارا *** أم تُرى جئتَ تُشعل البيت نارا؟...

على هذا المثل المقتبس من أشهر قصص العشق العربية، نسأل إذا ما كان "العشيق" الفرنسي أمام لهفته على نيل الغاز الجزائري سيسعى لمساعدة نيران النزاع الجزائري المغربي على الاشتعال بالغاز الذي سيفرح به بين يديه، وبدل تأمين الدفء سيكون تسبب في حرائق مهولة قد لا تبقي ولا تذر، أين منها الحرائق الطبيعية للغابات التي تلتهم كل صيف جنوب أوروبا مع غابات شمال افريقيا في الجزائر والمغرب. فلا قدر الله، بدل طائرات مكافحة الحرائق ستحلق طائرات الحرب الراجمة بالقذائف والصواريخ المدمرة...  وبعدها لا غالب إلا الله.

فهل سيتجرأ إيمانويل ماكرون على التضحية في سبيل مواطنيه الفرنسيين، بالقفز من أعالي منطقة الرماد صوب مهاوي الوضوح، مشتعلا بحرائق غاز "سوناطراك" (الشركة الوطنية لنقل وتسويق المحروقات)؟!

وأين نحن من شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا، صاحب النشيد الوطني الجزائري، عندما يقول:
إن الجزائر في الغرام وتونسًا *** والمغرب الأقصى خلقن سواءَ
أرض مطهرة تضمّ ضلوعها *** مُـهـجًـا هنــاك زكيــة ودمــاء

هل ستتلوث المهج الزكية اليوم بغاز الأحقاد، ليتوحد المغرب الكبير في كيمياء الحريق والدم والعدم. أو أننا بصدد إعادة كتابة تاريخ جديد للمنطقة؟ ما دام ماكرون وأسلافه من رؤساء فرنسا يؤكدون دائما في علاقاتهم مع المغرب الكبير على المضي نحو المستقبل، فإنه يدرك جيدا أن الرهان على المستقبل لن يكون الفوز فيه إلا بيد من يقرأ جيدا فصول التاريخ، أو من يتقن إعادة كتابته، إذا لم تكن الحقيقة التاريخية في صالحه. في هذا الإطار يستعين ماكرون بخدمات ثلة من الخبراء في الحضارة والأنثروبولوجيا والتاريخ، على رأسهم الفرنسي بينجمان ستورا، اليهودي الجزائري الأصل، ليقنع الجزائريين بأن الاستعمار الدموي الفرنسي لبلادهم كان "نعمة حضارية" ساهمت في نشأة دولتهم الأبية من عدم!

ختاما، إن فرنسا المتوعكة والمتألمة من طردها من مالي تركض مستجيرة نحو مستعمراتها السابقة من أجل استدراك الأخطاء التي تسببت في تمرد باماكو ضدها، وتخشى من إنهاء سيطرتها العسكرية على المستعمرات السابقة، التي لم تتوقف عن استنزاف موارها بالتواطؤ مع أزلامها من الدكتاتوريات والنخب المسلطة على حكم تلك البلدان، ونهبها اقتصاديا واستيلابها ثقافيا ولغويا، عبر اتفاقيات ومخططات طويلة المدى. ألم يكتشف الرأي العام المغربي مؤخرا أن معاهدة "إكس ليبان" التي منح بموجبها الاستقلال للمغرب، تتضمن بنودا سرية، منها استغلال مداخيل الفوسفات، وأن تعويضات العاطلين في فرنسا هي من المكتب الشريف للفوسفاط المغربي.. فيما جيوش العاطلين في المغرب يموتون قهرا وجوعا، ويرمون أرواحهم في قوارب الموت بقعر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. 
هي "ماما فرنسا" الأم الرؤوم، التي لم تغادر المستعمرات السابقة، بل لا زالت تحضنها بسادية وتمعن كقطة شرسة في افترس أولادها المتبنين، من دون رفرفة جفن أو تفكير في تقديم اعتذار.

ولأننا نعلم أن الزيارات الرسمية لرؤساء الدول تكون على الأغلب تتويجا لمباحثات ومفاوضات وترتيبات تسبقها، فسنقول إن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر هذا الأسبوع، توفقت في إصلاح التصدع الذي شاب علاقات فرنسا المتوترة مع "جزائر النفط والغاز". وبعد النجاح لا بد من الاحتفال والرقص والموسيقى، لذلك يختتم ماكرون رحلته بزيارة لمدينة وهران، وهي موطن موسيقى الراي الشبابية. ويحضر برنامجا موسيقيا ترفيهيا مع شباب المدينة المتاخمة للحدود الجزائرية -المغربية. 

لا شك أن المنظمين حرصوا على عدم إسماع ماكرون كلمات أغنية الراي "أصحاب البارود والكارابيلا../ رافدين البارود وشاعلين الفتيلا..."، تلك الأغنية التي تعود إلى زمن مقاومة الجزائريين للاستعمار الفرنسي، وقد حاول الاستعمار طمس الأغنية وسجن صاحب كلماتها حتى وافته المنية في السجن قبل استقلال وطنه الجزائر.

إن فرنسا تخاف من سجل تاريخ جرائمها الاستعمارية الدموية، هو الخوف الذي تحدث عنه الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته "على هذه الأرض ما يستحق الحياة": (... وخوفُ الغزاة من الذكريات).. 

تاريخ أسود سيظل يطارد فرنسا الطغيان والغزو الاستعماري الممتد فوق هذه الأرض.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.