العراق.. أزمة لا تنتهي
العراق.. أزمة لا تنتهي

من أهمّ ملامح فشل النظام السياسي عجزه عن احتواء الصراعات السياسية ضمن عمل مؤسسات الدولة؛ ولذلك فإنَّ أعلى مراحل خطورة الصراع بين القوى السياسية الفاعلة تحصل عند تحوّلها إلى انقسام مجتمعي، وهذا ما يحصل الآن في العراق!

فمنذ ما يقارب العشرة أشهر، تضجّ وسائل التواصل الاجتماعي وبرامج الحوارات السياسية في القنوات الفضائية بجدل الصراع بين الإطار التنسيقي والتيار الصدري، وخصوصاً بعد تبادل الأدوار، مِن تمسّك الإطاريين بالثلث المعطّل لتشكيل حكومة الأغلبية التي نادى بها التيار الصدري، إلى استقالة النواب الصدريين من مجلس النواب، وخروجهم في تظاهرات واعتصامهم أمام البرلمان لمنع جلساته وعرقلة تشكيل حكومة الإطار التنسيقي!

وقبل استقالة الصدريين، كان الصراع السياسي بينهم وبين الإطار يدور داخل مؤسسة البرلمان، لكن بعد الاستقالة تحوّل الصراع إلى تحشيد جمهورهم في الشارع، وأصبحت المنطقة الخضراء ميدانًا للتظاهرات. هذه الانتقالة في الصراع السياسي من المؤسسات إلى الشارع، أصبحت تنعكس في معارك طاحنة بين أنصار الطرفَين وجيوشهم الالكترونية ومدونيهم على وسائل التواصل الاجتماعي. وكما يقول إيرك دورتشميد في كتابه (همس الدم): "عندما تدمّر أسس المجتمع فإنَّ ردّ فعل الجماهير يمكن أن يكون مليئاً بالمفاجئات!"

والصراع السياسي بين جمهور الإطار والتيار، يؤكد على أنَّ الطبقة السياسية في العراق تمكّنت بحرفية عالية من مسخ مفهوم المواطنة وارتباطه بالدولة. وذلك عندما حوّلت الجمهور إلى زبائن مرتبطين بهم مصلحياً، وآخرين متوهمين بشعاراتهم التي ترفعها بعنوان الدفاع عن حقّ المكون الطائفي، والوقف بوجه المتآمرين على تجربة الشيعة بالحكم!

مشكلة المخيال السياسي لجمهور الطرفين تكمن في أنّه لا يريد النظر إلى الصراع بين التيار والإطار على أنه صراع سياسي، ولا يمكن النظر إليه من زاوية الثنائيات المتعارضة، لكنَّ كليهما يصرّ على رفع شعار (من ليس معنا فهو ضدّنا). ويحاول جمهور الإطار والتيار تصوير الصراع السياسي بين الطرفَين على أنه معركة بين الخير والشر أو بين الحق والباطل، ولا يمكن أن يكون هناك حيادٌ في هذا الصراع!

المأزق السياسي يمكن تفسيره على أنّه حراكٌ سياسيٌ تتنافس فيه قوى لتوسعة مكاسبها السياسية، وفي المقابل تتخوّف قوى أخرى من خسارة سطوتها ونفوذها إذا أبعدت عن السلطة. لكنَّ هذا الصراع لا يريد أن يفهمه الجمهور المتأدلج، وهو مستعدٌ لتخوين كلّ من يعترض أو ينتقد مواقف المتصارعين!

لعلَّ زعامات التيار الصدري وقوى الإطار التنسيقي تدرك تماماً مستويات الصراع السياسي والسقوف التي يجب أن تقف عندها، لكنَّ جمهورهم لا يريد أن يفهم أنَّ قواعد اللعبة السياسية تخضع بالنهاية لمبدأ التسويات. وهنا تكمن المفارقة في فهم الجمهور المتأدلج والجمهور البعيد عن الارتباطات المصلحية في قراءته وتقييمه للمواقف وخطابات التصعيد السياسي.

الصراع بين الفرقاء السياسيين الشيعة، لا يمثّل إلا نسبة محددة من الجمهور الشيعي. لأنَّ غالبية هذا الجمهور كان مقاطعاً للانتخابات، وهو الآن يلعب دَور المتفرّج ويشعر باللامبالاة السياسية أمام صراع التيار والإطار. ولعلّ تغريدات السيد مقتدى الصدر تريد من الجمهور غير الصدري أن لا يقف على الحياد وأن يكون داعمًا لمطالبه ودعواته بالإصلاح السياسي. وبالمقابل حاولت قوى الإطار التنسيقي جذب الشارع من خلال رفع شعارات الدولة ودعم الشرعية، كأنما الصراع هو أكبر من مصالح الأطراف السياسية!

ضحية هذا الصراع هي الدولة وهيبتها، إذ باتت الكثير من العناوين والشخصيات الأكاديمية والصحفية تتخندق في أحد المعسكرين، إما الإطار أو التيار! وتمّ التأكيد على مواقف الطرفَين وصراعهما نحو تشكيل الحكومة منذ نهاية آخر انتخابات. وفي ظلّ تجاهل تامّ لِلسؤال الذي يستفهم عن كيفية استعادة الدولة التي أصبحت مستلَبة الإرادة في ظل حكومة ضعيفة، وقوى سياسية شرعنت الفوضى والخراب، وتريد الآن أن تقنع الشارع بأنها تريد الإصلاح أو تشكيل حكومة خدمات!

وقد تخلّت الكثير من النخب عن وظيفتها التي حددها "هربرت ماركيوز" في كتابه (نحو ثورة جديدة) بقوله: "موت المثقّف يكمن في تخلّيه عن وظيفته المتمثلة بتحرير الوعي من الأوهام، ورفض الأوضاع السائدة.. إنَّ مهنة المثقف هي صون الحقيقة من الضياع، المثقف هو من يرفض التسوية مع الفئات المسيطرة". لقد تحوّلت النخب إلى أطراف مهمتها تبرير هذا الصراع السياسي باعتباره يمثّل رغبات الجمهور أو ربما يكون قادرًا على تصحيح النظام السياسي. لكنّها تتجاهل أنَّ كل الأطراف السياسية هي من أسس لمنظومة الحكم القائمة على أساس الصفقات والتوافقات، وعندما يريد أحد أطرافها الانقلاب على هذه المنظومة فإنّه يهدّد جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية!

لقد تحوّلت كل الأطراف السياسية طوال السنوات الماضية إلى جلادين، وضحاياهم الدولة والمواطن على حدٍّ سواء. لذلك التفاعل مع خطابات قوى السلطة يجب أن لا يكون على أساس الخطابات والشعارات وتبريراتها للفشل والفوضى والفساد التي أنتجتها خلال فترة حكمها وسيطرتها على مؤسسات الدولة ومواردها. وإنما يجب أن يكون التماهي مع المواقف التي تدعو إلى إعادة الاعتبار للانتخابات وحكم المؤسسات واستعادة الدولة من المافيات السلطوية.

لعلَّ الطبقات النخبوية لا تملك الكثير في جُعبتها سوى توجيه النقد إلى منظومة الحكم وسياستها، لكنَّ هذا الانتقاد هو تسجيل موقف لِلتاريخ. فهذه الطبقة السياسية تعمل على إنتاج مجتمع العبودية يكون تابعًا لها ويدين لها بالولاء، وتسعى إلى أن تتعامل معه كقطيع وليس بوصفه مجتمعًا واعيًا يحاسبها على الأخطاء ويطالبها بالحقوق. ومن ثم، يبقى موقف المثقّف الملتزم بقضايا مجتمعه والناقد لمنظومة السلطة موقفًا تاريخيًا؛ لأنّه يعرّي زيفَ الطبقة السياسية، ومهمته تشخيص الأخطاء ونقدها.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.