الرئيس السابق، دونالد ترامب، يلقي خطابا في محاولة لقلب نتائج الانتخابات عام 2021
الرئيس السابق، دونالد ترامب، يلقي خطابا في محاولة لقلب نتائج الانتخابات عام 2021

بعد أشهر من التوقعات القاتمة حول حتمية خسارتهم لمجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل، يتصرف القادة والمخططون الديمقراطيون الآن بثقة متزايدة بشأن حظوظهم بالاحتفاظ بأكثريتهم البسيطة في مجلس الشيوخ، وحتى بمواصلة سيطرتهم على مجلس النواب، وهو أمر كان من المستحيل التفكير فيه قبل بضعة أشهر.

هذه ليست تقويمات القيادات الديمقراطية، ولكن أيضا آخر توقعات وتحليلات عدد متزايد من الخبراء في الشؤون الانتخابية والمواقع الإلكترونية لمؤسسات انتخابية أو أكاديمية. هذا هو المشهد الانتخابي  قبل 10 أسابيع من يوم الاستحقاق في الثامن من نوفمبر المقبل. وهذه الفترة الزمنية تعني أكثر من أبدية في الانتخابات الأميركية، ما يعني أن ما هو مؤكد اليوم، يصبح محتملا يوم غد، أو ربما مستحيلا بعد أسبوع.

ولكن مما لا شك فيه هو أن الديمقراطيين لم يعودوا يسلمّون بأنهم سيكونون ضحايا النمط الانتخابي الذي يبين في معظم الحالات أن حزب الرئيس الحاكم يخسر في أول انتخابات نصفية تجري في ولايته.
الأمر اللافت هو أن بعض المحللين الجمهوريين، وحتى بعض قادتهم في الكونغرس بمن فيهم زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، السيناتور ميتش ماكونيل، بدؤوا بتخفيف توقعاتهم بالفوز في الانتخابات، والقول، كما فعل ماكونيل إن فرص كلا الحزبين في الفوز بأكثرية صوت واحد في الانتخابات المقبلة لمجلس الشيوخ متساوية.

واعترف ماكونيل، ولكن ضمنا، بأن المشكلة التي يواجهها الحزب الجمهوري في الفوز بأكثرية بسيطة في مجلس الشيوخ تعود إلى "نوعية" المرشحين، وذلك في انتقاد غير مباشر للرئيس السابق، دونالد ترامب، الذي دعم مرشحين غير مؤهلين ولديهم سجلات حافلة بالفضائح في سباقات هامة لمجرد أنهم من مؤيديه ويشاركونه في ادعائه بأن انتخاب الرئيس، جوزيف بايدن، لم يكن شرعيا.

في هذه المعركة الانتخابية، التي يمكن أن تكسر النمط التاريخي للانتخابات النصفية، يجد الحزب الديمقراطي أنه يتلقى دعما غير مباشر وغير مقصود من ترامب، ومن أكثرية قضاة المحكمة العليا من المتشددين، وخاصة القضاة الثلاثة الذين عينهم الرئيس الجمهوري السابق، إضافة إلى سلسلة من الإنجازات السياسية والتشريعية، التي نجح بايدن وحزبه في تحقيقها والتي بدأت بإخراج الديمقراطيين من مأزقهم الانتخابي الذي كان الحقيقة السياسية الكبرى في واشنطن مع بداية السنة الثانية لبايدن في البيت الأبيض.

هذا المأزق الانتخابي والسياسي جلبته المعدلات التاريخية للتضخم، وإخفاق بايدن وحزبه مع بداية السنة الحالية في إقرار برامجه وخططه التشريعية الطموحة في الكونغرس، بسبب تحفظ بعض المشرعين الديمقراطيين، ما أدى إلى انحسار شعبية الرئيس بايدن إلى ما دون الأربعين في المئة.

ويعتبر القرار التاريخي للمحكمة العليا بإلغاء القانون الذي وفّر للمرأة الأميركية حق الاجهاض  لحوالي نصف قرن، وهو قرار يحظى بتأييد عميق في أوساط الجمهوريين والناخبين المحافظين والمتشددين، من أبرز العوامل التي أدت إلى تعبئة شريحة كبيرة من النساء الأميركيات، وخاصة من المستقلات، للتصويت ضد القوانين المحلية في عدد من  الولايات والرامية إلى جعل حق الإجهاض شبه مستحيل، كما يتبين من الهزيمة الحاسمة لقرار يحّرم الاجهاض في ولاية كانساس، وهي الولاية المحافظة تقليديا.

وجاء في تحليل لصحيفة "نيويورك تايمز" لأنماط تسجيل الناخبين في 10 ولايات، أنه منذ أن الغت المحكمة العليا حق المرأة بالإجهاض ارتفعت نسبة النساء اللواتي سجلن أصواتهن للمشاركة في الانتخابات بنسبة 35 بالمئة، أي أربعة أضعاف نسبة الرجال.

هناك أيضا ما يمكن تسميته بظاهرة الإرهاق من ترامب، والذي وثقت تحقيقات اللجنة الخاصة في مجلس النواب بملابسات اقتحام مبنى الكابيتول مدى تورط الرئيس السابق في هذا الاقتحام، إضافة إلى التحقيقات القضائية الأخرى، وخاصة في ولاية جورجيا التي أظهرت تورط ترامب في محاولة تزوير الانتخابات الرئاسية، ما يعني أن ترامب كان، ولا يزال، يشكل تهديدا للديمقراطية الأميركية.

هذا الارهاق من ترامب وصل إلى مستويات عالية بعد الكشف عن نقله عشرات الصناديق المحملة بالوثائق الرئاسية السرية من البيت الأبيض إلى مقر إقامته في مارا لاغو بولاية فلوريدا، في انتهاك واضح للقوانين الأميركية.

ولذلك، لم يكن من المستغرب أن يظهر آخر استطلاع لشبكة التلفزيون "إن بي سي" حول القضايا الرئيسية التي تواجه البلاد، أن يقول 21 بالمئة من الأميركيين إن الخطر الذي يشكله ترامب على الديمقراطية الأميركية هو التحدي الأول، ووضع ذلك في مرتبة متقدمة على "أسعار المعيشة" التي رأى 16 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع أنها تشكل المشكلة الأولى.

هذه الصورة السلبية لترامب شجعت الرئيس بايدن على شنّ حملة انتخابية ضد ترامب والحركة التي يقودها والمعروفة باسم "اجعلوا أميركا عظيمة مرة أخرى" ووصف فلسفة ترامب وهذه الحركة بأنها "شبه فاشية".    

أن يعبّر ماكونيل عن قلقه من "نوعية" بعض المرشحين الجمهوريين لمجلس الشيوخ ممن ساهم الرئيس السابق في حصولهم على ترشيح الحزب، وهو المعروف بحذره، وخبرته العميقة بشؤون مجلس الشيوخ، فهذا دليل قاطع على تضاؤل فرص الجمهوريين باستعادة السيطرة على مجلس الشيوخ في نوفمبر.

وعلى سبيل المثال، المرشح الذي اختاره ترامب لعضوية مجلس الشيوخ في ولاية جورجيا، النجم الرياضي السابق، هيرشل ووكر، غير قادر على الخروج من الفضائح الشخصية التي تحيط به، مثل نكرانه أنه والد لطفلين من خارج الزواج، وأنه كان يضرب زوجته السابقة، التي قالت في دعاية تلفزيونية لمنافسه أنه هددها مرة بمسدسه.

في ولاية بنسلفانيا، فإن مرشح ترامب، محمد أوز (تركي الأصل) وهو نجم تلفزيوني سابق كطبيب كان يبالغ بفعالية بعض الأدوية التي كان يروج لها، ادعى أنه يملك بيتين فقط، بينما تبين أنه يملك عشرة منازل (بعضها مؤجر).  

ويريد أوز أن يمثل بنسلفانيا في مجلس الشيوخ ولكنه عاش معظم حياته في ولاية نيوجيرزي المجاورة. آخر دعاية تلفزيونية لأوز كانت محرجة، وساهمت في وضعه في موقع دفاعي في وجه منافسه الديموقراطي المتقدم عليه.

أما المرشح، جي دي فانس، الذي أيده ترامب في ولاية أوهايو، فهو يجد أن تاريخه  يستخدم ضده في حملته الانتخابية التي تراوح مكانها. 

وللشهر الرابع على التوالي، كشفت اللجنة المعنية بتمويل المرشحين الديمقراطيين لعضوية مجلس الشيوخ أن التبرعات المالية التي وصلتها فاقت التبرعات المالية للجنة المعنية بانتخاب المرشحين الجمهوريين. هذه اللجنة الجمهورية اضطرت مؤخرا إلى وقف تمويلها للمرشحين الجمهوريين في ثلاث ولايات هامة.

وجاءت سلسلة الإنجازات السياسية والتشريعية التي حققها بايدن والديمقراطيون في الكونغرس، وآخرها الخطة الطموحة لمكافحة التغير المناخي وتحسين نوعية العناية الصحية لملايين الأميركيين وخاصة المسنين، والتي جاءت في أعقاب الانحسار الملحوظ في أسعار المحروقات، وبداية انحسار أسعار الأغذية، لتعزز من معنويات الديمقراطيين وهم على عتبة احتدام معركة الانتخابات النصفية مع نهاية فصل الصيف. 

إذا حافظ الديموقراطيون على سيطرتهم على مجلسي الكونغرس، فإن ذلك سيلحق هزيمة تكتيكية هامة بترامب، سوف تضاف إلى التحديات القانونية والقضائية التي يواجهها، والتي تعني من جملة ما تعني أنه سيبقى حجرا ثقيلا معلقا على أعناق من تبقى من قادة الحزب الجمهوري الذين يريدون تخطي "حقبة ترامب"، كما سيبقى مصدر إرهاق كبير لملايين الأميركيين العاديين الذين يريدون تخطي الخطر الذي لا يزال يشكله ترامب على الديمقراطية الأميركية. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.