على الشعب أن يكون متفهماً للأزمات الاقتصادية العالمية ومدى تأثيرها على مصر
على الشعب أن يكون متفهماً للأزمات الاقتصادية العالمية ومدى تأثيرها على مصر

تظل مصر هي الأقرب إلى أغلب الشعوب العربية ليس فقط لأهمية مصر الجيوسياسية، الذي يمكنها من لعب دور استراتيجي هام في صياغة السياسات الإقليمية والدولية، بل أيضاً في أهمية تأثير الشعب المصري على المنطقة العربية من ناحية التعداد وكذلك من الناحية الفكرية، حيث أن تأثير مصر ثقافياً على المنطقة كان على مر التاريخ مركزاً لاستقطاب العقول العربية اللامعة من خلال الإنتاج الفكري في مجال الثقافة والفن من مسرح وسينما وتلفزيون، وبسبب هذا التأثير الثقافي على المنطقة، هذا يدفعني لزيارة مصر كل سنة تقريباً لأتابع ما الذي يحدث من تغييرات على جميع المستويات، لكن في هذه الرحلة أردت التركيز على دراسة الشخصية المصرية ومدى تأثرها بالأزمات السياسية والاقتصادية وماهي تداعيات ذلك محلياً وإقليمياً خاصة مع ما يمر به العالم من أزمة اقتصادية والتي أججتها تداعيات أزمة أوكرانيا وجائحة كورونا. ولكي يمكن فهم الشخصية المصرية الحالية، لابد من إلقاء الضوء على الأحداث التاريخية في مصر وكيف أدت تلك التراكمات إلى بلورة الشخصية المصرية الحالية.

لو استطلعنا التاريخ المصري منذ 1952، نجد أن أكثر الملفات السياسية تأزماً هو ملف الاقتصاد السياسي وهو ما خلق الصراع الطبقي والإحساس بعدم الرضا والضغينة وهذا ما ذكره وزير التخطيط المصري السابق في عهد الرئيس محمد أنور السادات وأستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، إبراهيم حلمي عبد الرحمن، أن "الخلل يكمن في أنّ 5 في المئة من السكّان يستهلكون 95 في المئة من الخدمات والسلع، بينما يعيش 95 في المئة من السكّان على 5 في المئة من السلع والخدمات". إن هذا الشعور بالقهر الطبقي وبهضم الحقوق وتفضيل فئة على الأخرى كانت من أهم الأسباب لتعدد الثورات في مصر والتي كانت أبرزها ثورة 23 يوليو في عام 1952، وبالرغم أنها كانت ثورة بيضاء قام بها الجيش المصري والتي نقلت مصر من عهد الملكية إلى عهد الجمهورية، إلا أن غالبية الشعب المصري أيدها بسبب امتعاضه أو غضبه أن الأسرة الحاكمة وحاشيتها هي التي كانت مستفيدة من ثروات البلاد على حساب الفئات الأخرى وهم غالباً عامة الشعب من الفقراء المهمّشين.

وفي 18 و19 يناير 1977 قامت انتفاضة الخبز وهي مظاهرات شعبية ضد الغلاء ورفع الأسعار للعديد من المواد الأساسية، حيث ألقى الدكتور عبد المنعم القيسوني، نائب رئيس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية، خطاب أمام مجلس الشعب في 17 يناير 1977 بخصوص مشروع الميزانية لذلك العام، أعلن فيه إجراءات تقشفية لتخفيض العجز، وربط هذا بضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتدبير الموارد المالية الإضافية اللازمة. وقد أطلق السادات آنذاك على هذه الانتفاضة اسم "ثورة الحرامية" وخرج الإعلام الرسمي يتحدث عن "مخطط شيوعي لإحداث بلبلة واضطرابات في مصر وقلب نظام الحكم".

وبعد ذلك بعقود، شهدت مصر ثورة 25 يناير 2011، التي ثار فيها الشعب على نظام الرئيس السابق، حسني مبارك، الذي بالرغم أنه حقق الكثير من الإنجازات الداخلية وكان أهمها استباب الأمن والاستقرار في الثلاثين عاماً من حكمه، لكن الإشكالية كانت هي نفسها على مدار التاريخ المصري وهي الأزمة الاقتصادية وانعدام العدالة الاجتماعية، وهو أنه بالرغم من ارتفاع المؤشرات العامة لأداء الاقتصاد الكلي للبلاد، إلا أن هذا التحسن لم تلمسه غالبية عامة الشعب وإنما فئة معينة مستفيدة تنعم بالرخاء والرفاهية أما الغالبية مقهورة وتعاني من الفقر وتدني الخدمات التعليمية والصحية. ومن ثم جاءت ثورة 30 يونيو وهذه المرة ليس فقط لإنقاذ مصر من أزمة اقتصادية وصراع طبقي بل لإنقاذ الدولة المصرية الوطنية من الانهيار والتفكك، فحكم الإخوان الغابر كاد أن يطيح بالدولة المصرية، ولهذه الأسباب تدخلت المؤسسة العسكرية المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي وبدعم شعبي كبير.

لكن الآن بعدما أُنقِذت الدولة المصرية من الانهيار من خلال اليد القابضة الأمنية على البلاد لمواجهة عصابات الإخوان والجماعات التكفيرية والأسلحة المهربة، نرجع إلى نقطة الصفر مرة أخرى مع كل مرحلة تاريخية في مصر وهي الأزمة الاقتصادية، ومع آثار التكاليف الاقتصادية تبعاً لجائحة كورونا وصولاً إلى الحرب الروسية-الأوكرانية والتي ترتبت على أساسها ارتفاع التضخم وغلاء في الأسعار – مما جعل حتى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يصرح للفرنسيين  بنهاية عصر الوفرة وطالب من الجميع المشاركة في خطة التقشف – إلا هناك من يريد تحميل المسؤولية الاقتصادية كاملة في مصر على إدارة الرئيس السيسي. إن أكثر تحد يواجه الرئيس السيسي ليس فقط تبعات الأزمات الاقتصادية الحالية العالمية، بل ما ورثه من التراكمات التاريخية والأنظمة السابقة، وخاصة من تحمل عبء ثورتين متتاليتين وما خلفه حكم الإخوان من دمار للبلاد على المستوى الأمني والاقتصادي، بالإضافة أن الرئيس السيسي شخصية مستهدفة دولياً كونه أفشل مشروع الإسلام السياسي في مصر، الذي كان سيجعل من مصر ملاذاً آمناً للإرهابيين والمتطرفين مما كان سيؤدي إلى فوضى عارمة في مصر وزعزعة لاستقرار المنطقة.

إن هذا التاريخ الذي مرت به مصر من ثورات متتالية ومن أزمات اقتصادية، وبحسب ما ذكره غالبية علماء الاجتماع، جعلت الشخصية المصرية لدى غالبية عامة الشعب تميل إلى الشخصية الثورية، حيث يشعر المصري في قرارة نفسه بالنقمة والسخط على الأوضاع التي توجد التمايز والتفرقة الطبقية أياً كان نوعها، ومهما تكن دوافعها ومبرراتها، لذلك عنده شعور دائم بعدم الاعتراف بالسلطة أو الرئاسة والتنكر لها في أعماق الشعور. وبعد ثورة 25 يناير عندما اهتز وضع الأمن والشرطة وفقدت الدولة هيبتها بعد حكم الإخوان أدى ذلك إلى تكوين الشخصية الفوضوية. إن التعامل مع شخصيات مثل هذا النوع بسبب التبعات السياسية والأزمات الاقتصادية، يزيد من التحديات التي تواجه الرئيس السيسي وإدارته والسؤال المهم هو كيف يمكن التعامل مع شخصيات بهذا الشكل وتحويلها من الشخصيات الثورية والفوضوية إلى شخصيات أكثر إيجابية وانضباطاً وأكثر تجانساً مع السلطة؟ 

وللإجابة على هذا السؤال سأتناول ما طرحه الكاتب والإعلامي، عماد الدين أديب، في مقالته، "وصيّتي الأخيرة لبلادي ورئيسي،" والتي سلط عليها الضوء على نقاط مهمة تحمل في طياتها إجابة للسؤال ومن أهم ما ذكره أن الرئيس السيسي يحتاج إلى وجود استشاريين تتوفر فيهم ثلاثة شروط مهمة: الصدق في الوعد والانتماء، النزاهة المطلقة في تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، أن يكونوا على حجم تحدّيات الخطر الاقتصادي. كما ذكر أن في دولة مثل مصر مركز القوى الحقيقي هو الشعب، وبالتالي على هؤلاء الاستشاريين أن يكونوا هم عين الرئيس على الشعب وأن يحملوا هموم المواطنين لجميع الطبقات الفقيرة والمتوسطة والغنية كما لو تكون همومهم الشخصية ويكون هذا بدافع قوي نابع من أنفسهم وليس مجرد تنفيذ لأوامر الرئيس.

وحتى يتم تحقيق ذلك يجب اختيار هؤلاء الاستشاريين بعناية حتى لا تشمل ما ذكره حامد عمار، أستاذ علوم التربية بجامعة عين شمس بالعاصمة المصرية القاهرة، الشخصيات "الفهلوية" والتي تبلورت نتيجة الأزمات السياسية على مر التاريخ وخاصة في لحظات الهزائم، وهذه الشخصيات تقوم دائماً بعملية الإزاحة والإسقاط التي تفضل إزاحة المسؤولية عن نفسها أو إسقاط أمور خارج نطاق الذات ليتيسر تبرير ما قد يقع على عاتقها من مواقف محرجة أو تقصير في المسؤوليات الاجتماعية. إن الشخصيات المطلوبة في هذه المرحلة الاقتصادية الحرجة هي شخصيات إيجابية تتحمل المسؤولية لكي تكون عين الرئيس الساهرة من ناحية معرفة متطلبات الشعب والابتداء من عامة الشعب من الطبقات الفقيرة والمتوسطة وتجاوز كل المعوقات خاصة الفساد الإداري والمالي. وفي حالة النجاح بذلك، عليها أن تقوم بالتسويق السياسي والاقتصادي لتلك الإنجازات، ليس فقط للدعاية بل أيضاً لرفع معنويات الشعب التي يريد أن يحبطها كثيرين لأغراض سياسية.

إن أهمية وجود استشاريين بهذه النوعية تكمن ليس فقط في تجاوز الأزمة الاقتصادية ومعرفة ما يعانيه الشعب من احتياجات والخدمات التي يريد توفيرها خاصة التعليمية والصحية، بل أيضاً تساعد الحكومة على مواجهة الجماعات المتطرفة وتمدد أفكارها الأيديولوجية الداعية إلى الدولة الدينية ومحاربة الدولة الوطنية، فالكثير من المثقفين والأكاديميين المصريين ذكروا لي أن من خصائل الشخصية المصرية كلما ازدادت أعباءها الاقتصادية، قلت مناعتها لمواجهة التطرف مما قد يؤدي على المدى البعيد إلى الاستسلام للتطرف. فالشخصية المصرية تلجأ إلى الغيبيات بعد مرورها بلحظات انكسار سياسية وأزمات اقتصادية لا تستطيع التغلب عليها، وبالتالي يكون المجتمع أكثر استعداداً لتقبل أيديولوجيات متطرفة كان يرفضها في الماضي، مما يجعلها أقل تشدداً ضد الجماعات المتطرفة مثل جماعات الإسلام السياسي كالإخوان وغيرهم.

إن أكثر ما يعنيني هنا هو الاستقرار السياسي والاقتصادي لمصر لأنها مازالت في نظري بإرثها التاريخي الكبير هي المؤثرة فكرياً على دول المنطقة، لكن لا يمكن لأي مجتمع أن ينتج مفكرين تنويريين أو يكون هناك من يستمع لفكرهم إذا كان عامة الشعب يعاني ليجد قوت يومه ومن أزمات اقتصادية. فالمسؤولية تقع على الجميع وليس فقط على السلطة، فكما على السلطة الاستماع للشعب وتلبية طلباته، على الشعب أن يكون متفهماً للأزمات الاقتصادية العالمية ومدى تأثيرها على مصر وفي خلال هذه الفترة علينا أن نرى ما إذا كانت سمات الشخصية المصرية ستتغير وخاصة الشخصية الثورية بتحويلها إلى شخصية أكثر إيجابية، لقطع الطريق عن المتربصين بالاصطياد في الماء العكر، وما أكثرهم. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.