عضو في حركة "براود بويز" في احتجاج ينادي بتفوق البيض في ولاية أوريغون الأميركية في عام 2020
عضو في حركة "براود بويز" في احتجاج ينادي بتفوق البيض في ولاية أوريغون الأميركية في عام 2020

في الولايات المتحدة، وفي سائر الغرب على اختلاف في الدرجات، واقع تبدل نسب الأعراق في مجموع السكان قضية لم تصل المجتمعات بعد إلى موقع التفاعل معها بهدوء وموضوعية. فهي عرضة إما للتهويل، من جانب توجهات متشددة وقطعية تبقى إلى الآن هامشية، وإن هي آخذة بالاستتباب التدريجي في صلب الفكر والمجتمع، أو هي تلقى الإهمال والتجاهل، من باب المحافظة على ما تبقى من اللياقة السياسية والأدبية.

على أن هذه القضية ليست مسألة نظرية، رغم تجنّب الإفصاح عنها، لا تلهب العواطف وحسب، بل هي إشكالية قائمة تساهم في تعميق الانفصام الواقع في الولايات المتحدة فكرياً واجتماعياً، بل في مواقع عدّة هي أشبه بالجمر تحت الرماد، القادر على إشعال الحرائق.

المعطيات الموضوعية ليست موضوع خلاف. العرق "الأبيض" وإن كان لا يزال يحظى بالأكثرية في تعداد السكان في الولايات المتحدة، فإن نسبته إلى تراجع، نتيجة تدني معدلات الإنجاب لديه مقابل ارتفاعها النسبي لدى الأعراق الأخرى، كما نتيجة هجرة وافدة تكاد أن تتلاشى نسبة المصنفين من هذا العرق فيها. فالتوقعات هي بالتالي أن حضور العرق الأبيض سوف ينخفض إلى ما دون الخمسين بالمئة في غضون أقل من عقدين.

تنطبق هذه التوقعات كذلك على كندا وأستراليا، فيما العديد من الدول الغربية الأخرى ليست بعيدة عن هذا الواقع. الخلاف هو فيما تعنيه هذه المعطيات، ليس سياسياً وحسب، بل على المستويات الاجتماعية والثقافية والتاريخية.

من ينطلق من اعتبار أن الثقافة والقيم هي المعيار، لا العرق أو لون البشرة، يرى أن التحدي يكمن في إيجاد السبل إلى استيعاب الوافدين بما ينسجم مع الاستمرارية المعنوية للمجتمع بثقافته وقيمه، وكذلك في تفنيد الرواسب التاريخية التي قد تعترض الوئام الاجتماعي بين المكونات الاجتماعية الثقافية المتواجدة.

أما أن تكون الأصول العرقية لمجتمع الغد من هذا الجانب أو ذاك، فمسألة غير ذات أهمية، بل أن الأصول على مدى التاريخ برمّته كانت دوماً متداخلة مختلطة.

هذا هو جوهر الخطاب العام في الولايات المتحدة منذ عقود، إذ يلتزم هذا الخطاب مقولة إن هذه البلاد قائمة على مبادئ سامية وأسس عليا، أهمها تثمين الحياة والحرية والفرص الاقتصادية، كما نصّت عليه وثائقها التأسيسية، إعلان الاستقلال، ثم الدستور، ثم لائحة الحقوق أي التعديلات العشرة الأولى، وما تلاها على مرّ العقود والقرون من سير تراكمي نحو بناء وحدة أفضل قائمة على هذه المبادئ.

كان ثمة ميل، في الولايات المتحدة وفي الغرب عامة، مع أصداء له نظرية تسطيحية خارجهما، إلى اعتبار هذا المسار تحقيقاً لغاية الإنسانية ومبتغاها. وعليه، فإن المجتمع الجديد، في الولايات المتحدة وفي الدول الغربية التي سارت معها نحو الرؤية المبدئية الحقوقية القيمية، يرتقي، وإن رويداً، إلى ما يتعدى الأعراق والأديان وغيرها من الفئويات، لينتج المواطن الإنسان الحرّ السيد، المتوائم مع الآخرين على أساس الإنسانية الجامعة، ضمن حدود الوطن ابتداءً، وعلى مدى العالم تالياً.

هذا الميل لا يزال إلى اليوم هو الموقف الاسمي علنياً في الخطاب العام، السياسي والثقافي والاجتماعي. غير أنه من التعامي عن الواقع القائم زعم أنه يعكس حقيقة اجتماعية مستقرّة وقادرة على الاستقطاب أو حتى على الاستمرار. بل إذا كان ثمة تشبّث به، فهو لأن الطرحين "الخجولين" المناقضين له ليسا إلى الآن قادرين على تحصيل الغلبة التي قد تنتقل بكل منهما من الضعف إلى التمكين.

بل يمكن الإشارة إلى اهتراء تعرّض له هذا الخطاب العام المتفائل على مدى عقود تفوقه. فهو ابتدأ واعداً بمجتمع منصهر، يتساوى فيه الجميع ويتماثلون، لتكون مقومات هويتهم العرقية والدينية والتاريخية أوجه عرضية لا تعكّر الجوهر الوطني الإنساني المشترك. كان هذا خطاب الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

ثم طرأ تبديل على هذا التصوير، غالباً ما كانت الإشارة إليه على أنه تصويب شكلي لا ينفي الغاية، ولكنه يعيد رسمها توافقاً مع النسبية التي أبرزتها ما بعد الحداثة، فبدلاً من الانصهار، أصبح الكلام عن التعددية الثقافية وألوان قوس قزح، وجرى الاعتزاز بأوجه الهويات الخاصة، أي أنها لم تعد عرضية بل أضحت بدورها جوهرية ذاتية، إنما على انسجام تلقائي مع الإطار الثقافي التاريخي العام، والذي نشط بدوره لاستيعابها.

تاريخ الولايات المتحدة هو هنا سجل ارتقاء، عانى من سقطات خطيرة في مراحله الأولى، ولا سيما في طرد السكان الأوائل من أراضيهم والتسبب بما يقترب من فنائهم، وفي استعباد العرق الأسود والانتقاص من إنسانيته. غير أن ذاك كان الماضي، أما الحاضر فهو المساواة المبدئية قطعاً وبرامج العمل الإيجابي الهادف إلى تصحيح ما أفسده التاريخ لبلوغها فعلاً. كان هذا كلام الثمانينيات والتسعينيات.

غير أن الصيغة المتطورة للخطاب الحقوقي في الألفية الجديدة، أي على مدى العقدين الماضيين لا ترى الصحّة في الحاضر. والتعددية الثقافية بحد ذاتها لم تعد كافية. فالعنصرية، وفق هذا الخطاب، بنيوية متجذّرة في عمق المجتمع والثقافة في الولايات المتحدة، والتي كانت ولا تزال تعاني من أزمة "امتياز أبيض" لا بد من فضّه.

ولا مجال للمهادنة أو الحياد هنا. فإما أن يكون المرء معادياً للعنصرية ناشطاً لاجتثاثها، أو أن يكون هو نفسه عنصرياً، أدرك الأمر أو غفله. أي أن "الأبيض" الصالح هو من يقرّ بامتيازه، ويأسف ويعتذر له، ويعمل على تفكيكه.

فالولايات المتحدة لم تقم على أسس الحرية والمساواة للجميع، بل الحرية والمساواة للبيض وحدهم. ليس فقط أن الأب المؤسس، جورج واشنطن، كان مالكاً لأعداد من المستعبدين، وكذلك مؤلف الدستور والرئيس في مرحلة تالية، توماس جفرسون، بل أن التوجه للاستقلال عن بريطانيا  أساساً كان في حقيقته من أجل تجنب التخلي عن نظام الاستعباد، بعد أن قرّرت بريطانيا حظر العبودية وإعتاق المستعبدين.

الهوية البيضاء، وفق منطق الخطاب الحقوق الحالي، تصل إلى أن تكون تلقائياً هوية استعلائية، بل هي الإطار الجامع، بذكوريتها وغيريتها وفحوليتها لأشكال التمييز المختلفة، بحق الأعراق الأخرى، كما بحق النساء والمثليين والمتحولين، ولا بد صراحة من الإطاحة بها.

ليس الهدف "إلغاء" المواطنين البيض طبعاً، ولكن لا بد من تفنيد الامتيازات التي منحتهم المواقع المتقدمة التي يشغلونها على حساب حرمان الآخرين من مراكمة المكاسب، حيث "الأبيض" متقدم على غيره، "الأبيض" هو تلقائياً وريث سطوة أسلافه على ثروة غيره.

يريد هذا الخطاب الحقوقي الناقض لـ "البياض" أن يفرض نفسه كمقولة رسمية للتيار التقدمي والحزب الديمقراطي والثقافة العامة في البلاد. لم ينجح تماماً، غير أن مقاومته في كافة هذه الأوساط لا تبدو مبنية على رفضه ودحضه، بل على دعوته إلى التدرج والتروي، منعاً للمزيد من الانفصام.

ولكن الانفصام حاصل ويزداد حدة. في الصف المقابل للخطاب الحقوقي الناقض للبياض، استعاد الخطاب المحافظ أوجهاً كان قد ابتعد عن المتشدد منها، وإن دون التخلي عنها بالكامل، في العقود الماضية.

هي الأوجه القائلة إنه لا حاجة البتّة للاعتذار عن الفصول المؤلمة من تاريخ الولايات المتحدة. هي ليست وحدها من غزا، وليست وحدها من استعبد. بل لا بد للملأ من الإقرار بأن الإنجاز في تاريخ هذه البلاد هو إنجاز "أبيض"، وأن الأساس القيمي والحقوقي للتجربة الأميركية الفريدة، مهما جرى تحييده، هو أساس مسيحي.

والرؤية المحافظة لهذه للتجربة التاريخية الأميركية ليست مبنية على التصوير المتفائل الذي اعتمدته وعمّمته التوجهات التقدمية في مطلع عهدها، حول القيم والحقوق المستقاة من فلسفة أنوار القرن الثامن عشر، والمهيئة لمجتمع يسعى إلى مطلق المساواة.

بل القراءة التاريخية المحافظة، هي التي تضع الأبيض المسيحي القليل عدداً إنما المتفوق بجهده ومواهبه وهباته، في مواجهة وحشية السكان الأصليين وبدائية المستعبدين، ثم تقرّر أن وهج دين الأبيض وحضارته ارتقى بهؤلاء وأولئك في نهاية المطاف إلى مستويات لم يكونوا يوماً قادرين عليها، وإن كان الثمن طردهم واستعبادهم في مرحلة ما.

خلاصة هذه القراءة هي أن الثروة والإبداع والابتكار والإنجاز والإنتاج، كلها "بيضاء"، وكلها "مسيحية"، وإن كان بعض أفرادها من غير البيض أو من غير المسيحيين.

وإذا كانت قلّة، عند تخوم هذه القراءات، تجنح إلى تحميل "اليهود" مسؤولية الإضرار بهذا الصرح، سواء من باب تحقيق المصلحة الضيقة لجماعتهم أو من باب تعمّد الأذى خدمة لمآرب تاريخية أو غيبية، فإن شقاً أكبر من الصفّ المحافظ يعتبر بأن عامل الضرر هو الحزب الديمقراطي، والذي فتح باب الهجرة أمام الوافدين من العالم الثالث بغية توسيع أعداد قاعدته الانتخابية.

والمسؤولية تقع أولاً على قيادات هي بيضاء وهي مسيحية في أصولها، وإن عاونها اليهود والأقليات العرقية، والمسألة بالتالي هي «خيانة» من داخل المكوّن الأصلي والأساسي لهذه الولايات المتحدة، أي الجماعة البيضاء المسيحية.

الحزب الجمهوري، بغضّ النظر عن آفة دونالد ترامب التي تحيّره، هو للتوّ حزب "البيض"، أي أن أكثرية المنتسبين إليه أو المصوّتين له هم من البيض، وأكثرية البيض هم من المنتسبين إليه والمصوّتين له. وفي المقابل فإن الحزب الديمقراطي هو حزب غير البيض، حيث أن أكثر من ينتسب إليه أو يصوت له من غير البيض، وأكثر غير البيض ينتسبون إليه أو يصوّتون له.

على أن الاصطفاف الحزبي ليس عرقياً بالمعنى الحصري. أي أن كلاً من الحزبين يرضى بالذميين في صفوفه. الحزب الجمهوري يقبل بغير البيض الذين يقرّون ضمناً بأن الولايات المتحدة ذات أساس أبيض مسيحي، والحزب الديمقراطي يرحّب بالبيض الذين يجاهرون بذمّيتهم بالأقوال والأفعال.

والتقاسم العرقي بين الحزبين ليس كافياً، وليس ثابتاً بالمطلق. رغم أن أعداد غير البيض إلى أقدار من التزايد وأعداد البيض إلى انخفاض، غير أن المسألة هي تحولات بطيئة تقاس بالعقود، فيما احتياجات التعبئة والحشد آنية. تتعدد هنا الاعتبارات الثقافية والاجتماعية والطبقية.

ربما أن الجديد في الزخم الخطابي هو المزيد من التمايز بين الحزبين في مقابلات دينية، حيث الجمهوريون هم من يطالبون بإعادة الاعتبار للدين في الحياة العامة، والديمقراطيون هم من يحذرون من خطورة هذا الاستدعاء على الحقوق المدنية المكتسبة، لغير المتدينين والنساء والمثليين والمتحولين.

ومن شأن الديمقراطيين أن يقتطعوا شرائح متماهية في تقدميتها من قاعدة خصومهم الجمهوريين من خلال هذا التحذير، ومن شأن الجمهوريين في المقابل أن يستنزفوا من بيض الديمقراطيين من يسيئه الغلو في طعن "البياض". وقد تشهد الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر القادم نزوحاً نسائياً أبيض باتجاه الديمقراطيين، لمعاقبة الجمهوريين على قرار المحكمة العليا التي ألغت الحق بالإجهاض كحق دستوري ملزم للولايات.

على أن المتابعة التاريخية للخطاب المحافظ، إلى ما يسبق حملة الحقوق المدنية التي أرست القراءة التقدمية خطاباً وطنياً عاماً، تشير إلى مجال محافظ واسع لإعادة تأصيل ما جرى تهميشه، أي المثال الأبيض المسيحي. وإذا كان الجانب العرقي من هذا المثال لا يزال يلقى أقداراً من الممانعة في الفضاء العام، فإن الجانب المسيحي يزداد توطداً أمام ما يبدو وكأنه مبالغات تقدمية في فرض قيمها حول المثلية والتحول. ومن هنا يفهم ما قد تكرّر، وما قد يتكرر، من الإشارات لدى السياسيين المحافظين إلى القومية المسيحية.

ليست "المسيحية" هنا المقابل الأميركي للحركات الإسلامية في السياق العربي مثلاً، بل هي قائمة لمقام التجربة التاريخية الأميركية وفق القراءة المحافظة، أي استعادة لما تعتبره أصل هذا الوطن، نشاط الرجل الأبيض المسيحي وإنجازاته.

رغم الإنكار، الصادق منه والموظّف، الداخلي منه والخارجي، الأقرب إلى الصواب هو أن الولايات المتحدة تعيش واقعاً سياسياً وثقافياً جديداً على درجة مرتفعة من الخطورة، ولا بد من اعتباره ومراعاته في المراحل المقبلة دون تفريط.

ودون إفراط طبعاً. إذ هو واقع بعيد تماماً عن رغبات البعض بالانهيار الوشيك المرتقب للولايات المتحدة، وعن شبه بعض الإسلاميين ومغالطاتهم حول "الإرهاب المسيحي" ومقارنتهم المجانِبة للصواب حول تمييز وقمع مزعومين في الغرب لا ينحدر في أقصى مظاهره إلى معظم ما ينادون به هم صبيحة كل يوم. ولكنه واقع بعيد أيضاً عن أوهام المتغرّبين حول ارتقاء الغرب إلى مرحلة لا يعقبها إلا المزيد من التقدم والتحليق.

العالم كله اليوم ليس بخير، لا يمكن الاطمئنان إلى أن أموره سوف تنتظم في القريب العاجل. ورغم أنه للولايات المتحدة من المقومات ما يجعل أزماتها أقل وطأة على سكانها بالمقارنة مع غيرها، وفي حين أن التدرج من خطاب القومية البيضاء إلى خطاب القومية المسيحية قد ينطوي على قدر من التلطيف عبر الابتعاد عن حصرية الكلام العرقي، فإن ما ينطبق على العالم، ينطبق كذلك على الولايات المتحدة. لا بد من الاستعداد للأسوأ.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!