عضو في حركة "براود بويز" في احتجاج ينادي بتفوق البيض في ولاية أوريغون الأميركية في عام 2020
عضو في حركة "براود بويز" في احتجاج ينادي بتفوق البيض في ولاية أوريغون الأميركية في عام 2020

في الولايات المتحدة، وفي سائر الغرب على اختلاف في الدرجات، واقع تبدل نسب الأعراق في مجموع السكان قضية لم تصل المجتمعات بعد إلى موقع التفاعل معها بهدوء وموضوعية. فهي عرضة إما للتهويل، من جانب توجهات متشددة وقطعية تبقى إلى الآن هامشية، وإن هي آخذة بالاستتباب التدريجي في صلب الفكر والمجتمع، أو هي تلقى الإهمال والتجاهل، من باب المحافظة على ما تبقى من اللياقة السياسية والأدبية.

على أن هذه القضية ليست مسألة نظرية، رغم تجنّب الإفصاح عنها، لا تلهب العواطف وحسب، بل هي إشكالية قائمة تساهم في تعميق الانفصام الواقع في الولايات المتحدة فكرياً واجتماعياً، بل في مواقع عدّة هي أشبه بالجمر تحت الرماد، القادر على إشعال الحرائق.

المعطيات الموضوعية ليست موضوع خلاف. العرق "الأبيض" وإن كان لا يزال يحظى بالأكثرية في تعداد السكان في الولايات المتحدة، فإن نسبته إلى تراجع، نتيجة تدني معدلات الإنجاب لديه مقابل ارتفاعها النسبي لدى الأعراق الأخرى، كما نتيجة هجرة وافدة تكاد أن تتلاشى نسبة المصنفين من هذا العرق فيها. فالتوقعات هي بالتالي أن حضور العرق الأبيض سوف ينخفض إلى ما دون الخمسين بالمئة في غضون أقل من عقدين.

تنطبق هذه التوقعات كذلك على كندا وأستراليا، فيما العديد من الدول الغربية الأخرى ليست بعيدة عن هذا الواقع. الخلاف هو فيما تعنيه هذه المعطيات، ليس سياسياً وحسب، بل على المستويات الاجتماعية والثقافية والتاريخية.

من ينطلق من اعتبار أن الثقافة والقيم هي المعيار، لا العرق أو لون البشرة، يرى أن التحدي يكمن في إيجاد السبل إلى استيعاب الوافدين بما ينسجم مع الاستمرارية المعنوية للمجتمع بثقافته وقيمه، وكذلك في تفنيد الرواسب التاريخية التي قد تعترض الوئام الاجتماعي بين المكونات الاجتماعية الثقافية المتواجدة.

أما أن تكون الأصول العرقية لمجتمع الغد من هذا الجانب أو ذاك، فمسألة غير ذات أهمية، بل أن الأصول على مدى التاريخ برمّته كانت دوماً متداخلة مختلطة.

هذا هو جوهر الخطاب العام في الولايات المتحدة منذ عقود، إذ يلتزم هذا الخطاب مقولة إن هذه البلاد قائمة على مبادئ سامية وأسس عليا، أهمها تثمين الحياة والحرية والفرص الاقتصادية، كما نصّت عليه وثائقها التأسيسية، إعلان الاستقلال، ثم الدستور، ثم لائحة الحقوق أي التعديلات العشرة الأولى، وما تلاها على مرّ العقود والقرون من سير تراكمي نحو بناء وحدة أفضل قائمة على هذه المبادئ.

كان ثمة ميل، في الولايات المتحدة وفي الغرب عامة، مع أصداء له نظرية تسطيحية خارجهما، إلى اعتبار هذا المسار تحقيقاً لغاية الإنسانية ومبتغاها. وعليه، فإن المجتمع الجديد، في الولايات المتحدة وفي الدول الغربية التي سارت معها نحو الرؤية المبدئية الحقوقية القيمية، يرتقي، وإن رويداً، إلى ما يتعدى الأعراق والأديان وغيرها من الفئويات، لينتج المواطن الإنسان الحرّ السيد، المتوائم مع الآخرين على أساس الإنسانية الجامعة، ضمن حدود الوطن ابتداءً، وعلى مدى العالم تالياً.

هذا الميل لا يزال إلى اليوم هو الموقف الاسمي علنياً في الخطاب العام، السياسي والثقافي والاجتماعي. غير أنه من التعامي عن الواقع القائم زعم أنه يعكس حقيقة اجتماعية مستقرّة وقادرة على الاستقطاب أو حتى على الاستمرار. بل إذا كان ثمة تشبّث به، فهو لأن الطرحين "الخجولين" المناقضين له ليسا إلى الآن قادرين على تحصيل الغلبة التي قد تنتقل بكل منهما من الضعف إلى التمكين.

بل يمكن الإشارة إلى اهتراء تعرّض له هذا الخطاب العام المتفائل على مدى عقود تفوقه. فهو ابتدأ واعداً بمجتمع منصهر، يتساوى فيه الجميع ويتماثلون، لتكون مقومات هويتهم العرقية والدينية والتاريخية أوجه عرضية لا تعكّر الجوهر الوطني الإنساني المشترك. كان هذا خطاب الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

ثم طرأ تبديل على هذا التصوير، غالباً ما كانت الإشارة إليه على أنه تصويب شكلي لا ينفي الغاية، ولكنه يعيد رسمها توافقاً مع النسبية التي أبرزتها ما بعد الحداثة، فبدلاً من الانصهار، أصبح الكلام عن التعددية الثقافية وألوان قوس قزح، وجرى الاعتزاز بأوجه الهويات الخاصة، أي أنها لم تعد عرضية بل أضحت بدورها جوهرية ذاتية، إنما على انسجام تلقائي مع الإطار الثقافي التاريخي العام، والذي نشط بدوره لاستيعابها.

تاريخ الولايات المتحدة هو هنا سجل ارتقاء، عانى من سقطات خطيرة في مراحله الأولى، ولا سيما في طرد السكان الأوائل من أراضيهم والتسبب بما يقترب من فنائهم، وفي استعباد العرق الأسود والانتقاص من إنسانيته. غير أن ذاك كان الماضي، أما الحاضر فهو المساواة المبدئية قطعاً وبرامج العمل الإيجابي الهادف إلى تصحيح ما أفسده التاريخ لبلوغها فعلاً. كان هذا كلام الثمانينيات والتسعينيات.

غير أن الصيغة المتطورة للخطاب الحقوقي في الألفية الجديدة، أي على مدى العقدين الماضيين لا ترى الصحّة في الحاضر. والتعددية الثقافية بحد ذاتها لم تعد كافية. فالعنصرية، وفق هذا الخطاب، بنيوية متجذّرة في عمق المجتمع والثقافة في الولايات المتحدة، والتي كانت ولا تزال تعاني من أزمة "امتياز أبيض" لا بد من فضّه.

ولا مجال للمهادنة أو الحياد هنا. فإما أن يكون المرء معادياً للعنصرية ناشطاً لاجتثاثها، أو أن يكون هو نفسه عنصرياً، أدرك الأمر أو غفله. أي أن "الأبيض" الصالح هو من يقرّ بامتيازه، ويأسف ويعتذر له، ويعمل على تفكيكه.

فالولايات المتحدة لم تقم على أسس الحرية والمساواة للجميع، بل الحرية والمساواة للبيض وحدهم. ليس فقط أن الأب المؤسس، جورج واشنطن، كان مالكاً لأعداد من المستعبدين، وكذلك مؤلف الدستور والرئيس في مرحلة تالية، توماس جفرسون، بل أن التوجه للاستقلال عن بريطانيا  أساساً كان في حقيقته من أجل تجنب التخلي عن نظام الاستعباد، بعد أن قرّرت بريطانيا حظر العبودية وإعتاق المستعبدين.

الهوية البيضاء، وفق منطق الخطاب الحقوق الحالي، تصل إلى أن تكون تلقائياً هوية استعلائية، بل هي الإطار الجامع، بذكوريتها وغيريتها وفحوليتها لأشكال التمييز المختلفة، بحق الأعراق الأخرى، كما بحق النساء والمثليين والمتحولين، ولا بد صراحة من الإطاحة بها.

ليس الهدف "إلغاء" المواطنين البيض طبعاً، ولكن لا بد من تفنيد الامتيازات التي منحتهم المواقع المتقدمة التي يشغلونها على حساب حرمان الآخرين من مراكمة المكاسب، حيث "الأبيض" متقدم على غيره، "الأبيض" هو تلقائياً وريث سطوة أسلافه على ثروة غيره.

يريد هذا الخطاب الحقوقي الناقض لـ "البياض" أن يفرض نفسه كمقولة رسمية للتيار التقدمي والحزب الديمقراطي والثقافة العامة في البلاد. لم ينجح تماماً، غير أن مقاومته في كافة هذه الأوساط لا تبدو مبنية على رفضه ودحضه، بل على دعوته إلى التدرج والتروي، منعاً للمزيد من الانفصام.

ولكن الانفصام حاصل ويزداد حدة. في الصف المقابل للخطاب الحقوقي الناقض للبياض، استعاد الخطاب المحافظ أوجهاً كان قد ابتعد عن المتشدد منها، وإن دون التخلي عنها بالكامل، في العقود الماضية.

هي الأوجه القائلة إنه لا حاجة البتّة للاعتذار عن الفصول المؤلمة من تاريخ الولايات المتحدة. هي ليست وحدها من غزا، وليست وحدها من استعبد. بل لا بد للملأ من الإقرار بأن الإنجاز في تاريخ هذه البلاد هو إنجاز "أبيض"، وأن الأساس القيمي والحقوقي للتجربة الأميركية الفريدة، مهما جرى تحييده، هو أساس مسيحي.

والرؤية المحافظة لهذه للتجربة التاريخية الأميركية ليست مبنية على التصوير المتفائل الذي اعتمدته وعمّمته التوجهات التقدمية في مطلع عهدها، حول القيم والحقوق المستقاة من فلسفة أنوار القرن الثامن عشر، والمهيئة لمجتمع يسعى إلى مطلق المساواة.

بل القراءة التاريخية المحافظة، هي التي تضع الأبيض المسيحي القليل عدداً إنما المتفوق بجهده ومواهبه وهباته، في مواجهة وحشية السكان الأصليين وبدائية المستعبدين، ثم تقرّر أن وهج دين الأبيض وحضارته ارتقى بهؤلاء وأولئك في نهاية المطاف إلى مستويات لم يكونوا يوماً قادرين عليها، وإن كان الثمن طردهم واستعبادهم في مرحلة ما.

خلاصة هذه القراءة هي أن الثروة والإبداع والابتكار والإنجاز والإنتاج، كلها "بيضاء"، وكلها "مسيحية"، وإن كان بعض أفرادها من غير البيض أو من غير المسيحيين.

وإذا كانت قلّة، عند تخوم هذه القراءات، تجنح إلى تحميل "اليهود" مسؤولية الإضرار بهذا الصرح، سواء من باب تحقيق المصلحة الضيقة لجماعتهم أو من باب تعمّد الأذى خدمة لمآرب تاريخية أو غيبية، فإن شقاً أكبر من الصفّ المحافظ يعتبر بأن عامل الضرر هو الحزب الديمقراطي، والذي فتح باب الهجرة أمام الوافدين من العالم الثالث بغية توسيع أعداد قاعدته الانتخابية.

والمسؤولية تقع أولاً على قيادات هي بيضاء وهي مسيحية في أصولها، وإن عاونها اليهود والأقليات العرقية، والمسألة بالتالي هي «خيانة» من داخل المكوّن الأصلي والأساسي لهذه الولايات المتحدة، أي الجماعة البيضاء المسيحية.

الحزب الجمهوري، بغضّ النظر عن آفة دونالد ترامب التي تحيّره، هو للتوّ حزب "البيض"، أي أن أكثرية المنتسبين إليه أو المصوّتين له هم من البيض، وأكثرية البيض هم من المنتسبين إليه والمصوّتين له. وفي المقابل فإن الحزب الديمقراطي هو حزب غير البيض، حيث أن أكثر من ينتسب إليه أو يصوت له من غير البيض، وأكثر غير البيض ينتسبون إليه أو يصوّتون له.

على أن الاصطفاف الحزبي ليس عرقياً بالمعنى الحصري. أي أن كلاً من الحزبين يرضى بالذميين في صفوفه. الحزب الجمهوري يقبل بغير البيض الذين يقرّون ضمناً بأن الولايات المتحدة ذات أساس أبيض مسيحي، والحزب الديمقراطي يرحّب بالبيض الذين يجاهرون بذمّيتهم بالأقوال والأفعال.

والتقاسم العرقي بين الحزبين ليس كافياً، وليس ثابتاً بالمطلق. رغم أن أعداد غير البيض إلى أقدار من التزايد وأعداد البيض إلى انخفاض، غير أن المسألة هي تحولات بطيئة تقاس بالعقود، فيما احتياجات التعبئة والحشد آنية. تتعدد هنا الاعتبارات الثقافية والاجتماعية والطبقية.

ربما أن الجديد في الزخم الخطابي هو المزيد من التمايز بين الحزبين في مقابلات دينية، حيث الجمهوريون هم من يطالبون بإعادة الاعتبار للدين في الحياة العامة، والديمقراطيون هم من يحذرون من خطورة هذا الاستدعاء على الحقوق المدنية المكتسبة، لغير المتدينين والنساء والمثليين والمتحولين.

ومن شأن الديمقراطيين أن يقتطعوا شرائح متماهية في تقدميتها من قاعدة خصومهم الجمهوريين من خلال هذا التحذير، ومن شأن الجمهوريين في المقابل أن يستنزفوا من بيض الديمقراطيين من يسيئه الغلو في طعن "البياض". وقد تشهد الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر القادم نزوحاً نسائياً أبيض باتجاه الديمقراطيين، لمعاقبة الجمهوريين على قرار المحكمة العليا التي ألغت الحق بالإجهاض كحق دستوري ملزم للولايات.

على أن المتابعة التاريخية للخطاب المحافظ، إلى ما يسبق حملة الحقوق المدنية التي أرست القراءة التقدمية خطاباً وطنياً عاماً، تشير إلى مجال محافظ واسع لإعادة تأصيل ما جرى تهميشه، أي المثال الأبيض المسيحي. وإذا كان الجانب العرقي من هذا المثال لا يزال يلقى أقداراً من الممانعة في الفضاء العام، فإن الجانب المسيحي يزداد توطداً أمام ما يبدو وكأنه مبالغات تقدمية في فرض قيمها حول المثلية والتحول. ومن هنا يفهم ما قد تكرّر، وما قد يتكرر، من الإشارات لدى السياسيين المحافظين إلى القومية المسيحية.

ليست "المسيحية" هنا المقابل الأميركي للحركات الإسلامية في السياق العربي مثلاً، بل هي قائمة لمقام التجربة التاريخية الأميركية وفق القراءة المحافظة، أي استعادة لما تعتبره أصل هذا الوطن، نشاط الرجل الأبيض المسيحي وإنجازاته.

رغم الإنكار، الصادق منه والموظّف، الداخلي منه والخارجي، الأقرب إلى الصواب هو أن الولايات المتحدة تعيش واقعاً سياسياً وثقافياً جديداً على درجة مرتفعة من الخطورة، ولا بد من اعتباره ومراعاته في المراحل المقبلة دون تفريط.

ودون إفراط طبعاً. إذ هو واقع بعيد تماماً عن رغبات البعض بالانهيار الوشيك المرتقب للولايات المتحدة، وعن شبه بعض الإسلاميين ومغالطاتهم حول "الإرهاب المسيحي" ومقارنتهم المجانِبة للصواب حول تمييز وقمع مزعومين في الغرب لا ينحدر في أقصى مظاهره إلى معظم ما ينادون به هم صبيحة كل يوم. ولكنه واقع بعيد أيضاً عن أوهام المتغرّبين حول ارتقاء الغرب إلى مرحلة لا يعقبها إلا المزيد من التقدم والتحليق.

العالم كله اليوم ليس بخير، لا يمكن الاطمئنان إلى أن أموره سوف تنتظم في القريب العاجل. ورغم أنه للولايات المتحدة من المقومات ما يجعل أزماتها أقل وطأة على سكانها بالمقارنة مع غيرها، وفي حين أن التدرج من خطاب القومية البيضاء إلى خطاب القومية المسيحية قد ينطوي على قدر من التلطيف عبر الابتعاد عن حصرية الكلام العرقي، فإن ما ينطبق على العالم، ينطبق كذلك على الولايات المتحدة. لا بد من الاستعداد للأسوأ.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.