الملك عبدالله
الملك عبدالله هدد مهربي المخدرات وهو يرتدي الزي العسكري (أرشيفية) | Source: REUTERS

في فبراير-شباط  الماضي كان الملك الأردني بكامل لباسه العسكري "الميداني" على خط الحدود الشمالي لبلاده يخاطب جيشه مستخدما لغة تهديد قاسية وغير مسبوقة أعلن فيها "العين الحمراء" ضد كارتيل تجارة وتصنيع المخدرات. 

غالبا ما تكون قضايا المخدرات وضبطها والحد من تهريبها ملفا أمنيا تتولاه الأجهزة "البوليسية" ووحدات مكافحة تابعة لها متخصصة في مواجهتها، لكن الحالة التي أعلن عنها الملك في فبراير وما سبق ذلك مطلع العام الحالي حين أعلن الجيش الأردني ببيان "لافت جدا" قراره بتغيير قواعد الاشتباك أشارت بوضوح أن ملف المخدرات الذي أصبح قضية "أمن وطني وإقليمي" لم يعد ملفا تدير المواجهات فيه قوات أمنية شرطية بل هو ملف "استراتيجي" على مستوى الإقليم، ويبدو أن المعلومات الواردة إلى الأجهزة الاستخبارية العسكرية في الأردن تفيد بحضور "استراتيجية عدائية" ممنهجة تشير أصابع الاتهام فيها على طهران التي تحاول استخدام "الإرهاب الأبيض" ويستهدف في غاياته النهائية الوصول إلى إغراق الشارع المستهدف بالمخدرات وتقويض البنى الاجتماعية عبر تدمير الشباب "المعطل والمقهور واليائس" أصلا. 

عمق الجنوب السوري حالة فوضى أمنية، ومنطقة خصبة لحضور إيراني مباشر أو عبر قوات عسكرية سورية نظامية "منفلتة عن سيطرة النظام في دمشق"، ولم يعد خافيا سيطرة طهران "المطلقة" على غالبية الجغرافيا السورية واختطافها القسري لقرارات دمشق السياسية، خصوصا بعد انشغال "الشريك الروسي في احتلال سوريا" بحربه الطويلة على ما يبدو في أوكرانيا، وحضور إيران في سوريا لا يخرج عن سياقها التاريخي منذ ثورة الملالي فيها بتصدير "نموذجها الثوري في الدولة الإسلامية" وقد وجدت في الخواصر الأكثر ضعفا في المشرق العربي جغرافيا مناسبة لتصدير أزماتها مع بسط السيطرة الإقليمية تحت شعارات المقاومة والصمود وتوظيف "القضية الفلسطينية" كمظلومية كاملة الأهلية تقودها طهران. 

منذ سنوات، صار الدمشقيون يشعرون بخطة منهجية هدفها إعادة التركيب الديمغرافي في أحياء دمشق بما يشبه إعادة إنتاج "ضاحية جنوبية" فيها، وحسب المعلومات التي تداولها كثير من التقارير وشهود العيان فإن إيران وجدت في "الحرب السورية" حلا لأحد أزماتها والتي أنتجتها نهايات الحرب الأفغانية وهروب كتلة سكانية ضخمة من "الشيعة الأفغان" إلى إيران من الاقتتال السني – السني. 

إيران، ومع بدء "المقتلة السورية" وحسب مصادر عدة شكلت كتائب عسكرية مقاتلة من تلك الكتلة وباتفاق – غير معلن ومبهم-  مع النظام السوري تمت عمليات توطين الناجين من تلك الكتائب في أحياء دمشقية واسعة قرب مزارات شيعية معروفة بعد أن خلت من سكانها الأصليين، وهو ما يعني وجود استراتيجية إيرانية ممنهجة ومتعددة المستويات في تغيير التركيب الديمغرافي في سوريا، ويبدو ان الاستراتيجية تتوسع باستخدام خطط ممنهجة ومدروسة لضرب البنى الاجتماعية وتفكيكها عبر تصنيع هائل للمخدرات "الرخيصة والقوية" وتهريبها ونشرها في المجتمعات المستهدفة. 

الخاصرة الرخوة بل الأكثر رخاوة في هذه الحالة كان الجنوب السوري المتاخم بخط حدود طويل مع الأردن، خط حدودي مفتوح شماله منطقة معتمة مؤهلة لعمليات التصنيع الممولة والمجهزة والمحمية بمليشيات كاملة التجهيز العسكري، وجنوب الخط الحدودي مساحات مفتوحة لتمرير البضائع "والبشر" بحماية ذات المليشيات وبإغراءات العوائد الخرافية الضخمة. 

الملف لم يعد أمنيا، فالاستهداف هنا يتجاوز كامل الدولة الأردنية إلى الدول المجاورة بدءا من السعودية وباقي منظومة مجلس التعاون الخليجي. 

تغيير قواعد الاشتباك، هي لهجة تخفف حدة الوصف الحقيقي للحالة: الحرب. 

وهي حرب التقطها الجيش الأردني بمعلومات استخبارية لا التباسات فيها، واستخبارات الجيش الأردني معروفة بانضباطيتها وتميزها عن باقي الأجهزة "الأمنية" في الأردن أنها لا تنشغل بالسياسة ومهتمة بعقيدتها العسكرية الواضحة والمحددة بحماية الحدود واستقرار مؤسسات الدولة، انتهى تراكم المعلومات المتسارع والدقيق بالجيش إلى تغيير قواعد اشتباكه نحو حرب معلنة على عدو غير معلن، حرب باسم الإقليم وبتفويض "الضرورة" الواضح لا بمزاجية القرار السياسي الملتبس. 

العمق العربي المستهدف بالمخدرات – وحسب مصادر أردنية- لا يزال يتعامل مع تلك الحرب بمنطق السياسة ومزاجيتها الملتبسة، وهي حرب "وجود" لا يمكن إخضاعها لمنطق المناكفات وهي أيضا حرب مكلفة تحتاج تمويلا مستداما لا تغطية "رفع العتب" المعتادة. 

الطرف الآخر، العدو المجهول الذي يواجهه الجيش الأردني مسلح بتقنيات عالية المستوى قادرة "بتمويل مرتفع" على تطوير برمجيات التقنيات الحديثة مما يجعل تقنيات المواجهة بلا فائدة في كثير من الأحيان، وهو ما يستنزف القوة البشرية التي لا تزال قادرة حسب معطيات تم إطلاعي عليها على صد هجوم عمليات التهريب ذات التغطية العسكرية والتقنية العالية. 

وحسب ذات المصادر، فإن الجهات الأمنية الأردنية بدأت فعلا وبقرار سياسي من رأس الدولة بحمل الملف الأمني الداخلي بحملات مداهمة وتحديد "تجار الداخل" في الأردن، وهو ما بدأت الأخبار "الشحيحة بالتسريب" تداوله عبر المواقع الأردنية مع بهارات التضخيم التي تحاول تسييس العملية الأمنية. 

هي الحرب إذن..حرب إقليمية نوعية معلنة بغموض سياسي، مع عدو واضح الملامح مجهول الهوية ومسلح جيدا بقوة جيش نظامي، وتلك من أسرار هذا الشرق الأوسط في تحولاته العميقة نحو شرق متوسط محاصر بثروة الغاز والوارث تاريخيا لأزمات ثقيلة واليائس رغم كل المحاولات ان يصل إلى نقطة "صفر أزمات". 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.