رياض سلامة
حزب الله قد يتخلى عن رياض سلامة

لم تتمكن مافيا المصارف اللبنانية من تمرير قانون الـ"كابيتيل كونترول" الذي عُرض على مجلس النواب مؤخراً. لم تتمكن من تمريره ليس لأن ثمة نواباً انتفضوا للمودعين، بل كان ذلك جزءاً من مسار تمريره لاحقاً، ذاك أن مجلس النواب اللبناني بأكثريته وبأحزابه وكتله هو جزء من منطقة عمل هذه المافيا، لا بل هو القاعدة السياسية لنشاطها ولانتهاكها القوانين. مشروع القانون سيقر قريباً، وتأخيره هو جزء من مسرحية لطالما شهدنا نماذج منها.  

الـ"كابيتيل كونترول" قادم لا محالة. هو حاجة ملحة للمصارف، وهذه الأخيرة حاجة ملحة للطبقة السياسية. حين أطبقت المصارف على ودائع الناس، كان الـ"كابيتيل كونترول" القانوني ضروري للمودعين، إلا أنه كان سيتحول، في حال أقر في حينها، إلى عائق أمام التحويلات الهائلة التي أقدمت عليها المصارف، وهربت من خلالها أرصدتها، وأرصدة السياسيين. اليوم وبعد ثلاث سنوات على النهب، أنجزت المصارف ومن خلفها الطبقة السياسية التحويلات، وهذا مثبت بالوثائق، فهبت للمطالبة بإصدار قانون يشرع تمنعها عن دفع مستحقاتها للمودعين! هل من وقاحة أوضح، وهل من قصة سرقة معلنة أكثر شفافية من هذه السرقة. 

الطبقة السياسية والقضاء في لبنان يتوليان تغطية مخالفة المصارف القانون اللبناني كل يوم، لكن المافيا اصطدمت بحقيقة لا تستطيع الأحزاب اللبنانية حمايتها منها. إنها القضاء الدولي. محكمة بريطانية أصدرت حكماً بإعادة وديعتين لمواطنين بريطانيين من أصول لبنانية فاقت قيمتهما العشرة ملايين دولار. المحكمة البريطانية اعتمدت في قرارها على القانوني اللبناني الذي يجرم المصرف إذا تمنع عن إعادة وديعة لصاحبها، هذا في وقت يمتنع القضاء اللبناني عن اعتماد هذا القانون! هل من فضيحة تفوق هذه الفضيحة؟ 

لكن الفضائح تتناسل على ضفاف الانهيار اللبناني، فها هو حزب الله يواصل خطابه المراوغ حيال المودعين اللبنانيين، فيدفع وسائل إعلامه لمهاجمة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من جهة، إلا أنه من جهة أخرى يخوض معركة إسقاط نيابة النائب فراس حمدان ليحل محله رجل رياض سلامة ومهرب أمواله وأموال نجله إلى الخارج، أي مروان خير الدين. معركة اسقاط حمدان في المجلس الدستوري جاءت بموازاة فتح النقاش حول الـ"كابيتيل كونترول"، وهي لا تنفصل عنها، ذاك أن المصارف وعلى رأسها سلامة وخير الدين، جرى تطويعها في تغطية الدورة المالية لحزب الله، وتحول سلامة إلى قناة لتبييض التحويلات المالية للحزب في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليه. 

من الصعب على حزب الله، وعلى التيار العوني أيضاً حماية سلامة على نحو معلن، وقد يضطرا للإطاحة به، على رغم الدعم المعلن له من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقات، وربما يطيحان به قريباً، إلا أن المهمة المنوطة به ستجد من يواصلها. 

 لكن الأهم من ذلك هو أن المصارف نفسها أقوى من أن يُعاد هيكلتها على ما يطلب صندوق النقد الدولي. المصارف أقوى من رياض سلامة، وهي في صلب المهمة التي أناطها النظام بها، ذاك أن دورة الفساد والنهب من جهة والدورة المالية لحزب الله من جهة أخرى، هما في أشد الحاجة لصمود المصارف في وجه المودعين. 

حزب الله يخوض معركة إعادة مروان خير الدين إلى مجلس النواب، أي الرجل الذي كشفت الوثائق تهريبه نحو 6 ملايين دولار لنجل رياض سلامة. نبيه بري يملك شبكة مصالح هائلة مع عدد من المصارف، وابنة رئيس الجمهورية هي إحدى مؤسسي "بنك سيدروس"، وودائع نجيب ميقاتي تفيض على ضفاف خزائن بنك عودة. أما وليد جنبلاط فهو كشف بنفسه أنه هرّب نحو نصف مليار إلى الخارج بمساعدة أحد المصارف. اذاً المعركة مع المصارف هي معركة مع هؤلاء. 

لا يختلف خبيران ماليان على أن المصارف اللبنانية في حال إفلاس، وعلى رغم ذلك تتولى الطبقة السياسية منع الإعلان القانوني عن هذا الإفلاس. إعلان الإفلاس يعني وضع الدولة يدها على أصول المصارف وأصول أعضاء مجالس إدارتها وبيعها وتوزيعها على المودعين، بالإضافة إلى وضع اليد على ودائعها وأملاكها في الداخل والخارج. ولا يمكن إنصاف المودعين اللبنانيين إلا عبر خطوات من هذا النوع. 

وفي المقابل تُجند المصارف مجلس النواب والأحزاب والطوائف لمنع هذه الخطوة. الـ"كابيتيل كونترول" اليوم هو جزء من هذه المعركة. آلاف المودعين اللبنانيين من حملة الجنسيات الأوروبية والأميركية سيتولى هذا القانون الحد من قدرتهم على مقاضاة المصارف في الخارج. 

أما المودع اللبناني، فشأنه شأن مواطنه الذي يعيش بلا كهرباء ولا ماء ولا أنترنت، وعليه لكي يستعيد وديعته أن يقتدي ببسام الشيخ حسين، أي المواطن الذي دخل إلى المصرف واستعاد جزءاً من وديعته بالقوة، طالما أن القضاة في لبنان يعينهم السياسيون، والسياسيون هم خط الدفاع الأول عن المصارف.    

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.