أشعل النائب الأردني، خليل عطية، عود الثقاب حين دعا إلى منع الفلسطينيين الذين يستخدمون مطار تمناع أو ما يُسمى "رامون" من دخول الأردن.
لم ينطلق النائب عطية في دعوته من عداء، ورغبة في حصار الفلسطينيين، وإنما للتحذير من أن فتح مطار رامون لتنقل الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى العالم الخارجي يُشكل استهدافا مباشرا للأردن، ولهذا يقول عطية "على الفلسطيني أن يختار ما بين الأردن الذي يقف على الدوام مع فلسطين، أو الذهاب مع محتل بلاده".
كلام النائب عطية فتح السجال على مصراعيه في عمّان ورام الله، وانطلقت حملات اتهام، وتخوين، وشيطنة، في مقدمتها أن السلطة الفلسطينية لم تُعلن موقفا حازما في الرفض، ولم تتخذ إجراءات حاسمة ضد من يستخدمون مطار رامون، ولم تمنع شركات السياحة من التعاطي، والترويج لهذه الخطوة، في حين اختارت الحكومة الأردنية الصمت.
على ما يبدو في الجانب الأردني فإن الكُتاب في الصحافة كانوا يقولون ما تلتزم حكومتهم بالسكوت عنه، فوزير الإعلام الأسبق، سميح المعايطة يُجاهر بالإعلان أن فتح مطار رامون خطوة إسرائيلية لخدمة مصالحها بالتوافق مع سلطة رام الله، وهي خدمة لإسرائيل على حساب الأردن الذي تريده بالأزمات، ويتهم الصحفي والكاتب، ماهر أبو طير، السلطة الفلسطينية بالتواطؤ مع إسرائيل مهما قالوا عكس ذلك.
تعرف السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها أن الخطوة الإسرائيلية بالسماح للفلسطينيين بالسفر جوا عبر مطار رامون تحت مسمى "تسهيلات" إنسانية ليست سوى خطوة في مسار اغتيال الدولة الفلسطينية المستقلة، وإنهاء الحديث السياسي عن تمكين الفلسطينيين من إعادة تأهيل مطار قلنديا بالقدس، وكذا الأمر إنشاء مطار فلسطين تحت وصاية، وتشغيل السلطة.
في الأشهر الماضية، وبعد عامين من الجائحة، والعزلة، تعمدت السلطات الإسرائيلية خنق الفلسطينيين، وزيادة إحكام قبضة الحصار عليهم، فأصبح جحيم السفر عبر الجسور التي تسيطر عليها إسرائيل لا يطاق، وهذا ليس طارئا، بل على مدى العقود الماضية كان الاحتلال يدفع الفلسطينيين للاقتناع أن بلاده طاردة للسكن، وغير مهيأة للعيش الكريم، وتجربة السفر نموذجا للمعاناة غير الإنسانية، تبدأ بالانتظار لساعات طويلة في الباصات، ولا تنتهي بإجراءات تفتيش مذلة، وأحيانا منع السفر لأسباب أمنية غير معروفة، هذا عدا الكلف المالية الباهظة التي يتحملها من يرغب بعبور الجسر إلى الأردن.
ربما كانت الإجراءات الإسرائيلية المتعمدة بتكديس المسافرين على جسر الملك حسين، والتوقف عن تشغيله 24 ساعة يوميا، وطوال أيام الأسبوع خطة ممنهجة لدفع الفلسطينيين لتغيير بوصلتهم في السفر من جسر الملك حسين إلى مطار رامون باعتباره خيارا أيسر، وأسهل، ولا يكبدهم المعاناة التي يعيشونها.
الفبركة الإسرائيلية بالحديث عن التسهيلات الإنسانية للفلسطينيين بالسماح لهم بالسفر عبر مطار رامون تغطية على الفشل الاقتصادي الذي لاحق المطار منذ تأسيسه، ومحاولة في ذات الوقت لإنقاذ شركات طيران إسرائيلية على شفير الإفلاس، و"إسفين" لشرخ العلاقات الأردنية الفلسطينية، وسعي لإعطاء شرعية لمطار ولد خارج إطار القوانين الدولية.
للاستذكار فإن الأردن عارض بشدة تأسيس هذا المطار، واعتبره تهديد لسلامة الملاحة الجوية، وخرق لاتفاقية شيكاغو للطيران المدني، وقدم شكوى لهيئة الطيران المدني الدولية "ICAO"، والتي اتخذت قرارا عام 2019 بإلغاء مطار "تمناع" من خطة الملاحة الجوية للمطارات المعلنة أمام وجهات الطيران الدولية، أو ما يُسمى "خطة الملاحة".
ورغم أن مطار رامون في الخطة الإسرائيلية كان يستهدف مزاحمة مطار شرم الشيخ، ومطار الملك حسين في العقبة، فإن تقرير صحيفة "ذا ماركر" الاقتصادية الإسرائيلية كشف أن المطار قصة إخفاق ذريعة، ودللت على ذلك في قصة كتبتها الصحيفة وعنونتها "20 مسافرا في 9 رحلات دولية.. لماذا لا ينهض مطار رامون؟".
بعيدا عن الشعارات التي أطلقها رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد اشتية، خلال لقائه نظيره الأردني، بشر الخصاونة، "لا مطار رامون، ولا أي مطار غيره سيكون بديلا للعمق الأردني"، فإن المطلوب أكثر من الكلام، وحملات التعاطف، إجراءات على الأرض تخفف من عذابات الفلسطينيين في ترحالهم.
تحرك الأردن لاستدراك الأزمة المتصاعدة على جسر الملك حسين، وأعلن وزير الداخلية، مازن الفراية، أن الإجراءات اللوجستية الإسرائيلية هي التي تُعيق، وتؤخر سفر الفلسطينيين، وتزيد معاناتهم في الانتظار، وتزامنت هذه التصريحات مع إنجاز السلطات الأردنية تطبيقا إلكترونيا يُسهل إجراءات السفر، والعودة من الأردن إلى أراضي السلطة، من خلال حجز مواعيد السفر، والحافلات إلكترونيا، بما يُقلل الحاجة للتكدس، والانتظار، ويسهل إنسيابية المرور عبر الجسر.
ليس سرا أن الأردن، والمغرب، والفلسطينيين طالبوا الإدارة الأميركية قبيل زيارة الرئيس جو بايدن الأخيرة بالتوسط عند إسرائيل للحد من معاناة الفلسطينيين في الانتقال عبر جسر الملك حسين، وطالبوا بالضغط عليها لفتح المعابر 24 ساعة.
الأردن هي الرئة التي يتنفس منها الفلسطينيون، هذه حقيقة يؤمن بها الشارع الأردني، والحكومة الأردنية مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى بترجمة هذا الشعار إلى واقع على الأرض، وهذا يعني تذليل كل الصعاب أمام الفلسطينيين، فهما أي الأردني والفلسطيني مربوطان بحبل سري واحدة.
تعالت الأصوات التي تحث الحكومة الأردنية لاتخاذ التدابير التي تكفل تقليص معاناة الفلسطينيين خلال سفرهم عبر جسر الملك حسين، ويحدثني خبير في عمل المطارات، والمناطق الحدودية -فضل عدم ذكر اسمه- عن خطوات على الأردن اتخاذها سريعا، أولها أن يكون للجسر مديرا تعمل كل الأجهزة تحت مظلته، وسلطته، كما هو معمول به في المطارات، وثاني الخطوات برأيه الحد من سطوة المجتمعات المحلية، والتوقف عن غض النظر عن مخالفاتها، وعدم خضوعها لسلطة القانون، والتدخل، والتجبر أحيانا في المسافرين الذين لا حول لهم ولا قوة، والتجاوز على سيادة القانون.
وثالث الإجراءات المطلوبة كما وصفها بأنسنة الخدمات المقدمة للمسافرين لاحترام كرامتهم الإنسانية، والخطوة الرابعة الضرورية، بناء أو إعادة تأهيل معبر الجسر على غرار المطارات، فمن غير المقبول أن تظل المباني متهالكة، رغم أن الجسر يتجاوز المسافرين عبره مليون شخص، وهناك من يشير إلى بلغوهم أكثر من 3 ملايين في العام.
آخر ملاحظة يُثيرها الخبير الكلف المالية المترتبة على السفر عبر جسر الملك حسين، فعدا ما يدفعه الفلسطينيون من رسوم وخدمات قبل وصولهم إلى الضفة الأردنية، فإن الأمر يتكرر بضرائب المغادرة، وبأسعار النقل غير المنضبطة، وهنا يذكر بحقيقة جرى تكرارها كثيرا منذ اندلاع قصة مطار رامون، وملخصها أن الفلسطينيين ينعشون بحركتهم، وسفرهم الاقتصاد الأردني بقطاعاته المتعددة، مثل مكاتب السياحة، والفنادق، والمطاعم، ويرفدون خزينة الدولة، ولذلك فإن الدولة الأردنية عليها أن تضع تصورا استراتيجيا يجعل عمّان مستقرا، ووجهة لا بديل عنها عند الفلسطينيين.
تُعيق إسرائيل قبل معاهدة السلام مع الأردن، وبعدها التكامل الاقتصادي بين عمّان ورام الله، وتعمل جاهدة لربط الاقتصاد الفلسطيني، وتبعيته لها، ورغم أن المستهلك الفلسطيني يشابه المستهلك في عمّان، فإن المنتجات الإسرائيلية هي من تغزو الأسواق في المدن الفلسطينية، ولا يجد اتفاق باريس الموقع لرفع التعاون التجاري بين الأردن والسلطة الفلسطينية إلى 700 مليون دولار موطئ قدم للتنفيذ، وحتى مذكرة التعاون الاقتصادي بين البلدين ظلت رغم مرور 3 سنوات على توقيعها حبرا على ورق.
الحقائق تقول إن السوق الفلسطيني يستورد بـ 6 مليارات دولار سنويا، والصادرات من الأردن للأراضي الفلسطينية لم تتجاوز 160 مليون دولار.
قصة مطار رامون ليست رحلة عارضة في مسار العلاقات الأردنية الإسرائيلية، المعطيات على الأرض أن إسرائيل تقتنص كل فرصة ممكنة ليبقى الأردن محاصرا، وضعيفا، وتطعنه في الخاصرة، ومن نافلة القول إن حديث السلام، والدولة الفلسطينية وئد في ظل ذهاب المجتمع الإسرائيلي، وأحزابه نحو التطرف في الأعوام الماضية، وباتوا ينظرون إلى الفلسطينيين على أنهم سكان يعيشون على هامش الدولة اليهودية، وما يفعله الاحتلال هو إيجاد مخارج للتنفيس عنهم لدرء الانفجارات، وحتى يظلوا على قيد الحياة.
