تعليم الثقافة الجنسية
نقص تعليم الثقافة الجنسية يؤدي لانتشار الأمراض التناسلية

ما هو القاسم المشترك بين: التحرش، الاعتداءات الجنسية، التنمر الجنسي، الاغتصاب الزوجي، المشاكل الجنسية بين الزوجين، عدم الرضى الجنسي، الأمراض المنقولة جنسيا والحمل غير المرغوب فيه؟ 

ببساطة... التربية الجنسية. أو بالأحرى: انعدام التربية الجنسية! 

يتصور الكثيرون، خطأ، أن التربية الجنسية تعني أن نضع في فصل دراسي مجموعة أطفال أو مراهقين ونعرض لهم فيلما جنسيا لكي نعلمهم تفاصيل العلاقة الجنسية، ميكانيكيا.  

وهذا، بالتأكيد، خطأ كبير في المفهوم. التربية الجنسية تعني أساسا تلقين الأطفال والمراهقين معلومات عن جسدهم وعن جسد الآخرين، عن الوقاية من الأمراض المنقولة جنسيا، عن احترام الآخر، عن مفهوم الرضى والتراضي في العلاقة؛ لأن جزءا مهما من أشكال العنف والتحرش تنتج عن عدم استيعاب مفهوم الرضى. أفكار ومفاهيم مثل "يتمنعن وهن راغبات"، أو "الصمت علامة الرضى" تجعل الكثير من الرجال يتوهمون أن رفض المرأة للعلاقة أو عدم التفاتها لعروض الرجل يعني موافقتها و"خجلها" من التعبير.  

كما أن الكثيرين يعتقدون، خطأ، أن المرأة هي موضوع للرغبة الجنسية، وليست فاعلة فيها، لأن "الأمر لا يعني لها الكثير" أو أنها "غير مهتمة بالموضوع". وهذه، للإشارة، مغالطات لا تهم المراهقين فقط، بل تطال الراشدين أيضا، لتتحول علاقات الكثيرين، بمن فيهم المتزوجون، إلى علاقات متوترة يشوبها عدم الرضى وعدم استيعاب حاجيات الآخر ورغباته وحدوده؛ كما يشوبها العنف والاغتصاب الزوجي.  

أليس أساس الاغتصاب الزوجي أن الكثير من الأزواج يعتقدون أن "من حقهم" ممارسة الجنس مع زوجاتهم متى رغبوا في ذلك، دون التفكير في مدى استعدادهن النفسي ومدى رغبتهن في العلاقة الجنسية؟  

أتذكر شخصا بمستوى جامعي كان قد قال في برنامج إذاعي: "أن تقول الزوجة أن لا رغبة لديها هو أمر غريب عن ثقافتنا ومستورد من الغرب". فكرت حينها: هل هذا يعني أنه مستعد لممارسة الجنس مع زوجته حتى لو لم تكن راغبة في ذلك، وأنه يعتبر هذا سلوكا عاديا ومقبولا، مادام حلالا؟ أي تصور يملكه هذا الشخص (وأشباهه كثيرون) عن العلاقة الجنسية؟ كيف يتصورون علاقة جنسية لا يشوبها الرضى والرغبة بين الطرفين؟ متى سيستوعب هؤلاء أن عقد الزواج لا يعادل عقد ملكية لجسد الآخر؟  

هذا ليس كل شيء، لأن كمَّ المفاهيم المغلوطة في أذهان النساء والرجال عن الحياة الجنسية لا يعد ولا يحصى، وقد لا يسع المجال لذكرها جميعا. لكن الأكيد أن الملاحظة الموضوعية لمجتمعاتنا تجعلنا نؤكد على دور وأهمية التربية الجنسية، ليس كـ "مفهوم مستورد يشجع على الانحلال"، بل كثقافة معرفية بالجسد وبالذات وبالآخر، تُعلمنا جميعا كيف نعرف أجسادنا، كيف نحترم رغبة الآخر، كيف نعالج أعطابنا وأمراضنا الجنسية المحتملة، كيف نتفادى الوقوع في الحمْل غير المرغوب فيه أو الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيا، كيف نعيش علاقات جنسية سوية. 

لذلك، فنحن نحتاج للتحلي بالوعي التام بأن التربية الجنسية لا تشجع على الانحلال بقدر ما تحضر أفرادا ناضجين، منذ سنواتهم الأولى، للتعامل الجيد مع حياتهم الجنسية ومع اختيارات شركائهم الحاليين أو المحتملين؛ تعلم المراهقين والشباب والراشدين كيف يبنون علاقات إنسانية وجنسية مُرْضِية لهم ولشركائهم وخالية من العنف والتملك والابتزاز والاغتصاب. تعلم الأطفال والمراهقين كيف يحمون أنفسهم من الابتزاز والاستغلال الجنسي.  

علينا كذلك أن نعي أن درس التوالد في المقررات هو بالتأكيد غير كافٍ، تماما كما أن أستاذ العلوم الطبيعية ليس بالضرورة مؤهلا لتدريس التربية الجنسية.  

التربية الجنسية تكوين من نوع خاص له شروطه ومؤهلاته التي، بدونها، لن يحقق نتائجه. هناك أيضا بيداغوجية أساسية يجب أن يتم وضعها لتحديد أي محتوى يُقَدَّم وفي أي سن.  

ما لم نتحلَّ بشجاعة السير في هذا الاتجاه، فستبقى الأفلام الجنسية، بالكم الهائل من الأفكار المغلوطة والمدمرة التي تقدمها عن الممارسات الجنسية، هي "مصدر التعلم" الوحيد المتاح أمام أفراد لديهم رغبات جنسية ومشاعر، ولا يستفيدون من أي مواكبة أو تأطير لتلك الرغبات، خارج الخطاب الوعظي الديني...  

والنتيجة؟... كمّ الجرائم والاعتداءات وتبرير الاعتداءات التي نعيشها بشكل متواتر كفيل بالرد! 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.