الرئيس السابق الشعبوي والمغامر في مجالي السياسة والأعمال يتخبط اليوم في مشاكل قانونية
الرئيس السابق الشعبوي والمغامر في مجالي السياسة والأعمال يتخبط اليوم في مشاكل قانونية

في أي سنة تقليدية في الانتخابات النصفية الأميركية، يخسر عادة الحزب الحاكم مجلسي الشيوخ والنواب أو واحدا منهما، وفي عام سجل فيه التضخم أعلى نسب منذ ١٩٨١ كان الجمهوريون يجلسون على عتبة انتصار محتم في المجلسين لو لم يفسد دونالد ترامب الطبخة على حزبه.

الرئيس السابق الشعبوي والمغامر في مجالي السياسة والأعمال يتخبط اليوم في مشاكل قانونية وبعد مداهمة مقر إقامته في فلوريدا من مكتب التحقيقات الفدرالي "إف بي آي" (FBI) ونشر وزارة العدل الأميركية صورة تظهر مستندات في غاية السرية عثرت عليها هناك كان ترامب أخذها معه بشكل غير قانوني من البيت الأبيض وقد تقود إلى مرافعة قانونية. 

وحتى قبل مشاكله القانونية، تحول ترامب ومنذ أحداث ٦ يناير ٢.٢١ وسكوته عن اقتحام مناصريه لمبنى الكابيتول إلى عبء على الحزب الجمهوري وشخصية تثير انقساماً حاداً في الوسط الأميركي. وبدل المضي بمصالحة تعيد لمّ شمل حزبه تحت مظلة المحافظين، اختار ترامب إعلان المواجهة ضد قيادة الحزب في مجلس الشيوخ وضد شخصيات قالت الحقيقة بأنه خسر انتخابات 2020 ولا عودة عن ذلك. 

وبالتالي اختار ترامب أن يغذي الانقسام في الحزب الجمهوري ويخوض الانتخابات داخل الحزب بمرشحين ذوي أجندات متطرفة فاز بعضهم في الانتخابات التمهيدية على حساب المعتدلين إنما يتجهون نحو الخسارة في الانتخابات العامة. 

فماذا يعني أن تخسر سارة بايلن، نجمة الجمهوريبن التي برزت في عام 2008، يوم اختارها مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية جون ماكين لتخوض السباق معه كمرشحة لمنصب نائبة الرئيس؟ ماذا يعني أن تخسر هذا الأسبوع أمام الديمقراطية ماري بلتولا في مقعد احتله الجمهوريون منذ ١٩٧٣؟ بايلن احترقت أوراقها بسبب تبني تطرف ترامب وأفكاره المغايرة لمعظم الأميركيين.

خسارتها ستتكرر على الأرجح أمام الجمهوريين في نوفمبر وفي ولايات أريزونا وبنسلفانيا وجورجيا وحيث يمثل الحزب شخصيات يمينية متطرفة بآرائها وشعبويتها ومحسوبة على خط ترامب. فالجمهوريون كانوا بحاجة إلى مقعدين فقط لحصد أكثرية في مجلس الشيوخ، وهم اليوم يتجهون لخسارة مقعدين وليصبح الفارق ٤ مقاعد.

ليس بالمستغرب بأن بعض المجموعات في الحزب الديموقراطي قررت تمويل المرشحين الذين يدعمهم ترامب مثل بلايك ماستر في أريزونا ومهمت أوز في بنسلفانيا. فهؤلاء يسهل هزيمتهم في نوفمبر فيما الوجوه الأكثر رصانة في مجلس الشيوخ مثل ليزا ميركوسكي (ألاسكا) وماركو روبيو (فلوريدا) يتجهون إلى الفوز. 

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل الذي يهاجمه ترامب يوميا، لخص معضلة الحزب بأنه يعاني من نوعية المرشحين في الانتخابات المقبلة ومن دون أن يذكر الرئيس السابق بالاسم، لمح إلى أن مرشحي الكفاءة لم يفوزوا بانتخاباتهم بسبب ترامب. 

عملياً نحن نتجه اليوم نحو انتخابات ينجح فيها الديموقراطيون بالحفاظ على أكثريتهم في مجلس الشيوخ والخسارة بنسبة أقل من المتوقع في مجلس النواب. ترامب ليس السبب الوحيد في ذلك إنما هو الأساس. فهناك قرارات المحكمة العليا ضد منح المرأة الحق باختيار الإجهاض حتى في الحالات التي تكون حياتها عرضة للخطر أو بعد الاغتصاب، وهو ما أعاد الصف النسوي إلى صفوف الديموقراطيين. هناك أيضا التعافي الاقتصادي ونجاح الرئيس جوزيف بايدن بتمرير تشريعات تحفز الطبقة العاملة والوسطى. 

إنما العامل الأساسي في تحسن حظوظ الديموقراطيين في انتخابات الكونغرس هو دونالد ترامب. الرئيس السابق هو اليوم الوزة التي تبيض ذهباً للحزب الديموقراطي بتهميشها المبادئ المحافظة ودعم وجوه شعبوية تعتلي المنابر وتصرخ شعارات من عالم ثان وتهتف باسم القائد الواحد دونالد ترامب. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.