توم كروز بطل فيلم توب غان مافريك
توم كروز بطل فيلم توب غان مافريك

فقر، مجاعات، بطالة، انعدام الوفرة وتراجع مؤشر الاقتصاديات الكبرى. سيول وأعاصير وجفاف وتهديد بيئي لم يسبق له مثيل. وباء حصد أرواح الملايين وما زال مخيماً منذ ثلاث أعوام يعد بالمزيد. أضف إلى تهديد مستمر للسلم العالمي بافتعال حروب كونية، إلى جانب نزاعات حادة متعددة الأسباب والذرائع توقع يومياً مئات الضحايا وتفرز باضطراد هجرات جماعية وملايين النازحين. 

باختصار، هذه بعض الحقائق الراهنة والمؤسفة التي ترسم ملامح المشهد العالمي وتعيش تداعياتها العديد من المجتمعات. وهي حقائق تجنح نحو الكارثية في معظمها، وإن كانت ليست بغريبة أو طارئة على طبيعة الحياة البشرية، لكن لم يسبق لها أن اجتمعت معاً بهذا الزخم وهذه القسوة، وتفضي بطبيعة الحال إلى حالات متطرفة من الأمراض النفسية أقلها الاكتئاب والتشاؤم. 

أو بإمكانها أن تجنح بعمق مجتمعاتها نحو العنف وانعدام القيم والأخلاق أو تسفيهها، وتجميل الفساد العام وإفرازاته مثل الرشى والسرقة والجريمة وغيرها، وتبريرها بالحاجة والضرورة أو أية مسميات مخادعة تضلل العامة، وتمنح المنخرطين في آثامها صكوك البراءة، حتى تعم وتكاد تصبح الغالبة. 

أمام مواجهة مثل هذه الوقائع الصعبة، وحين تتعسر الحلول الجادة ويتباطأ اقتراب الخلاص، تتماهى الآداب والفنون بحساسيتها المعهودة مع مجتمعاتها وتستشعر هذه المخاطر، فتسرع لتعيد إنتاجها بما يوثق فكرياً وفلسفياً لمثل هذه المفارقة التاريخية والمصيرية، عبر قراءة عميقة للمشهد الدولي العام، وارتباط تداعياته الحتمية بمجتمعاتها. 

السينما كواحدة من أبرز أشكال الفنون وأسرعها تأثيراً، وبشكل خاص سينما هوليوود الأكثر غزارة، تقدمت عبر تاريخها بجسارة وتجاوبت مع مثل هذه المواجهات الوجودية، وأبدت تفاعلاً بنّاء، فسخرت على الدوام إمكانياتها المادية والتقنية، وشحذت قرائح كتّابها وصنّاعها لإنتاج تدخل ايجابي ما، يمكنه أن يرفد حالات القلق العام ويمتصها نسبياً، فيهدىء من مخاوف قائمة، أو يساهم في خفض مؤشرات غضب ما، أو يعيد إحياء بعض الأمل بعد خسارات مدوية. 

أبرز ماتلجأ إليه السينما في مثل هذه الحالات، هو صناعة أبطال جدد أو إعادة البريق لأبطال قدامى يمتلكون رصيداً جماهيرياً واسعاً، أو تسليط الضوء على أبطال حقيقيين في مجالات الرياضة أو العلم أو غيره، أو أبطال اجترحوا إنجازات فردية مختلفة تتعلق بإرادة صلبة وتغلبوا على تحديات جسدية جسيمة، كالبطولات التي تتعلق بعمليات الإنقاذ الكبرى على سبيل المثال.    

في هذا العام، تحركت ماكينة صناعة السينما الهوليوودية وأصدرت كماً وفيراً من الإنتاج المتعلق بالأبطال ومفهوم البطولة. بعضها ارتبط بالخيال والخوارق، فيما اختارت أبرز الانتاجات أبطالاً يشبهون أقرانهم في المجتمع ويتميزون بالواقعية، لمصداقية هذه النوعية ومقدرتها على التأثير الجمعي الأكبر.  

يمكن الحديث في السياق عن نموذجين متميزين يعرضان حالياً في الصالات الأميركية والعالمية ويحصدان الإعجاب والإقبال الكبير، أبرزهما الجزء الثاني من فيلم (توب غان Top Gun:Maverick ) وعودة مظفرة للنجم العالمي توم كروز. وهو يتناول موضوعا سياسيا في الواقع ويتعلق بإحدى الدول المارقة كما يصفها، والمهددة للبشرية بأسلحتها النووية. 

لكنه يعنى بقيم عليا ومفاهيم إنسانية أكثر عمقاً، من أبرزها أهمية تضافر الخبرات العريقة مع الأجيال الشابة، وكيفية قيادة عنفوانها وجموحها لأجل إنتاج بطولات جماعية تخدم الصالح العام. وأيضاً التعمق في مفهوم التقنيات المتقدمة كأدوات مساعدة لاتصنع البطولات والمعجزات بمفردها، ولايعتمد عليها إن لم ترتبط بتحديات فردية وإرادة بشرية قوية وكفاءات عالية وشجاعة ملفتة، تنصهر معاً وتصنع التميز. 

فيما يتمحور فيلم (السامري (Samaritan 2022 الذي يعيد الألق لنجم أفلام الروكي سيلفستر ستالون في عمر 76 عاماً، على ثيمة الخير في مواجهة الشر، ويركز في سياقه ضمن حدوتة لاتخلو من الخيال، على واقعية هذين المفهومين البشرية، وكسر النمطية التي قدما بها مراراً، حيث لاأحد ملائكي أو صالح في المطلق، ولا أحد شيطاني أو شرير في المطلق. بل هما مفهومان يجتمعا بشكل طبيعي ونسب مختلفة داخل كل بشري، وهو وحده من يقرر كيفية لجم شروره مقابل تغليب الخير لصالحه، وأيضاً الصالح العام.  

وفيما يمكن اعتبار فيلم (ٍSamaritan) تربويا نسبياً يتوجه للأجيال الناشئة وأهمية إشباعها بالقيم والمثل العليا، وبخاصة ضمن المجتمعات المعاصرة التي تعاني من عنف شديد. لايمكن نفي أهمية طرحه بالمقابل لمعنى البطولة الخارقة التي لاتصنعها القوة الجسدية أو امتلاك سلاح فتاك، بل إيفاء العقل والذكاء والحب والعواطف والاهتمام حقها الوافي، الذي يمكن أن يضاهي أو يتغلب على مصاعب الحياة وتحدياتها. 

يزخر تاريخ المجتمعات البشرية، بكافة مشاربها وأعراقها ومعتقداتها بالأبطال وسيرهم التي تكرر كل حين لشحذ الهمم والاقتداء بهم. هناك حاجة نفسية دائمة وماسة للتماهي مع بطل مؤثر ومنقذ، حتى لو كان محض خيال لتاريخ، أو محض خيال لسينما. 

وإذ يدرك صناع السينما أن أبطالهم المؤثرين لايسدون رمق المجتمعات الجائعة، لكنهم يثقون بمقدرة هؤلاء الأبطال على إشباع الحاجات النفسية والتأثير والتغلغل إلى ذاكرة الفرد الطويلة، كلما حمل أحد أبطالهم قيماً هامة، يحتاج المجتمع إلى إعادة تموضعها في مكانها الصحيح، وبشكل خاصة حين تتضافر الأزمات وتضيق سبل الحياة، كي لا يتوه إنسان عن مساره الإنساني الصحيح، أو يضلَّل.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.