فقر، مجاعات، بطالة، انعدام الوفرة وتراجع مؤشر الاقتصاديات الكبرى. سيول وأعاصير وجفاف وتهديد بيئي لم يسبق له مثيل. وباء حصد أرواح الملايين وما زال مخيماً منذ ثلاث أعوام يعد بالمزيد. أضف إلى تهديد مستمر للسلم العالمي بافتعال حروب كونية، إلى جانب نزاعات حادة متعددة الأسباب والذرائع توقع يومياً مئات الضحايا وتفرز باضطراد هجرات جماعية وملايين النازحين.
باختصار، هذه بعض الحقائق الراهنة والمؤسفة التي ترسم ملامح المشهد العالمي وتعيش تداعياتها العديد من المجتمعات. وهي حقائق تجنح نحو الكارثية في معظمها، وإن كانت ليست بغريبة أو طارئة على طبيعة الحياة البشرية، لكن لم يسبق لها أن اجتمعت معاً بهذا الزخم وهذه القسوة، وتفضي بطبيعة الحال إلى حالات متطرفة من الأمراض النفسية أقلها الاكتئاب والتشاؤم.
أو بإمكانها أن تجنح بعمق مجتمعاتها نحو العنف وانعدام القيم والأخلاق أو تسفيهها، وتجميل الفساد العام وإفرازاته مثل الرشى والسرقة والجريمة وغيرها، وتبريرها بالحاجة والضرورة أو أية مسميات مخادعة تضلل العامة، وتمنح المنخرطين في آثامها صكوك البراءة، حتى تعم وتكاد تصبح الغالبة.
أمام مواجهة مثل هذه الوقائع الصعبة، وحين تتعسر الحلول الجادة ويتباطأ اقتراب الخلاص، تتماهى الآداب والفنون بحساسيتها المعهودة مع مجتمعاتها وتستشعر هذه المخاطر، فتسرع لتعيد إنتاجها بما يوثق فكرياً وفلسفياً لمثل هذه المفارقة التاريخية والمصيرية، عبر قراءة عميقة للمشهد الدولي العام، وارتباط تداعياته الحتمية بمجتمعاتها.
السينما كواحدة من أبرز أشكال الفنون وأسرعها تأثيراً، وبشكل خاص سينما هوليوود الأكثر غزارة، تقدمت عبر تاريخها بجسارة وتجاوبت مع مثل هذه المواجهات الوجودية، وأبدت تفاعلاً بنّاء، فسخرت على الدوام إمكانياتها المادية والتقنية، وشحذت قرائح كتّابها وصنّاعها لإنتاج تدخل ايجابي ما، يمكنه أن يرفد حالات القلق العام ويمتصها نسبياً، فيهدىء من مخاوف قائمة، أو يساهم في خفض مؤشرات غضب ما، أو يعيد إحياء بعض الأمل بعد خسارات مدوية.
أبرز ماتلجأ إليه السينما في مثل هذه الحالات، هو صناعة أبطال جدد أو إعادة البريق لأبطال قدامى يمتلكون رصيداً جماهيرياً واسعاً، أو تسليط الضوء على أبطال حقيقيين في مجالات الرياضة أو العلم أو غيره، أو أبطال اجترحوا إنجازات فردية مختلفة تتعلق بإرادة صلبة وتغلبوا على تحديات جسدية جسيمة، كالبطولات التي تتعلق بعمليات الإنقاذ الكبرى على سبيل المثال.
في هذا العام، تحركت ماكينة صناعة السينما الهوليوودية وأصدرت كماً وفيراً من الإنتاج المتعلق بالأبطال ومفهوم البطولة. بعضها ارتبط بالخيال والخوارق، فيما اختارت أبرز الانتاجات أبطالاً يشبهون أقرانهم في المجتمع ويتميزون بالواقعية، لمصداقية هذه النوعية ومقدرتها على التأثير الجمعي الأكبر.
يمكن الحديث في السياق عن نموذجين متميزين يعرضان حالياً في الصالات الأميركية والعالمية ويحصدان الإعجاب والإقبال الكبير، أبرزهما الجزء الثاني من فيلم (توب غان Top Gun:Maverick ) وعودة مظفرة للنجم العالمي توم كروز. وهو يتناول موضوعا سياسيا في الواقع ويتعلق بإحدى الدول المارقة كما يصفها، والمهددة للبشرية بأسلحتها النووية.
لكنه يعنى بقيم عليا ومفاهيم إنسانية أكثر عمقاً، من أبرزها أهمية تضافر الخبرات العريقة مع الأجيال الشابة، وكيفية قيادة عنفوانها وجموحها لأجل إنتاج بطولات جماعية تخدم الصالح العام. وأيضاً التعمق في مفهوم التقنيات المتقدمة كأدوات مساعدة لاتصنع البطولات والمعجزات بمفردها، ولايعتمد عليها إن لم ترتبط بتحديات فردية وإرادة بشرية قوية وكفاءات عالية وشجاعة ملفتة، تنصهر معاً وتصنع التميز.
فيما يتمحور فيلم (السامري (Samaritan 2022 الذي يعيد الألق لنجم أفلام الروكي سيلفستر ستالون في عمر 76 عاماً، على ثيمة الخير في مواجهة الشر، ويركز في سياقه ضمن حدوتة لاتخلو من الخيال، على واقعية هذين المفهومين البشرية، وكسر النمطية التي قدما بها مراراً، حيث لاأحد ملائكي أو صالح في المطلق، ولا أحد شيطاني أو شرير في المطلق. بل هما مفهومان يجتمعا بشكل طبيعي ونسب مختلفة داخل كل بشري، وهو وحده من يقرر كيفية لجم شروره مقابل تغليب الخير لصالحه، وأيضاً الصالح العام.
وفيما يمكن اعتبار فيلم (ٍSamaritan) تربويا نسبياً يتوجه للأجيال الناشئة وأهمية إشباعها بالقيم والمثل العليا، وبخاصة ضمن المجتمعات المعاصرة التي تعاني من عنف شديد. لايمكن نفي أهمية طرحه بالمقابل لمعنى البطولة الخارقة التي لاتصنعها القوة الجسدية أو امتلاك سلاح فتاك، بل إيفاء العقل والذكاء والحب والعواطف والاهتمام حقها الوافي، الذي يمكن أن يضاهي أو يتغلب على مصاعب الحياة وتحدياتها.
يزخر تاريخ المجتمعات البشرية، بكافة مشاربها وأعراقها ومعتقداتها بالأبطال وسيرهم التي تكرر كل حين لشحذ الهمم والاقتداء بهم. هناك حاجة نفسية دائمة وماسة للتماهي مع بطل مؤثر ومنقذ، حتى لو كان محض خيال لتاريخ، أو محض خيال لسينما.
وإذ يدرك صناع السينما أن أبطالهم المؤثرين لايسدون رمق المجتمعات الجائعة، لكنهم يثقون بمقدرة هؤلاء الأبطال على إشباع الحاجات النفسية والتأثير والتغلغل إلى ذاكرة الفرد الطويلة، كلما حمل أحد أبطالهم قيماً هامة، يحتاج المجتمع إلى إعادة تموضعها في مكانها الصحيح، وبشكل خاصة حين تتضافر الأزمات وتضيق سبل الحياة، كي لا يتوه إنسان عن مساره الإنساني الصحيح، أو يضلَّل.

