إن مستقبل لبنان شأن اللبنانيين جميعاً وليس شأناً خاصاً مارونياً
إن مستقبل لبنان شأن اللبنانيين جميعاً وليس شأناً خاصاً مارونياً

ينسب اللبنانيون أنفسهم إلى الديموقراطيات العريقة، حيث تحترم الآليات الدستورية والقوانين، فتنقل السلطة حكماً الى المعارضة. لكن ديموقراطية لبنان "غير شكل"، فكلما اقترب موعد الاستحقاق الرئاسي بدأ تناسل الاجتهادات القانونية والدستورية، المخالفة لكليهما، وتكديس الآراء والمواقف والمشاورات لتوقع ما الذي سيحصل في الموعد العتيد! وكأننا أمام ظاهرة كونية غريبة لا نعرف كيف نتعامل معها.

يحوّل اللبنانيون كل استحقاق إلى ولادة مستعصية. آخر بدعة، رفض تسليم حكومة تصريف الأعمال صلاحيات رئيس الجمهورية بالوكالة في حال حصول "فراغ" رئاسي!! لماذا الفراغ؟ لا ندري.

توضع الشروط والشروط المضادة لمنع انتقال السلطة بحسب ما جاء في الكتاب حسب مقولة فؤاد شهاب. ذلك أن انتخاب رئيس للجمهورية ضمن المهلة الدستورية، أصبح من الممنوعات التي فرضها حزب الله. فصرنا نعيش وسيف التلويح بـ"الفراغ" مسلط فوق رؤوسنا كفزاعة، بعد أن نجح حزب الله في جعل الفراغ أحد  قواعد البلاد المرعية لتسييب لبنان وتركه محكوماً من خارج الدستور والقوانين.

بلد سائب على باب الله، يتحكم به ملالي أيران. فسفيرهم مارس لعبة إذكاء الغرائز المذهبية من على باب دار إفتاء الجمهورية اللبنانية. واللبنانيون "من غير دف بيرقصوا"، فسرعان ما دخلت المنظومة الحاكمة اللعبة التي اعتادتها: تفتعل الإشكالات الطائفية والمذهبية لتمرير صفقاتها، فيتموضع الأطراف المتنازعون في خنادق متقابلة. وتحت راية الصلاحيات الرئاسية الموزعة طائفياً، تشتعل حرب الغرائز المذهبية ويتمترس كل طرف خلف شارعه وطائفته ومرجعيته الدينية ليدافع عن زعيمه الطائفي.

هذا التمترس بين الطوائف وممثليها ليس جديداً، إذ ينقل سامر زريق عن مذكرات صائب سلام، المنشورة في أساس-ميديا، شكواه من أن الرؤساء الموارنة لطالما استخفوا برئاسة الحكومة وتلاعبوا بالمسترئسين من بين الوجهاء السنّة؛ وأنهم حاولوا باكراً إقامة تحالف شيعي – ماروني بوجه السنّة، فمارسوا الضغوط على النواب الشيعة. كما ضغط حافظ الأسد لإقامة حلف علوي- شيعي، لكن كامل الأسعد رفضه.

وهذا ما حدا بسلام الاستنتاج: "حسب تجاربي، ثبت ما كان يقوله لي والدي من أنّ المسيحيّين ليسوا أهلاً للحكم. المارونيّ إنْ لم يكنْ بحاجة إليك شمخ إلى السماء، وإذا احتاج إليك فهو يصغر ويتضاءل إلى أصغر من صغير. وهذا ينطبق على الجميع على ما يبدو اللبناني عندما يأتي تأليف الحكومة ينسى الظروف التي نحن فيها، بل ينسى أمّه وأباه، وصاحبته وبنيه، بل والوطن الذي يضمّه، ولا يعود واعياً لغير حصوله على المركز الوزاري".

وعلى هذا المنوال يتصرف المرشحون لمنصب ما، مبدأهم: "أنا أو لا أحد". وهذا ما ينتج التشرذم الذي طالما اشتكى منه السنّة؛ فبحسب تقرير القنصل البريطاني لحكومته عام 1943: "علّة المسلمين السُنّة في لبنان ليست في منْ أو في ما هو ضدّهم، بل هي في تشرذمهم وعدم التضامن فيما بينهم ".

وعلى هذا المنوال أيضاً يتصرف أخصامهم المسيحيون، الموارنة منهم خصوصاً، فكل واحد منهم مرشح حكما للرئاسة ومستعد لتقديم جميع التنازلات للوصول الى قصر بعبدا. في وقت يحتاج فيه لبنان، ليس إلى تضامن أبناء كل طائفة على حدة، بل الى تضامنهم كمواطنين، وبذل أقصى الجهود للتنسيق وتقديم التنازلات، من أجل الوقوف في وجه الانهيار الذي يفرضه حزب الله على لبنان بتواطؤ مجتمع السياسيين المستفيدين.

إن مستقبل لبنان شأن اللبنانيين جميعاً، وليس شأناً خاصاً مارونياً ليرتهن لحفنة من المسترئسين المتنافسين فيما بينهم غير العابئين سوى بالوصول الى المركز الأول.

سبق للانتروبولوجي فؤاد اسحق الخوري في كتابه "الذهنية العربية، العنف سيد الأحكام"، أن نقل مقولة سامي الصلح: "نحن كلنا ضباط".

ففي زمن انهيار المؤسسات الناظمة للدولة ينتفي عنها ترتيبها الهرمي وتستعيد سمات الذهنية العربية التقليدية هيمنتها. يتحول عندها الطامحون إلى المناصب إلى وحدات منفصلة متساوية ومستقلة بعضها عن البعض، كحبات المسبحة، لا يهمها إلا الوصول إلى السلطة والسلطان بواسطة الهيمنة والقوة بحيث يسيطر الفرد، المير أو الإمام، على الجماعة والجمهور.

والإصرار على "الأول" يستتبع التعامل مع الآخرين على أساس ان الجميع متساوون. فإذا شاء كل منا أن يكون الأول فالصراع إذاً محصور بين متساوين- تماماً كأحجار لعبة "طاولة الزهر" التي تجسّد الذهنية العربية - حيث يكتسب الحجر - أي الفرد، أهميته ودوره تبعاً لمركزه وموقعه من الآخرين.

بهذا المعنى يصبح التركيز على الاجماع (في الطائفة) وفي العمل الجماعي (في مجموعة أو حزب أو حركة)، تكتيكاً للوصول الى المركز الاول. فالهدف الدائم بلوغ المركز الأول بين المتساوين. فكما أسعى أنا للمركز الأول أنت أيضاً تسعى للمركز عينه، الأمر الذي يولّد الشك في النفوس والتشكيك بنوايا من هم حولنا حتى ولو كانوا من الأقرباء المقربين. المسترئس معهم وضدهم في نفس الوقت، وهذا مصدر القلق.

هذا المسعى المتناقض، أي أن يكون الأول بين متساوين، يفرض على المرء أن يكون هيّن العريكة، تأرجح بين هذا الموقع المهيمن وذاك الموقع الأليف. ومن هنا ما يتصفون بما نسميه: انتهازية سياسية. فالمهم أن يكون الانسان فاعلاً من خلال مجموعة متلاصقة، متكاتفة، يهيمن عليها، يعتني بأمرها، يسيّسها، يتزعمها. ومن خلال هذا التزعم يحدد موقعه من الآخرين.

أما بلوك الثنائي الشيعي المتلاحم، فتحكمه آلية ذهنية اخرى. فمحتكروا التمثيل الشيعي للطائفة ككل، يجعلون من كل من يختلف معهم وينتقدهم "عميلاً" ومن "شيعة السفارة"، حتى ولو كان من اتباعهم في الأمس القريب.

لفهم آلية نشاطهم يجب معرفة كيفية تكوّن بناء العصبيات والجماعات المرصوصة. هذه المجموعات لا يمكن أن تبنى إلا عن طريق الأقطاب والأئمة، وأصحاب الشأن والحل والربط. إن تكوّن الجماعات، كالعشائر والقبائل والروابط العائلية والاحزاب والامبراطوريات، مرتبط ببروز القادة الاكفاء. فكم من امبراطورية أو دولة قامت وانتهت بقيام القائد البطل وزواله.

فالمجتمع البشري هنا مؤلف من إخوة (التشديد على المساواة) يدورون في فلك إمام قائد. "الإمام"، هو الشخص الذي يؤمّه الناس وينتظمون في فلكه بروابط ثنائية تتكرر هي نفسها لتكوّن مجتمعاً مرصوص البنيان أساسه الفرد. الفرد كحلقة في سلسلة تكوّن الجماعة التي سرعان ما ينفرط عقد اجتماعها حينما يولي القائد ظهره، وسرعان ما يتجمع حين يعود.

وبالرغم من تعدد هذه النواحي المسلكية وتنوّعها فهي تقوم على قاعدة ثنائية واحدة – قاعدة تنظيمية تجمع بين المحور وهو القطب المهيمن، والأفراد التابعين له الذين يدورون في فلكه، تماماً كالدولاب من دون إطار.

 

يصبح السعي للهيمنة حينئذٍ مفهوماً ومسلكا أساسيا في تعاملهم مع العالم – إنه امتداد حتمي للسلطة الالهية. انه كالله القادر والناصر والفاتح والمجيد، هو الرحمن الرحيم. فالضعيف لا يمنّ على الناس بالرحمة.

القوة هنا تكمن في الأصوليات – الأهل والجماعة والنخبة أهل الحل والربط، ولا تكمن في عامة الشعب. الشعب أحجار "داما" تحركها النخبة السياسية. الشعب عجل مذبوح يؤكل لحمه ويُشرب دمه ويصفّق لهم.

فإذا كانت الهيمنة اسلوبا في التعامل بين البشر، يصبح العنف والتهديد به سيد الموقف. اللجوء إلى العنف أو التهديد لحل المشاكل البسيطة والمعقدة أمر محتوم يبرز في الكثير من التفاعلات اليومية. التهديد برفع الاصبع والضرب والقتل والاغتيال والاحتلال والتهجير والتدمير وقطع الاعناق يصدر بشكل تلقائي عفوي لاشعوري.

أما فيما يتعلق بشكوى جماعة السنّة من تشرذمهم ونقصان حيوتهم، ربطاً بما ورد على لسان صائب سلام ويردده بعض الكتّاب السنة، حين رفض بحزم تقوقع السُنّة عبر إقامة "جبهة سنّيّة" خالصة. الملفت رفضها ليس لأنها تتنافى مع المواطنية والانتماء الحصري للدولة، أو لأنها تؤجج الطائفية، بل لأنّه يرى في ذلك "تنفيذاً لمآرب الذين يريدون أنْ يصنّفوا السُنّة في لبنان طائفة كإحدى الطوائف الستّ عشرة التي يتألّف منها لبنان". 

عندما يرفض السنّة كونهم طائفة كسائر الطوائف اللبنانية ومتساوية معهم، لأن انتماءهم الى الأمة جمعاء! ألا يحق لنا طرح بعض الأسئلة عليهم:

ـ هل منع انتماء المسيحيين إلى الفاتيكان بأن يكونوا طائفة ضمن الستة عشر طائفة؟  

ـ ثم لماذا إذن الاعتراض على إعلان شيعة حزب الله تبعيتهم وولاءهم للتشيع العابر للحدود الوطنية؟ 

إذن، أليس الأجدر بهم إعادة النظر باعتبارهم لنفسهم وبسلوكهم وخطابهم هم أيضاً؟ فيستعيدون تموضعهم طائفة كسائر الطوائف اللبنانية؟ ويفرضون سلوكاً وطنياً لبنانياً جامعاً؟!

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!