الملك حسين استقبل ياسر عرفات بعد الإفراج عن أحمد ياسين

في أواخر سبتمبر من عام ١٩٩٧، كانت العلاقات الأردنية – الإسرائيلية قد وصلت إلى حافة الانهيار بسبب حماقة إسرائيلية تمثلت بمحاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل.  

المحاولة التي رعاها نتنياهو وأشرف عليها رئيس الموساد "حينها" داني ياتوم أثارت غضب الملك الأردني الراحل حسين بن طلال، والذي اتخذ من غرفة مجاورة لغرفة علاج خالد مشعل مكانا لإدارة الأزمة في المدينة الطبية التي تتبع خدمات الجيش الأردني، وحسب شهود عيان من مرافقي الملك وطاقمه فإن الملك في الساعات الأولى من غيبوبة مشعل كان في الغرفة المجاورة وحده وفي قمة ثورة غضبه، إلى درجة أن أحدا لم يجرؤ على الدخول إليه وكانت ضيافته من الشاي "الذي يشربه بكثرة في حالات الغضب أو الابتهاج الشديدين" تدخل على غرفته بصينية يحملها ضابط مغمور في الخدمات الطبية، أصبح هذا الضابط فيما بعد برلمانيا أردنيا رفيع المستوى. 

في المدينة الطبية حيث يصدر الملك توجيهاته التي وصلت حد التهديد بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل إذا لم توفر إسرائيل نفسها تزويد خالد مشعل العقار المضاد للسم الذي تم حقنه به، وفي الطرف الآخر من عمان حيث حي الرابية "موقع السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأردنية" كانت القوات الخاصة الأردنية تحاصر محيط السفارة مستعدة لأي أمر ملكي بالاقتحام، يقودها الأمير – آنذاك- عبدالله بن الحسين، والذي أصبح اليوم الملك الأردني عبدالله الثاني. 

الأزمة انتهت بمشقة ولصالح إنقاذ حياة خالد مشعل وقد حمل داني ياتوم بنفسه العقار إلى الأردن، وكعادته، أضاف الملك الراحل مكافآت تعويض إضافية تمثلت بالإفراج عن زعيم حماس ومؤسسها الشيخ أحمد ياسين، الذي وصل المدينة الطبية أيضا للعلاج من حبسه الإسرائيلي مباشرة، واستقبل الملك وقتها رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وزعيم فتح ياسر عرفات، الذي جاء لتحية أحمد ياسين في المستشفى. 

لم تكن العلاقة بين الأردن وإسرائيل سهلة، وهي مرتبطة دوما بمعايير المزاج العام الإسرائيلي الذي ينتخب حكوماته، وعليه فهي الأسوأ دوما مع اليمين، والأكثر سوءا مع نتنياهو حين يقود الحكومة اليمينية، وتلك – حاليا- أكبر المخاوف الأردنية. 

العلاقة مع السلطة الفلسطينية أيضا بالغة التعقيد، وهي في مجملها علاقة موروثة من التعاطي "الحذر المليء بالوساوس" مع منظمة التحرير الفلسطينية، ورموزها الذين صرحوا يوما في أحداث السبعين "وما قبلها وما بعدها بقليل" أن تحرير تل أبيب يبدأ من عمّان! والمفارقة ان معظمهم انتهى به الأمر متقاعدا في بيت مترف في عمان، أو يحمل الجنسية الأردنية لدولة سعى في نضاله ضد "إسرائيل" إلى زوالها غير مكترث أنه يعمل لصالح الرؤية الأمنية الإسرائيلية نفسها. 

لذا..ومن هذا المنطلق، من حق الأردنيين – بشتى أصولهم شرقا وغربا- ان يشعروا بالغضب على "شريكهم" الفلسطيني، ويزداد الغضب حين نطالع مقالا يكتبه أحد منظري "السلطة" لا يخلو من تقريع وتهديد ضمني ومحاكمة للأردن بعد الإعلان عن ندوة خاصة، حول "العلاقة بين الأردن وحركة حماس الأسس والتحولات واتجاهات المستقبل". 

أتفهم أن يسعى السيد حسن عصفور لإرضاء قيادات رام الله وهي التي توزع الأعطيات والعطايا، لكن كان عليه اختيار موضوع أقل حساسية مما اختاره واختار فيه أن يحاكم الأردن ويتساءل فيه بالنص : 

( .. هل الشقيقة الأردن، استخدمت الحركة الإخوانجية "حماس" كوسيلة تخريب على الاتفاق بشكل غير مباشر، وعندما تحقق لها أهدافها أوقفت العلاقة وطلبت من قيادة تلك الحركة مغادرة الأردن بعد امتيازات لم تمنح لأي فصيل أو حركة فلسطينية منذ ما بعد أحداث سبتمبر 1970، ويونيو 1971)! 

بصراحة، أستغرب صياغة السؤال الذي استهله عصفور بسخرية توظيف كلمة "شقيقة" وعلى الأقل كان عليه مراعاة أن تلك الشقيقة يحمل جنسيتها آمري صرف المكافآت بالسلطة التي يدافع عنها، وعلى رأسهم رئيسه محمود عباس (وأولاده)، وباقي قيادات ذلك "الحكم الذاتي" الذي فقد ذاته ولا يعرف أحد إلا الله وتل أبيب ماذا يحكمون! 

شخصيا، لا أثق بأي تيار إسلامي سياسي، وعلى رأس تلك التيارات حركة حماس التي أثبتت أنها قادرة على الانقلاب في مواقفها ببراغماتية تتفوق على براغماتية الراحل ياسر عرفات نفسه، لكن حين يتحدث عصفور بقوله : (..ما نشر إعلاميا، حول علاقة الأردن مع حركة حماس دون غيرها، يمثل نيلا مباشرا بالشرعية الفلسطينية، سياقا وأهدافا، فلا يمكن الحديث يوما عن علاقة استراتيجية بين دولة وفصيل، فتلك من سخريات التفكير "الاستراتيجي"، لكنها مؤشر سياسي لمرحلة ما ضمن حسابات ما)، فإنني أتساءل لماذا يريد كاتب السلطة منتهية الصلاحية ابتداءا أن يدير علاقات الغير من منطلقات مكاتب رام الله، وأي شرعية يتحدث عنها عصفور في ظل معطيات "سوداوية ومؤسفة" تؤكد أن أوسلو بكل ما أنتجته قد سقطت فعليا، وأهم إنتاجاتها هي ذات السلطة التي يتوهم شرعيتها بعد كل ما يحدث، والمفارقة أن الرجل "وهو بحكم العمر شاهد عيان تاريخي" يقرر أن لا علاقة استراتيجية ممكنة بين دولة وفصيل!! 

حسنا، تلك عبارة صحيحة ربما لو أسقطناها على الدولة الأردنية التي حاولت صنع علاقة استراتيجية مع "تجمع فصائل" اسمه منظمة التحرير، وهذه من سخريات التفكير الاستراتيجية أيضا، أفضت إلى خسارات فلسطينية فادحة وفاضحة انتهت بسلطة رام الله والحائط المسدود، وخسارة الأردن الأبدية لضفته الغربية. 

كثير من المغالطات يحملها مقال حسن عصفور، ويتحدث فيها باسم "دولة" لم تكن يوما موجودة، وباسم شرعية مشكوك بنزاهتها، وأسئلة على صيغة محاكمات لدولة أردنية قائمة لم تكن نية السلطة يوما نحوها صافية منذ كانت منظمة تحرير "وتجمع فصائل". 

نعم، هناك تحول جذري حسب ما يرد من معلومات كثيرة ومتلاحقة ومتسارعة في البنية الاستراتيحية لحماس، ولا أعرف "يقينا" ما هو الاستقبال الأردني للحركة إلا ما يكاد يتأكد أن مكتب خالد مشعل عاد للعمل في منطقة طبربور، وقد حاولت التواصل مع الرجل لكنه مسافر حسب مدير مكتبه  مما يتركني لتكهنات قد تجعلني أتخيل أن يحط الرجل في الرياض وأبوظبي ضمن تسويات إقليمية جديدة ومدهشة خصوصا إذا صدقت التوقعات بأن تيارا سياسيا في حماس يقوده مشعل يسعى إلى تفاهمات بالحد الأدنى مع إسرائيل، وربما أن مشعل الذي أنقذت حياته "دولة كاملة التأهيل" حين تعرض للاغتيال قد حمل معه منذ ذلك الوقت حلما بفكرة دولة في غزة، لديها شواطيء غنية بالغاز وبنية تحتية لمطار وتفاهمات تجارية بينية واقعية مع إسرائيل. 

حسب الوارد من أخبار لمصادر "عميقة" في الداخل الإسلاموي، فإن المشروع السياسي لحماس يصطدم مع التيار العسكري فيها، وحسب ذات المصادر فإن تواصلا لم ينقطع بين تيار الإخوان المسلمين  "المقاوم لتلاشيه ذاتيا في المرحلة القادمة" وبين تيار العسكرتاريا في حماس غزة، والهدف ضرب المشروع السياسي الذي قد ينشأ قريبا. 

أحاول التواصل مع من يمكن الوثوق به في العقل السياسي الأردني لمعرفة التوجه الأردني الذي يمكن قراءة ملامحه السطحية المتمثلة بوضوح في إجهاض أي عودة لنتنياهو رئيسا لحكومة تل أبيب، وتخوفا من عودة "محتملة جدا" لتيار ترمب الجديد في شارع بنسلفانيا الواشنطوني حيث البيت الأبيض. 

إن قدرة الأردن على حمل هذا الملف بمهارة هي البوابة الوحيدة والأكثر تميزا لعودة الأردن لاعبا أساسيا بعد رهانات الفشل وكثير من الخيبات مع الشريك الفلسطيني "الفاشل" في رام الله. 

وربما هي فرصة لتحريك الراكد، لعل جديدا ينشأ في إقليم يتغير الآن بكل مكوناته وأطرافه وتحالفاته، فيبتكر حلا جديدا ينهي مأساة الفلسطينيين في الضفة الغربية التي لا تزال تحت الاحتلال، وتبحث عن حل نهائي عادل وشامل لم يعثر عليه أحد حتى اليوم. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.