قسيس قبطي يقيم قداس عيد الميلاد في القاهرة عام 2022
قسيس قبطي يقيم قداس عيد الميلاد في القاهرة عام 2022

يُعتبر الحديث عن الأقباط في مصر أمراً بالغ الحساسيّة، بل قضية أمن قومي يتجنّب الجميع الخوض فيها.

وتبدأ حالة الحساسيّة المُفرطة هذه من مجرّد مُحاولة معرفة العدد الحقيقي للأقباط في مصر حيثُ تتفاوت الأرقام بشكل كبير بين ما تقوله أجهزة الدولة وما تقوله الكنيسة، مما ترَك انطباعاً بأن الحكومة تتعمّد حجب نسبة الأقباط في الإحصائيات وتدّعي أن سبب ذلك هو عدم رغبتها في إضفاء صبغة طائفية على التعداد السكّاني.

بينما يرى كثير من الأقباط أن السبب الحقيقي لذلك هو الاستمرار في سياسة تهميش الأقباط عبر تغييب ثقلهم السكّاني الذي قد تترتّب عليه مُطالبتهم بلعب دور سياسي واجتماعي وثقافي أكبر يتناسب مع حجمهم، رغم أنه من المسلّمات، التي لا خلاف حولها، أن أعداد الأقباط بالملايين وأنهم أكبر مُجتمع مسيحي في الشرق الأوسط وأنهم السكّان الأصليّون لهذا البلد. 

ونتيجة مَيل نسبة كبيرة من المجتمع المصري خلال العقود الماضية نحو التشدّد، نجحَ الإسلام السياسي في زيادة عمليات التمييز بحقّ الأقباط، مع أن التمييز على أساس ديني أو معاملة أي فرد أو مجموعة بطريقة مُختلفة نتيجة مُعتقداتها سواء أمام القانون أو في التوظيف أو التعليم أو السَكن أو الخدمات لم يَعد مقبولاً في الدول المتحضّرة التي تلتزم الحياد بين جميع مكوّناتها وتحترم قناعات جميع مواطنيها وتحميهم من أي شكل من أشكال التمييز بحيث يتمتّع الجميع بحريّة الفكر والوجدان والدين. 

وكانت البشريّة تعتقد أن هذا النوع من التمييز قد أصبح من الماضي ولكنّ صُعود الأصولية الدينية أدّى إلى عودة هذه الظاهرة في بعض البلدان. 

ولمُواجهة حالة التمييز هذه دَعت إحدى المنظّمات القبطية، في شهر أغسطس الماضي، ضمن فعّاليات مُنتدى حوار الثقافات إلى مؤتمر تحت عنوان التسامُح ومواجهة العنف حضره وزير الأوقاف المصري، محمد مختار جمعة، وانسجاماً مع الهدف من هذا المؤتمر، قالَ الوزير إن دُعاء "الّلهم اشف مَرضانا ومرضى المُسلمين"، يدعو إلى التفرقة ومن الأفضل الدُعاء بشفاء كُل مريض، لأن كل مريض بالنهاية مصري ويَعود علاجه علينا جميعاً، ورُغم أن ما قاله الوزير بديهي ومن الصعب معارضته ولكنه أثار جدلاً واسعاً في الشارع المصري. 

وكانَ في طليعة مَن هاجمهُ تنظيم الإخوان المسلمين عبر محطّاته التلفزيونية، حيث قال أحد الإعلاميين المعروفين إن ما قاله وزير الأوقاف إذا طبّقناه على بدايات الدَعوة يعني أن على المسلمين الدُعاء، "الّلهم اشف مرضانا ومرضى الفُرس والروم"، وفي كلامه هذا كشفَ هذا الإعلامي الإخواني بأن الإسلاميين يعتبرون حتى اليوم المسيحيّين أعداء، وأن أقباط مصر هُم امتداد للروم أعداء المُسلمين التاريخيين.

وليس مُستغرباً من حزب إسلامي متشدّد تبنّي مثل هذا الطرح، ولكنّ الأمر الغريب أن نسبة غير قليلة من المُجتمع المصري سارَت معَ مشاعر الكراهيّة التي يروّج لها هذا الحزب، فقد قال كثيرون إن الدُعاء للمسلمين من صميم القرآن والسنّة وأنه لا يَجوز الدُعاء لغيرهم، وغرّد أحد رموز عَهد مُبارك على تويتر أن "كلام الوزير خطأ ويدعو للتفرقة"، بما يوحي بأن مجاراة الإسلام السياسي والسلفيين وَصفة مجرّبة ومضمونة لاكتساب بعض الشعبية، ومن الطبيعي أن يرحّب إعلام الأخوان بهذه التغريدة لأنها هي التي تدعو حقيقةً إلى التفرقة. 

وضمن هذا الجوّ من الطبيعي أن تَتراكم عند الأقباط عدّة شَكاوى حولَ تمييز يتعرّضون له، منها مثلاً لماذا يُمنع عليهم التسجيل في الكليات العلميّة التابعة لجامعة الأزهر كالطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة والزراعة والعلوم والتجارة حتّى لو كانوا حاصلين على مجموع درجات عالٍ، لأن قانون الأزهر ينصّ على أن الدراسة فيه مُتاحة فقط للمسلمين.

وإذا كانَ هذا الأمر مفهوماً في الكليّات الشرعيّة، فلا يوجد ما يبرّره في الكليات العلميّة، لأنه يوضّح غياب المساواة بين أبناء البلد الواحد، إذ أن خرّيجي الثانويات الأزهرية يدخلون إلى هذه الكليات بدرجات أقلّ من تلك المطلوبة من الحاصلين على الثانوية العامّة للدخول في الكليات المُماثلة التابعة لوزارة التعليم العالي، حسب ما قال النائب السابق، محمد أبو حامد، والذي تابَع أنّ من حقّ الأقباط الدُخول إلى هذه الكليات لأنهم مواطنين كاملي المواطنة. 

ولكن أغلبية نُواب البرلمان المصري رفضوا مناقشة التحاق الطلاب الأقباط بالكليات العلمية في جامعة الأزهر، وتذرّعوا بما قاله رجال دين أزهريّون إن من يدخل هذه الكليّات يجب أن يكون حائزاً على الثانوية العامّة الأزهرية وأن يكونَ حافظاً للقرآن، وهي حجّة مشكوك في صحّتها لأنّه في شروط القُبول في نفس هذه الكليات الموجود حالياً على شبكة الإنترنت هناك بَند يتحدّث عن قُبول وافدين قادمين من بلدان إسلامية وبشهادات ثانوية صادرة من بلادهم الأصلية.

وهذا يَعني أن مؤسّسة الأزهر لا تختلف كثيراً عن تنظيمات الإسلام السياسي في اعتبار المُسلم الباكستاني والنيجيري أقرب إليها من القبطي المصري، وإذا كان الأمر بخلاف ذلك فيُرجى من مؤسّسة الأزهر توضيح ذلك. 

وتتّضح غرابة هذا الأمر عند التذكير بأن مؤسّسة الأزهر هي إحدى مؤسّسات الدولة المصريّة وتأتي أموالها من الحكومة، وحَسب صحيفة "الوطن" بلغت ميزانية الأزهر الممنوحة من الحكومة للعام الماضي 19 مليار و910 مليون جنيه، وبلَغت مُوازنة وزارة الأوقاف 14 مليار و561 مليون جنيه، بينما بلغت ميزانية دار الافتاء 300 مليون جنيه، وتشكّل الضرائب التي يدفعها المصريون المُسلمون والأقباط بين 70 و75 في المئة من مَوارد هذه الموازنة، وبالتالي فإن عَدم قُبول طلاب أقباط في كليات الأزهر العلميّة التي يُساهم أهلهم في تمويلها يُعتبر أمراً من الصعب تبريره. 

وفي المُقابل فإن الكنيسة القبطية مستقلّة ماليّاً بشكل كامل ولا تأخذ من الحكومة المصرية أي مخصّصات وتَعتمد في ميزانيتها على تبرّعات الأقباط داخل مصر وخارجها، ومع ذلك يُطالب الإخوان المسلمون بفرض رقابة من الدولة المصرية على أموال الكنيسة القبطية وعبّروا عن ذلك في مَقال على موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين في عام 2019 بعنوان "إمبراطورية الكنيسة الاقتصادية، أرقام قياسيّة ومخاطر مجتمعيّة".

يتحدّث المقال بلهجة تحريضية عن "بيزنس" الكنيسة ومشروعات ضخمة تقوم بها وتبرّعات كبيرة تأتيها، مع مُحاولة تَرك انطباع بوجود استثمارات وحسابات سريّة للكنيسة، وكذلك هذا مفهوم من حزب الإخوان المسلمين الذي يروّج لمشاعر الكراهيّة نحو الأقباط، ولكنّه غير مفهوم من موظّفين متواجدين داخل مؤسسات الدولة المصرية ويكرّرون نفس مُفردات الإخوان المسلمين حول وجود ثروات طائلة بحوزة الكنيسة.  

ومن الشكاوى الأخرى للأقباط، وجود مهن أو مناصب تبدو وكأنّها مَمنوعة عليهم، ويستدلون على ذلك بقلة أعدادهم فيها مثل المخابرات والقضاء ورئاسة الجامعات، والتي يجب أن يَتناسب وجودُهم فيها مع نسبتهم في المجتمع.

بل قال الدكتور جابر نصّار رئيس جامعة القاهرة السابق أن تخصُّص أمراض النساء في الجامعات المصرية يكاد يكون ممنوعاً على الأقباط، أما من ناحية الجيش فهناك بند من الصعب فهمه في عالم اليوم وهو إعفاء ستّة أشهر من الخدمة العسكرية لمن يحفظ القرآن، دون وجود إعفاء مماثل عند الأقباط. 

والخلاصة، لم يعد مقبولاً اليوم تجاهل ما يتعرّض له الأقباط من تمييز، كما لم يعد مُقنعاً اعتبار الحديث عن وَضع الأقباط في مصر تهديداً للوحدة الوطنية، ولن تُحل المشكلة عبر تبادل رسائل التهنئة والزيارات بين الكنيسة والأزهر في المناسبات الدينية.

بل لابدّ من القيام بخطوات حقيقية والتعاطي مع شكاوى الأقباط بجدّية والتوقف عن مجاراة تنظيم الإخوان المسلمين في تحريضُه المستمرّ على الأقباط، والبدء بمراجعة المادّة الثانية من الدستور المصري التي تقول إن دين الدولة هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، لأنها تتجاهل تماماً ملايين الأقباط، ولأن العصر تجاوزها، فدساتير أغلب الدول الحديثة والمتطورة بما فيها كثير من الدول الإسلامية لا تتضمّن عبارة "دين الدولة" بل تَحرُص على التأكيد على مبدأ المواطنة المتساوية بين جميع مكوّناتها. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.