المثلية/ لبنان
مظاهرة لمجتمع الميم عين + في لبنان (أرشيفية)

واقعان لا بد من الإقرار بكل منهما، والسعي إلى توضيحهما وتفكيكهما والتفاعل معهما.

الأول هو أن «الأقليات الجنسية» في المحيط العربي تعاني، بمقادير مختلفة، من كم إضافي من التفرقة والتمييز والاضطهاد، يأتي ليضاعف ما يواجهه أفرادها، كغيرهم في مجتمعاتهم، من حيث انتماءاتهم الاجتماعية والاقتصادية والدينية والعرقية والطبقية والمناطقية والمهنية وغيرها من التصنيفات، الجلية والخفية.

والثاني هو أن المعالجة الغربية لمسائل «الأقليات الجنسية»، إذ هي في دول الغرب على جرعات من التقدمية والنجاح، ولكن أيضاً أخرى من الاستعلاء والفشل، قد تقدّم بعض التحسين لأوضاع ما يقابل هذه الأقليات في المحيط العربي وما يتعداه، غير أن حصيلة السعي إلى تطبيقها واعتمادها ليست إيجابية حصراً، بل ربما أن سلبياتها تتجاوز إيجابياتها في أكثر من موضع، ولا بد بالتالي من مراجعة متأنية لها.

الإشكالية الأولى هي بشأن الاتفاق على المعني والمسمّى.   الاسم الذي اختاره بعض المجاهرين بالانتماء إلى هذه الأقليات هو «مجتمع الميم»، ووافقتهم عليه مؤسسات حقوقية ودولية عديدة. من حق أي طرف ألا يواجه بنعوت غير لائقة أو مهينة. في هذه الحالة، يتكرر من جانب من الطاعنين استعمال أوصاف مثل «الشواذ» و «اللواط» وغيرها من الكلمات التي اكتسبت صفة تجريحية.

لمن يعلن أنه من «مجتمع الميم» أن يخاطب بالتسمية التي اختارها وارتضاها. غير أنه لا مبرر للتسليم التلقائي بأن ناشطي «مجتمع الميم» هم الممثلون الحصريون للأقليات الجنسية في المحيط العربي، وأن الآراء التقدمية لديهم ولدى مؤيديهم بشأن أشكال تحصيل الحقوق وتحقيق المساواة ملزمة لكافة من قد تشمله أوصاف هذه الأقليات.

إثارة الإشكالية بشأن التسمية هي في واقع الحال الإشارة إلى المواجهة بين السرديات. الصورة المعتمدة، صراحة أو ضمناً، لدى الناشطين المحليين والدوليين بشأن أحوال «مجتمع الميم» هي أن الأوضاع المحلية هي عند أقصى قيود الكبت والظلم، انطلاقاً من اعتبارات دينية وعرفية، ولا بد من كسر هذه القيود وتمكين المعنيين من العيش بكامل الحرية، بأسلوب مستلهم من نموذج النشاط الحقوقي المعتمد في السعي لتحقيق المساواة بين الجنسين، أو بين الطوائف والأعراق واللغات والطبقات وغيرها، سواء كان الجهد اجتماعياً محلياً، أو سياسياً دولياً.

تفترض هذه الصورة كأساس، قد يصحّ أو لا يصحّ باختلاف الأفراد المعنيين كما باختلاف مجتمعاتهم، هو أن انتماءهم المفترض إلى «مجتمع الميم» هو هوية كاملة، سواء ارتقوا إلى مستوى الإقرار بالأمر أو تخلفوا عن هذا الإقرار وتحفظوا عن الهوية الجنسية الشاملة فساهموا بدورهم بالكبت، وأن مصلحتهم هي في المجاهرة التحريرية التي يريدها لهم الناشطون والمؤسسات الدولية.

رغم أنه يجري طرح هذا الأساس تعسفاً على أنه استنتاج موضوعي علمي، فإن الأقرب إلى الصواب هو أنه موقف عقائدي، عند الحد الأقصى يتسلّح أصحابه بدعوى العلمية لتكبيل الخصوم وإسكاتهم، وعند الحد الأدنى يشوّش اعتماده الصورة الوقائعية لأحوال الأقليات الجنسية في المحيط العربي.

المهمل هنا هو أن تجربة الأشخاص المعنيين، في مجتمعات المحيط العربي وغيره، لا تتطابق بالضرورة، لا من حيث ماضيها ولا حاضرها ولا استشفافها للمستقبل مع هذه القراءة الحصرية.

الأحوال الجنسية المتباعدة عن معيارية الجنسين واقع قائم في كافة المجتمعات البشرية. بعضها ظاهر عضوي، كما في حالة الأخناث، وهذه في السياق الإسلامي قد عالجتها المذاهب الفقهية دون تحفّظ. وبعضها سلوكي ثابت، كما لدى المخنثين والمسترجلات والرجلات، أو «الجنس الثالث»، والذي يشهد التزاماً كاملاً من بعض الذكور ميلاداً بالملابس والتبرج والتصرف بالتماهي مع النساء. كل هذه وما يشبهها ظواهر متحققة في مجتمعات محافظة عديدة، إسلامية وغيرها، تجد لها  أمكنة وأدوار، كأن يتيمّن البعض بحضور «الجنس الثالث» الأفراح مثلاً.

على أن الظاهرة الأوسع انتشاراً المقترنة بهذه الأحوال هي حتماً «المثلية الجنسية» بين الذكور. وفي حين أنه ثمة مواقف فقهية متشدّدة بشأن هذه الظاهرة (مقابل الصمت بشكل عام عن المثلية بين الأناث)، وضعتها الفصائل الجهادية موضع التنفيذ الإجرامي الشنيع (وصولاً إلى «الرمي من شاهق»)، فإن غالب التعاطي الاجتماعي معها، على مدى المكان والزمان المؤطرين إسلامياً، في حال جرت ترجمته إلى لغة اليوم، كان من باب «لا تسأل ولا تُفصح»، أي أنها حالة حاصلة ومتحقّقة، دون الحاجة أو الرغبة بالحديث عنها، أو معالجتها إقراراً أو استئصالاً، في السياق العام.

في الأمر قيد دون شك، ولكنه قيد متوافق مع شكل عيش معظم «المثليين»  التقليديين لـ «مثليتهم»، حيث هي جانب من حياتهم، شخصي خصوصي، وليست هويتهم الكاملة، كما في حالة المثلي الحداثي، الغربي ثم «مجتمع الميم».

بل إن «المثلي التقليدي»، شأنه شأن أي رجل آخر، قد يعمد إلى الزواج ليصبح أباً، وينخرط بكافة أشكال الحياة العامة، دون تستّر متعمد عن الجانب «المثلي» من شخصه، ولكن دون إشهار فاضح صريح عام له. «مثلية» هذا التقليدي قد تكون معروفة أو لا، ذات قيمة تندّرية للبعض أو لا، دون أن تعترض في العديد من الحالات إنجاز الرجل لما يريده من الأعمال والمناصب، وصولاً إلى أعلاها. من رؤوس الدول في المنطقة، الأمس واليوم، العديد ممن يندرج في هذا الوصف.

التفاعل مع الصيغة «التقليدية» للمثلية في مجتمعات المحيط العربي تتراوح من مستوى الإنكار والتجاهل، وهو ربما الأكثر شيوعاً، إلى درجة القبول العملي، بل الاستيعاب الاجتماعي الضمني، حيث الزواج من «المثليين»، قبل المصطلح، هو من نصيب المطلّقات أو غيرهن من المهمّشات، بل كذلك «المثليات» واللواتي يستفدن بدورهن من الإنجاب، فيما يتاح لهن العيش بأقدار من الحرية في مجالسهن الخاصة. مجتمعات المحيط العربي التي وجدت الموازنة المناسبة في هذا الشأن ليست قليلة، وإن بقيت هذه الموازنة عرضة للاهتزاز لأسباب متبدلة عبر العقود.

اعتبار «المثلية» التقليدية، في كافة الأحوال وصولاً إلى أحسنها، يبقيها في إطار الاعتلال، مع ترواح هذا الاعتلال من التوصيف القَدَري، بما يوازيه بحالات الإعاقة المختلفة (ضرير، أخرس، «مثلي»)، إلى الحكم القِيَمي، بما يدرجه في إطار الممارسات المكروهة (مستهلك للكحول، مدمن على المخدرات، «مثلي»). من حق الناشطين المثليين الاعتراض على المخاطر الكامنة في هذين المنحيين، وهي ليست مخاطر نظرية بل في أحوال عديدة قاصمة متحققة. حيث جرى ويجري التعاطي مع المثلية على أنها حالة مرضية تستوجب العلاج، الطوعي أو القسري، أو أنها جنحة، إن لم تكن جناية، تفترض العقاب. أي أن المثليين وسائر الأقليات الجنسية، دون أدنى شك، عرضة للاضطهاد، وأصحاب حق بالتصدي له.

على أن استدعاء الحلول الغربية لهذه المخاطر ينضوي على  إهمال جوانب افتقاد هذه الحلول للنجاعة بذاتها من جهة، وإضرارها بما هو مستتب للمتعايشين مع «المثلية التقليدية» من جهة أخرى.

الحلول الغربية تنطلق من مقاربة حقوقية إطلاقية، مبنية على تجربة النضال التاريخي الحقوقي الغربي، تعتبر أنه لا مجال للمساومة بشأن الحق الطبيعي بأن يكون الإنسان حرّاً في خياراته. ولكن مفهوم «الخيارات»، حين يجري اللجوء إليه بشأن المحيط العربي، ملتبس. فإما أن تتوافق هذه الخيارات مع القناعة الغربية (التقدمية، المستقاة من الأنوار، المشتقة من الخلفية الدينية المسيحية) بشأنها، أو أن تكون وحسب تعبيراً عن انكسار خفي إزاء ما يكبّل الحرية، من دين وعادات وتقاليد وأوهام وأمراض نفسية. لا تلحظ المقاربة الحقوقية الغربية على سبيل المثال «حق» تعدد الزوجية، وإن كان طوعياً. وفي بعض الدول، إنكار لـ «حق» ارتداء الحجاب والنقاب وغيره.

في مواضيع عدة، التعاطي مع الواقع المحلي لدى العديد من المؤسسات الغربية، وفي أوساط غير قليلة للأسف من وجوه النخبة الفكرية المحلية المتماهية مع الحداثة و «التنوير» الغربيين، هو تعاطي الأعلى مع الأدنى، الوالد مع الولد، الطبيب مع المريض، أو المربي مع المراهق الطائش. ثمة وصفات لا بد من تطبيقها، بالتوجيه الصريح وإن القاسي أحياناً، وبالتدرج والتدليس والاحتيال أحياناً أخرى.

فيما يتعلق بأحوال «الأقليات الجنسية»، السعي كان ولا يزال إلى استيراد الصيغة الغربية القائمة على الحق بالحرية، رغم اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية، كحل معياري. المطلوب الجرأة والوضوح والتحدي من جهة، والتبديل التدريجي للمناهج التعليمية من جهة أخرى. تلقي المجتمع للتوجهين يحفل باتهامات متعاظمة بالاستفزاز والوقاحة من جهة، ومن محاولة التسلل للتعرّض للقيم السائزدة من جهة أخرى.

المعضلة هي أنه، طالما أن الحق بالحرية المطلقة ليس قيمة متحققة في معظم مجتمعات المحيط العربي، حتى بشأن الفئات التي لا تعامل على أساس الاعتلال، فإن المطالبة بها للمثليين يزعزع التوازن غير المستقر بشأنها لصالح التشدد.

مسألة أخرى من هذا القبيل تستحق المراجعة لتبيّن المخاطر. «ختان الإناث»، أي المثلة بالأعضاء التناسلية للمرأة بما يحرمها من المتعة الجنسية الطبيعية، كان عادة مستتبة في بلاد النيل، وما يتعداها، بناءاً على عرف تاريخي عميق في قدمه، أي إلى ما قبل الأديان الحالية. حين جرى تأطير رفض هذه الممارسة القبيحة في إطار حقوقي عالمي، استثار الأمر من اعتبر أن المسألة مدخل وحسب لمسعى تقويض المنظومة القيمية الدينية، فعمد إلى التأصيل الفقهي، ليمسي «ختان الإناث» «سنّة مستحبة» قابلة للترويج فيما يتعدى إطارها التاريخي، ولينتقل الموضوع من كونه مسألة أذى محلي قابل للمعالجة، على أساس طبي وقانوني، إلى سجال حول المرجعية الأخلاقية، بين الدين والقيم العالمية.

طبعاً مواجهة «ختان النساء» مسألة إنسانية كبرى ولكنها أولاً وبالكامل قضية تجنيب الأذى الحاصل على المستوى المحلي. ألم يكن بالتالي من الأجدى أولاً معالجة الجانب الموضعي الموضوعي، الغالب شكلاً ومضموناً والقابل للاستجابة، صحياً وطبياً وقانونياً، بدلاً من الانتقال بالمسألة إلى أبعاد وجودية مرجعية هي بغنى عنها أساساً، تتيح المجال لمزيد من التوسّع في الشمولية الحداثية المتوشحة بالدين؟

ربما أن المقاربة المعتمدة اليوم في مسألة الأقليات الجنسية تجنح في اتجاه مشابه. الكلام عن الحق بالحرية المطلقة لـ «مجتمع الميم» لا يطرح أمام المجتمعات المعنية قدسية الحرية الشخصية بقدر ما يستجلب المبالغات التي يقدم عليها دعاة حقوق الأقليات الجنسية في الغرب، من حيث الإصرار على المفاخرة بالمثلية، بتعبيراتها الإباحية الجنسية، في أوساط تنفر من كامل أشكال الإباحية الجنسية، ومن حيث التوسع في رسم معالم الحقوق المتهيأة، بما في ذلك «حق» الطفل أن «يقرّر» جنسه، وإلزام أهله مجاراة «قراره» المفترض تحت طائلة الاتهام بالرجعية وانتهاك «حقوق الطفل».

هنا أيضاً، قدسية الحرية الشخصية هي دون شك قضية جوهرية تستحق أولوية الاهتمام، فيما هي تحتاج إلى تأصيل مقوّمات متداخلة ليصبح احتمال رسوخها في المتداول الفكري والاجتماعي في المحيط العربي أمر قائم. ولكن رغم أن قضية الحرية هذه تلقي بظلالها على أوضاع الأقليات الجنسية، فإنه من التعسف تحميل هذه الأقليات إعباء فقر هذه القضية محلياً، ومن الإضرار بالمكتسبات الراسخة تاريخياً واجتماعياً لهذه الأقليات فتح باب الخطاب الحقوقي المختلف عليه بين طرفي الحداثة الشمولية، الإسلاميين والتنويريين.

التطبيع الاجتماعي والفكري متحقّق تلقائياً وتاريخياً للعديد من الأقليات الجنسية في المحيط العربي، وإن كان قاصراً. وإمكانية تصحيح قصوره قائمة للتوّ في إطار قضائي يخرج الدولة والسلطة من تطفلهما على الحياة الخاصة. فمع غياب التلقي الاستيعابي لمفهوم الحرية المطلقة، ومع النفور من الإباحية الجنسية، مثلية كانت أو غير مثلية، قد تكون الخصوصية، المدفوعة بالتحفظ لا الخشية، والقائمة على التجربة الطويلة الأمد للمثليين التقليديين، هي إحدى أهم لبنات المقاربة الناجعة لمسألة الأقليات الجنسية في المحيط العربي. 

بطبيعة الحال، للناشطين في «مجتمع الميم» رسم خطط العمل التي يرون نجاعتها، غير أنهم مدعوون إلى اعتبار تأثير خياراتهم على كافة الأقليات الجنسية، ومدعوون كذلك إلى إعادة تقييم جدوى طرح النموذج الغربي الإطلاقي. فالحقيقة التي غالباً ما يجري تغييبها هي أنه خلافاً لقناعات العديد من النخبويين الحداثيين، إسلاميين كانوا أو تنويريين، فإنه، رغم وفرة الظلم والجهل والتعسف، ثمة حكمة في خيارات المجتمعات في المنطقة، ومن الأجدى الإصغاء إليها وإن كان صوتها خافتاً.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!