والد ووالدة الطفل المصري شنودة
والد ووالدة الطفل المصري شنودة

أثارت قضية الطفل شنودة، الذي وجدته أسرة مسيحية وربته أربع سنوات قبل أن يقرر بعض الموظفين الحكوميين إيداعه دار رعاية، جدلا واسعا ونقاشا عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول قوانين التبني والكفالة في البلاد. 

النقاش تركز في البداية على مناشدات للمسؤولين بإعادة الطفل إلى الأسرة، ثم اتسع ليشمل تساؤلات حول بعض قوانين الأحوال الشخصية التي تمس المسيحيين في البلاد.  

ووفقا لما تم تداوله خلال الفترة الماضية أنه بعدما عثر الزوجان المسيحيان، اللذان لم ينجبا طيلة 29 عاما، على الطفل داخل إحدى الكنائس، وكان عمره أياما حينذاك، وذلك بعدما تركته أمه داخل إحدى الكنائس، وقامت تلك الأسرة بتبنيه، وتم إصدار شهادة ميلاد له باسم "شنودة فاروق فوزي".  

ووفقا لرواية آمال والدة الطفل، في تصريحات أنهم وجدوا شنودة منذ 4 سنوات ونصف داخل كنيسة، ولا يعرفون أهله حتي الآن، وأنهمو يجهلون القوانين المتبعة في مصر في مثل هذة الحالات، إضافة إلى أنهم قاموا باستشارة القائمين في الكنيسة قبل تبنيه. 

وأضافت السيدة آمال في تصريحاتها أن الدافع وراء الشكوى ضدهم والتي تقدمت بها قريبة الزوج للنيابة وقامت باتهامهم بخطفه، كان لأنها تطمع في الميراث بعد وفاتهم. 

وهنا يأتي أول سؤال في قصة الطفل، وهو سؤال العقل، فهل هناك أي عقل أو منطق يأخذ طفل عمره  سنوات ممن يربونه ليوضع في دار أيتام ليعاني ألما بل أقول آلاما نفسية، الله وحده أعلم بها؟  

والإجابة على هذا السؤال هي بوضوح وبصوت عالٍ، وكما يقول المصريون في لهجتهم العامية، "بالفم المليان": لا وألف لا. فلا يتفق ما حدث مع أي عقل ذي فطرة سليمة، ولا يوجد أي منطق عاقل يبرره. فأخذ بيشوي من حضن عائلة تهتم به ومن مدرسته ومن أصدقائه إلى ملجأ لا يعرف فيه أحد لن يفيد أي أحد.  

أما السؤال الثاني فهو سؤال الدين. 

فهل من قالوا أن الإنسان يولد بالفطرة "مسلم" يدركون معنى مايقولون؟ ولنوضح هنا الأمر، فمن يقول مثلا عن الأنبياء انهم كانوا مسلمين بالفطرة بناء على العديد من الآيات القرآنية يدركون أن هؤلاء الأنبياء لا يعرفون آية واحدة في القرآن ولا يتكلمون اللغة العربية ولا يصلون الصلوات الخمس ولا يصلون باللغة العربية أصلا! أي أن وصفهم في القرآن بأنهم "مسلمون" لا يمت لما نعرفه اليوم عن "الديانة الإسلامية" بأركانها المعروفة بأي صلة لأن الديانة الإسلامية جاءت زمنيا بعد موت هؤلاء الأنبياء بمئات السنين. وفي الأغلب فإن وصف القرآن للأنبياء بأنهم "مسلمون" في العديد من آياته جاء  من فهم كلمة إسلام كفعل بمعني "تفعيل السلام" (وليس بمعنى أركان معينة للدين). 

فألأنبياء والرسل كما ذكرهم القرآن لم يقومو بإعلان الحرب على أحد لنشر دينهم ولم تكن دعوتهم تستخدم العنف لقهر الآخرين على فكرهم. وجدير بالذكر في هذا السياق أن نذكر أن القرآن أوضح لنا أن العيش في سلام كان هو دعوة الأنبياء والمرسلين وأن الدعوة للعنف كانت هي صفة أعداء الأنبياء، فكما ذكر القرآن الكريم "وَقَالَ ٱالَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ" (سورة إبراهيم آية 13). 

وباختصار هنا، فإن وصف القرآن للرسل بأنهم "مسلمون" في العديد من آياته هو وصف لدعوتهم لنشر السلام وليس وصفا لما نسميه نحن بأركان الديانة الإسلامية الخمس.  

أما من يحتج ببعض أحاديث الآحاد بأن الطفل يولد "مسلم" بالفطرة فالسؤال له ماذا تقصد بالإسلام في هذا الأمر؟ فهل فطرة الطفل في نظره أن يؤمن بفقه المذاهب الأربعة وهل من الفطرة سبي النساء في الحروب، وهل من الفطرة وجود سوق للنخاسة باسم الدين، وهل من الفطرة إعلان الحرب لنشر الدين وإجبار الناس على دفع جزية؟ هل هذا هو "دين الفطرة" في نظره؟! وهل الفطرة تبيح تعدد الزوجات للرجل بالرغم من أن فطرة بداية الخلق كما ذكرها القرآن هي زوجة واحدة للرجل "وَقُلْنَا يَٰٓا آدَمُ ٱاسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ (ولم يقل أزواجك!) ٱالْجَنَّةَ  وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا" (سورة البقرة 35). أم هو يقصد بالإسلام العيش في سلام مع الآخرين وهو المقصد الحقيقي للأنبياء والرسل كما ذكرنا. 

ويبقى لنا سؤال الضمير في قصة الطفل "شنودة"، وهو: أي ضمير هذا الذي يأمر بأخذ طفل ممن يربونه وينمونه في أحضانهم ليرميه في ملجأ وحيدا شريدا يتذكر أهله ومدرسته وأصدقاءه و"سانداوتشه" في الحضانة؟ وماذا ستكون مشاعر "شنودة" في المستقبل حينما يقول له من تسببوا له في هذا الألم أنهم فعلوا ذلك لأن الإسلام هو دين الرحمة ثم يتلون عليه الآية الكريمة " وَمَآ أَرْسَلْنَٰاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ". 

 مجرد سؤال! 

وللحديث بقية..

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.