لبيد دعا طهران إلى "عدم اختبار" إسرائيل
حكومة بينيت ولبيد كانت أكثر يمينية وتطرفاً من حكومات نتنياهو المتعاقبة | Source: twitter/@IsraeliPM

عاشت منطقة الشرق الأوسط أسبوعاً حافلاً بالذكريات المُسترجعة...ذكريات فجّرها رحيلان كبيران: رحيل آخر رئيس للاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، قبيل أيام فقط من رحيل ملكة بريطانيا اليزابيت الثانية...ذكريات لا تتصل بالماضي والتاريخ فحسب، فذيولها وتداعياتها حاضرة بقوة وستبقى مع هذه المنطقة، لسنوات وعقود قادمة. 

وتحبس هذه المنطقة أنفاسها بانتظار انتخابات واستحقاقات...انتخابات نصفية في الولايات المتحدة، يمكن أن تؤشر لهوية الساكن القادم للبيت الأبيض بعد عامين، وأخرى في إسرائيل ستقرر ما إن كان نتنياهو سيظل شبحاً مزعجاً أم أنه سيكون رئيساً للحكومة للمرة السادسة، وثالثة في لبنان الذي يقف على مفترق طرق بين الفراغ أو المفاجأة أو ربما "المزيد من الشيء ذاته". 

رحيل غورباتشوف استدعى كالعادة، جدلاً لم يُحسم بعد، حول ما إن كان الرجل إصلاحياً مُجَدِداً، خانته الظروف والرفاق وسبقته التطورات، أم أنه كان ابناً غير شرعي، لـ"نظرية المؤامرة"، ورمزاً لواحدة من أكبر الخيانات في التاريخ...على أن النقاش الذي يحضر بحضور غورباتشوف أو غيابه، لا يتوقف عند تقييم الرجل و"دور الفرد في التاريخ"، بل بما تداعى عن انهيار الإمبراطورية السوفياتية / الروسية من اختلالات في توازنات القوى و"المصالح" في الشرق الأوسط برمته، ما زالت تتفاعل حتى يومنا الحاضر، سيما في لحظة تشهد محاولات مستميتة لإعادة بعض وإحياء الإرث الإمبراطوري لروسيا، تدفع بـ "القيصر"، للجوء إلى "ولادات قيصرية" تسرّع في انبثاق لـ"العالم الروسي"، و"الفضاء الأوراسي" و"النظام العالمي متعدد الأقطاب". 

أما سكان هذا الإقليم، بأممه الأربع الرئيسة من عربٍ وكردٍ وفرسٍ وأتراك، فكم كان صعباً عليهم، وهم يتابعون مراسيم وفاة الملكة الراحلة، وترسيم الملك القادم (ماتت الملكة...عاش الملك)، ويستمتعون بالمرويات عن التقاليد الملكية الراسخة في بريطانيا التي كانت عظمى ذات يوم، أن يفصلوا في أذهانهم المتخمة بذكريات التاريخ وأوجاعه، بين شخصية فذة رحلت عن هذه الدنيا، شأنها في ذلك شأن كل البشر من جهة، وإرث استعماري مديد ومرير من جهة ثانية، حافل بالكوارث والنكبات والتقسيم والوعود المشؤومة، وأزمات حدود أو أفخاخ وألغام موقوتة، لا وظيفة لها، سوى "إدامة" النزاعات والحروب المحلية المتناسلة في مرحلة ما بعد تصفية الاستعمار، وتمكين الدولة المُستعمِرة، من "إدارتها"، منفردةً كما اعتادت، أو إلى جانب شقيقاتها الكبريات. 

لم يكن رحيل الملكة و"الأمين العام"، رحيلاً لشخصيتين وازنتين، تركتا بصمات لا تُمحى في تاريخ الإقليم والبشرية جمعاء فحسب، بل كان شهادة حيّة على رحيل امبراطورتين ملأ تأثيرهما الأرض والفضاء...وإذ جاء توقيت الرحيل بمثابة الصدفة المحضة، فإنها "صدفة تتكشف عن ضرورة"، أي لكأننا أمام رحيل "موقوت" بعناية، مع لحظة احتدام الصراع بين امبراطوريات قديمة وصاعدة، دولياً وإقليمياً على ملعب هذا الإقليم، الذي شهد الاختبار الأول على نهاية نظام القطبين وانبثاق نظام القطب الواحد في حرب الخليج الثانية قبل ثلاثة عقود، ويشهد اليوم أولى محاولة روسيا لاستعادة إرثها الامبراطوري بدءاً بأيلول 2015 في سوريا...هذا الإقليم كان ساحة لحروب الوكالة بين "بقايا النظام العربي ومُزقه"، وجوار إقليمي طامع لاستعادة أحلامه الإمبراطورية، من "العثمانية الجديدة"، إلى "الهلال الشيعي"، مروراً بـ"امبراطورية الحبشة" التي ذكرتنا صور أرشيفية للملكة جمعتها بالإمبراطور هيلا سيلاسي، بمحاولاتها استعادة أمجادها الداثرة واستئناف "نهضتها" على ضفاف النيل والمندب والقرن الأفريقي. 

رحيل الملكة و"رئيس مجلس السوفييت الأعلى"، لم يُنسيا المنطقة أنها تقف على عتبة استحقاقات انتخابية هامة، سيكون لها أثرها على قوس أزماتها المفتوح، والممتد من اليمن إلى لبنان، مروراً بسوريا والعراق، ومن دون أن نغفل عن ذكر ليبيا...فالمنطقة تنتظر بشغف، نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، ليس لأنها ستقرر ما إن كان جو بايدن سيحافظ على أغلبية مريحة في "المجلسين" أم لا، بل لأنها إشارة على تحولات الرأي العام الأمريكي واتجاهاته الجديدة، وسط إطلالة تكاد تكون يومية، لشبح دونالد ترامب، الذي يخيف بعضاً من قادة المنطقة ويثلج صدور آخرين...إسرائيل ومعظم دول الخليج ودول المسار "الإبراهيمي" عموماً، في شوق بالغ لترامب أو من هو على صورته وشاكلته، فيما الأردن وفلسطين أساساً، يتحسّبان لما قد يحمله في جعبته، وهو الذي بلغ حد المقامرة بأعمق مصالح الجانبين في المسألة الفلسطينية. 

صحيح أن إدارة بايدن لم تفعل شيئاً نوعياً مختلفاً في الشرق الأوسط، ولم تعمد إلى "عكس" مسار ترامب وخطواته، وأن تمايزها عن الإدارة التي سبقتها، ظل لفظياً في أغلب الأوقات والحالات، لكن من الواجب الاعتراف بأن أداء إدارة ترامب، اتسم بالفجاجة، و"العدوانية" أحياناً، حتى بالنسبة لأصدقاء موثوقين لواشنطن مثل الأردن، الذي تنفس الصعداء منذ أن وضعت الانتخابات الرئاسية الأخيرة أوزارها لصالح جو بايدن، دع جانباً الفلسطينيين الذين حرص ترامب على تجريدهم من قدسهم وحقوقهم ودولتهم وتجفيف منابع حياتهم، بما فيها الأونروا، شريان الحياة لملايين اللاجئين منهم. 

الاستحقاق الثاني، الخامس في غضون أقل من ثلاث سنوات في إسرائيل، انتخابات الكنيست الخامس والعشرين، حيث يطل شبح آخر برأسه غير المحبب لا للفلسطينيين ولا للأردنيين، ومعظم الإسرائيليين كذلك، ليس لأن حكومتي بينت ولبيد اللتين أعقبتا حكومة نتنياهو كانتا أفضل، بل أن الأداء الاستفزازي / الاستعلائي (الشخصي) لنتنياهو عقّد فرص التواصل والحوار بين إسرائيل وجوارها، وأفضى إلى تناسل أزمات في علاقات إسرائيل مع كل من الأردن والسلطة، كانت فائضة عن الحاجة، سيما بوجود "فالق زلزالي" يفصل بين الفريقين، في كل ما يتصل بقضايا الحل النهائي للقضية الفلسطينية. 

في الجوهر، يمكن القول، أن حكومة بينت /لبيد، كانت أكثر يمينية وتطرفاً من حكومات نتنياهو المتعاقبة...فقد تكرر رفضها لحل الدولتين صبح مساء، في حين قبل نتنياهو بهذا الحل، مرة واحدة على الأقل، في خطاب بار إيلان، وإن كان قبولاً مفخخاً ومراوغاً...ورفض بينت ولبيد الدخول في عملية سياسية تفاوضية مع الجانب الفلسطيني، مفضلين معادلة "الأمن مقابل الاقتصاد"، في حين انخرط نتنياهو في عملية سياسية مع الفلسطينيين، صحيح أنها كانت فارغة من كل مضمون، ولكنها مع ذلك كانت تنطوي على قدر من الاعتراف بوجود طرف آخر، ووجوب البحث عن "حل سياسي"، مع أن الرجل والحق يقال، كان سبّاقاً لخصومه من معسكر اليمين، في اجتراح نظرية "السلام الاقتصادي" بديلاً عن عملية السلام، لكنه لم يكن يخشى الأخيرة، أو يرفضها جملة وتفصيلاً، كما فعل خلفاؤه من اليمين واليمين الأكثر تطرفاً. 

الأردن، أكثر من الفلسطينيين، يخشى عودة نتنياهو، ويعمل على قطع طرقها، لكن أدواته وفرص تأثيره في الانتخابات الإسرائيلية، تكاد تكون مقتصرة على بعض الأصوات العربية في إسرائيل، وبخلاف ذلك، لا يبدو أن للمحاولة الأردنية فرصاً جدية للنجاح. 

الانتخابات في الولايات المتحدة وإسرائيل، سيكون لها انعكاس مباشر على أكثر ملفات المنطقة أهمية وخطورة: ملف إيران بتشعباته الثلاثة: البرنامج النووي، الصواريخ البالستية، والدور الإقليمي لإيران، وإذا كان من المرجح إرجاء الحسم بمصير مفاوضات فيينا إلى ما بعد انتخابات البلدين، فإن من المؤكد أن نتائج كل منهما، سيكون له انعكاسات مباشرة على فرص إبرام الاتفاق النووي، وعلى شكل وطبيعة العلاقة بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. 

الاستحقاق الثالث، ويتجلى في الانتخابات الرئاسية اللبنانية، حيث يقف لبنان المنكوب بنخبه الحاكمة والمتحكمة، أمام أربعة احتمالات: فراغ رئاسي وسط جدل وانقسام حول جواز تسلم حكومة تصريف أعمال، لمهام الرئاسة الأولى وجمعها بمهام وصلاحيات الرئاسة الثالثة...نجاح حزب الله في تقديم رئيس للبنان من معسكره كما حصل في انتخابات الرئاسة الثانية، مستفيداً من انقسامات خصومه وشتاتهم...والثالثة: حدوث "المفاجأة" ونجاح خصوم الحزب في إيصال رئيس منهم، مع كل ما قد يفتحه ذلك من أبواب لصراع الرئاسات وتنازعها.... والاحتمال الرابع؛ الوصول إلى "رئيس تسوية" يكرس حالة المراوحة وانعدام الحسم، ويبقي لبنان نهباً لاتجاهات هبوب الريح المحلية والإقليمية. 

من المرجح أن يفضي اقتراب الاستحقاقين الانتخابيين، اللبناني والإسرائيلي، إلى إرجاء إنجاز اتفاقٍ حول ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين، وتمديد المهل الزمنية والإنذارات المتبادلة بين الجانبين، على أمل أن يجري فتح الملف من كافة جوانبه فور انتهاء الانتخابات هنا وهناك...فليس من المنطقي أن يطلب إلى رئيس مُرتحل وحكومة تصريف أعمال من الجانب اللبناني إبرام اتفاق ذي طبيعة استراتيجية – سيادية، وإسرائيل في المقابل، لا تريد أن يندرج أي اتفاق مع لبنان، في إطار السجال الانتخابي بين الحكومة والمعارضة...الانتخابات المنتظرة، ستفضي على الأرجح إلى إرجاء الاستحقاقات في مجال الترسيم والطاقة وسباق الحرب والسلام بين البلدين. 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!