قديروف تولى حكم الشيشان "بقبضة حديدية" منذ عام 2007
قديروف انتقد أداء القوات الروسية.

ان كان يعلم أو لا يعلم، فلا فرق، لأن مصيبة جيشه قد وقعت، وهي مصيبة جديدة أكثر قساوة من غيرها في التوقيت وقع فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تؤكد أكثر من أي وقت مضى ان أجهزة الأمن والاستخبارات الروسية فشلت مجددا في عملها، ولم تستطع الوصول إلى خلف خطوط العدو، أي أن الفريق المُكلف جمع المعلومات عن نشاط الجيش الأوكراني لم ينجح في رصد تحركاته أو ملاحظة تغيرات في عملية انتشاره الميدانية، أو وضع احتمالات أنه يتهيأ لعمل ما بهذا الحجم، وأيضا فشل تقني إذ ان الأقمار الاصطناعية الروسية وطائرات التجسس لم تتمكن من رصد تحركاته.

في مسيرة الإخفاقات الروسية منذ بداية غزو أوكرانيا يبدو أنه لم تصل إلى مسامع الكرملين وأجهزته الاستخبارية بأن الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة قد قامت بتزويد أوكرانيا بكميات كبيرة من الأسلحة الحديثة القادرة على تحقيق فارق نوعي في الميدان، وان أكثر من تقرير سُرب إلى الاعلام بأن كييف تستعد إلى مرحلة قتالية جديدة جرى الإعداد لها بعد شهر أبريل الماضي، بعدما تم تدريب القوات الأوكرانية على كيفية التعامل مع السلاح الأميركي الجديد وإعادة ترتيب الجيش للانتقال من الدفاع إلى الهجوم. 

تفتح الهزيمة الروسية في الجنوب والشرق الأوكرانيين أسئلة جديدة قديمة عن حالة القوات الروسية وعن مستقبل العمليات العسكرية ورد فعل الكرملين على هذه الهزيمة، ولكن لم يعد سرا إلا على الرئيس الروسي أن قواته لم تكن مؤهلة عسكريا ونفسيا لخوض هذه الحرب، وأن العتاد الروسي الحديث بدا بدائيا مقارنة بالسلاح الغربي الذي زُودت به كييف، والأهم وهو ما لم يسلط عليه الضوء جيدا حالة الجنود الروس وهل كانوا على قناعة بهذه الحرب، والأخطر في هذه الهزيمة أنها حصلت على أبواب الشتاء. 

يراهن الروس منذ خمسة قرون على عوامل المناخ في هزيمة أعدائهم، لكن ما فاتهم هذه المرة أن من استعدوه هو من داخلهم، أي أنه يعرف هذه العوامل المناخية ومن الممكن ان تكون أيضا لمصلحته. فالقوات الأوكرانية ليست قادمة من خلف الحدود والكرملين هو الآن في موقع الغازي، والشتاء سيكون ضده أيضا، وسيُقيد عمل جيشه ويبطء حركته ويجعله صيدا سهلا أمام قوات المقاومة الأوكرانية، لذلك فإن احتمالات الرد الروسي ستكون قاسية جدا وتعتمد سياسة الأرض المحروقة، ولكن إن فشلت هذه الاحتمالات التقليدية ولم يتمكن بوتين من رد الاعتبار لنفسه ولجيشه ومع شروط مناخية صعبة عليه هل سيلجأ إلى عمل غير تقليدي؟ 

مأزق الكرملين في المواجهة الأخيرة في الميدان الأوكراني واضح وصريح، فهذا الإخفاق لا يمكن تغطيته أو تجاوزه، بعدما شاهد العالم هزيمة الجيش الروسي بالصوت والصورة، وتابع لحظة بلحظة كيف ترك عتاده وتراجع نحو الحدود وتقدم الجيش الأوكراني من دون أدنى مقاومة تذكر، كل هذا وكان أصغر مستخدم متابع للحرب على أوكرانيا يتابعه على هاتفه الذكي إلا الرئيس الروسي وفريقه الحاكم، ولعل هذا ما دفع برئيس جمهورية الشيشان رمضان قديروف إلى الحديث العلني عن الهزيمة الأخيرة. 

ما تجرأ قديروف على قوله، على الأغلب ليس من بنات أفكاره، خصوصا أنه يعلم أن حياته السياسية تنتهي بقرار يصدر من الكرملين، لذلك أغلب الشكوك تُرجح أن صراعا داخل جدران الكرملين لم يعد ممكنا إخفاءه، وإن هناك من عليه أن يقول الحقيقة كما هي، وهناك طرفا عليه الاستماع إليها كما هي، وهذا يعني أن رؤوسا كبيرة سوف تتدحرج قريبا قد يكون لها علاقة إما بوزارة الدفاع أو بالأجهزة الاستخبارية، فهناك من سوف يُحاسب لقوله الحقيقة أو لإخفائها، ولكن يبقى السؤال الأصعب هل بوتين كان يعلم.  

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.