طفل سوري يرقد على ذخائر معطّلة في محافظة إدلب
طفل سوري يرقد على ذخائر معطّلة في محافظة إدلب

في ظلال هذا "البؤس العام"، الذي يغطي مختلف أشكال الحياة التي يعيشها السوريون، بمختلف هوياتهم وخياراتهم ومناطقهم، يحضر السؤال الأكثر حيوية ووجوباً في الراهن: ما الذي أوصلنا إلى هنا؟ ومن ثم إلى أين؟

إذ لا يُعقل أن يُترك ويُتعامل مع قرابة 30 مليون سوري، موزعين داخل البلاد وفي محيطه وعبر العالم، دون أي إطار أو تعريف لأحوالهم وأنماط حياتهم وحقوقهم الأكثر بساطة، راهناً وفي كل المستقبل المنظور.

تلك المتطلبات البسيطة، الممتدة من حقهم في الحصول على أوراق رسمية لممتلكاتهم ومواليدهم الجدد، مروراً بحمايتهم من أشكال التنمر والعنف والعنصرية التي تطالهم من كل حدب، وليس انتهاء بحقهم الأبسط في المأكل والمسكن والطبابة. 

مبدئياً، يبدو النظام السوري معفياً من الإجابة على هذا السؤال، لأنه الجهة الأكثر وضوحاً في إعلانه البراءة من أي مسؤولية سياسية أو أخلاقية عما يجري في البلاد. الأمر ذاته ينطبق على الجماعات الدينية المتطرفة، بالذات المسلحة منها، ومعها عشرات المجموعات العاملة حسب قواعد وآلية عمل الميليشيات العصاباتية.

مع حذف كل هؤلاء المذكورين، يبقى طيف واسع من السوريين، من الذين يُمكن تسميتهم حقيقة بـ"المعارضين السوريين"، من القوى والشخصيات السياسية المدنية السورية، مروراً بالمثقفين وقادة الرأي والإعلاميين والناشطين، وليس انتهاء بباقي النُخب الاقتصادية والمجتمعية والبيروقراطية السورية، الذين من المفترض أن يكونوا مشغولي البال بهذا "البؤس السوري"، والساعين لإيجاد ثغرات ما فيه، بأي طريقة ما كانت، قد تُغير مساره، ولو بقدر ما بسيط.

أول الأفعال المسؤولة من قِبل هؤلاء في ذلك الاتجاه، تبدأ بقول الأشياء كما هي، وعلى رأسها القول صراحة إن سوريا والسوريين يعيشون بؤساً عمومياً، وإن المسألة السورية لم تعد مثلما كانت في لحظة انطلاقة الثورة السورية، مجرد "حكاية مبسطة"، صراع بين قوى الخير المطلق وما يناظرها من قوى الشر، بين نظام استبدادي حاكم وشعب منتفض طلابٍ للحرية. 

تستدعي هذه المصارحة الأولية لازمتين مركبتين، تطلب الأولى نبذ الخطاب الرومانسية التجريدي الذي تحمّل وتصر عليه المعارضة السورية بشكل طفولي، عباراتها المعلبة حول الدولة المدنية الديمقراطية والمساواة في المواطنة، وما إلى هنالك من تلك الديباجة المزيفة. 

أما اللازمة الثانية فهي القول إن سوريا الراهنة، بكل أحوالها، ليست نتيجة مواجهة بين نظام استبدادي وقوى تطلب الحرية، كما كانت في عام 2011. فسوريا اليوم هي "محصلة الحرب"، بين قوى وطوائف وقوميات ودول، أكثر تعقيداً وتركيباً مما كانت، ليس بها "ضربة قاضية"، تستطيع أن تُنجي أحداً أو جماعة ما، فكيف بالحال مع دولة وشعب كامل. 

الاعتراف بهذا الواقع، يفتح قوساً كبيراً حول مجموعة من الممارسات والأفعال والاستراتيجيات وأنماط التفكير، التي أحدثت هذا التحول الرهيب في المسألة السورية طوال عقدِ كاملٍ. وحيث أن كشف ونقد تلك المسببات كلها، هي جزء رئيسي مما يُفترض أن يكون عليه كشف الحساب السوري راهناً. 

فهذه الـ "سوريا" مثلاً، ما عاشت "ثورة عارمة" قط خلال السنوات الماضية كلها، خلا بعض الحالات والمواقف والأمثلة الموضوعية والقصيرة. 

وتالياً، فإن الحقيقة المُرة والمكبوتة هي تعريف ما جرى بكونه اندلاعاً للعديد من أشكال الانفجارات المحلية، في مختلف مناطق البلاد، ضد سلطة شمولية كانت قابضة على أنماط ومسارات الحياة كلها، بقبضة من حديد ودم. 

كان ذلك واضحاً، بدليل عدم خروج السوريين دفعة واحدة، وعدم امتلاكهم لآلية التضامن الداخلية المتساوية فيما بينهم، وفي أي وقت كان، واستمرار بقاء الحسابات والحساسيات المحلية لاعباً رئيسياً على الدوام، في تحديد موقف وديناميكية فعل أي منطقة سورية دون أخرى، وحتى الآن. 

مقاربة المسألة حسب هذه المصارحة الواضحة، لن تكون عاملاً جوهرياً لفهم الأسباب والدوافع التي أوصلت سوريا والسوريين إلى هذا "البؤس" فحسب، بل ستكون أكبر عامل للتفكير الحيوي بما يجب وكيف على السوريين أن يفهموا بلدهم ومجتمعاته ومستقبل السلام الاجتماعي داخله. 

على مستوى رديف، فإن هذه القوى المعارضة، ذات المسؤولية، عليها القول إن تياراً واسعاً من السوريين المعارضين للنظام السوري، كانوا ولا يزالون وسيبقون غير مبالين بمسائل مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة الجندرية وطمأنة الأقليات الدينية والقومية، هي أشياء خارج حساباتهم على الأقل، ومعادون لها على الأغلب. 

لا يعني هذا الأمر إعادة القبول بالنظام السوري أو تبرئته أو مساواته مع قوى وفاعلين آخرين، أبداً. بل التقليل من شحنة الثقة بالذات، تلك الثقة التي أوصلتنا إلى هنا. وتالياً منح النفس حصانة كافية، لمنعها من الانجراف في هاوية القوى والشخصيات ونوعية الخيارات السياسية التي تتطابق مع النظام الحاكم في رؤيتها لمجموع تلك القيم والأدوات، وإن كانت تعاديه في الصراع على السلطة.

تلك القوى التي ستبقى أداة استعصاء أمام أي أفق مستقبلي، ولزمن سوري طويل. هذا الأمر الذي أثبتت الوقائع السورية فداحته من كل حدب، طوال السنوات الماضية. 

ينطبق ذلك الأمر على الإسلاميين والمجموعات العصاباتية أولاً، لكنه ينسحب ليمتد على طيف واسع من الفاعلين، بما في ذلك القوى والشخصيات المعارضة التقليدية، القومية واليسارية والطائفية، وحتى بعض الليبرالية منها، على قلتها. 

قول ذلك لن يعيد الطهارة والنقاء إلى مطالب ومساعي المعارضين السوريين فحسب، بل أيضاً سيعيد إمكانية التفاف الملايين من السوريين الذين أنفضوا من حولهم، من أبناء الطبقات الوسطى والعليا، من الذين اكتشفوا سريعاً خواء الفروق القيمية بين المعارضة وبين النظام الاستبدادي، الذين شعروا سريعاً بأن المسألة برمتها قد تكون مجرد "صراع عشائر". 

أخيراً، فإن هؤلاء المعارضين السوريين مجبورون على قول عبارات واضحة بشأن الواقع الإقليمي، شيء مما قالته مختلف المعارضات التي دخلت في ألاعيب العلاقات الإقليمية لدول منطقتنا. 

فطلب الحرية والتخلص من نظام استبدادي يمكن أن يدفع الفاعلين نحو كل شيء، خلا ما تبدو نتيجته واضحة تماماً. حقيقة أثبتتها تجارب لا تنتهي في منطقتنا.

فالدول الإقليمية في المحصلة لا تنتج إلا حروباً أهلية. وحتى الثورات التي نجحت فجأة ودون قدرة هذه القوى الإقليمية على إفسادها، عادت بعد زمن قصير وخلقت "ثورات مضادة" في مواجهتها. فكيف الحال ببلد مثل ذلك، هو فعلياً إقليم وصورة مصغرة عن كل ما يحيط بها؟

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.