كانت هناك استثناءات لردود الفعل الإيجابية والمتعاطفة مع وفاة الملكة إليزابيث الثانية
كانت هناك استثناءات لردود الفعل الإيجابية والمتعاطفة مع وفاة الملكة إليزابيث الثانية

تميزت معظم ردود الفعل الرسمية العالمية على وفاة الملكة إليزابيث الثانية التي جلست على عرش المملكة المتحدة لمدة سبعين سنة، بالحزن ومواساة رعاياها، واعتبار الحدث على أنه نهاية لمرحلة انتقالية تاريخية أدت من جملة ما أدت إليه إلى تفكيك الحقبة الإمبريالية-الاستعمارية لأكبر وأهم امبراطورية في الألفية الماضية.

ردود الفعل الأوروبية والأميركية حفلت بالثناء والمديح على حكمة وشخصية الملكة إليزابيث وحنكتها في إدارة الأزمات التي تعرضت لها المملكة المتحدة خلال حقبتها الطويلة، وكذلك إدارتها للتحديات والفضائح التي جابهتها العائلة المالكة وخاصة تسعينات القرن الماضي، حين وصفت الملكة إليزابيث سنة 1992 "بالسنة الرهيبة" مستخدمة العبارة باللغة اللاتينية "Annus horribilis". 

ولكن كانت هناك استثناءات لردود الفعل الايجابية والمتعاطفة، عبّر عنها عدد من المؤرخين والمحللين والأكاديميين وخاصة أولئك الذين ولدوا في الدول التي استعمرتها أو هيمنت عليها بريطانيا لأجيال وحتى قرون، والتي استغلت مواردها الطبيعية والبشرية لبناء الإمبراطورية التي وصفت في القرن التاسع عشر بأنها "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس".  

في ذروة قوتها في سنة 1921 كانت بريطانيا تحكم أكثر من  570 مليون نسمة يعيشون فوق أراض مساحتها 14 مليون ميل مربع، أي حوالي ربع الكوكب.

هؤلاء استخدموا وسائل الاتصال الاجتماعي لتذكير البريطانيين والعالم بالتركة الاستعمارية البريطانية ونهب ثروات الهند والقارة الأفريقية، ودور المملكة المتحدة في الإتجار بالعبيد واختطاف الملايين ونقلهم عبر المحيط الأطلسي لاستعبادهم في صناعة السكر في منطقة البحر الكاريبي.

تراوحت ردود فعل هؤلاء بين الترحيب بوفاة إليزابيث الثانية واتهامها بأنها حاولت إطالة عمر الحقبة الاستعمارية، وبين المطالبة بالتعويضات للشعوب التي عانت من الاستعمار أو الاعتذار عن الحقبة الإمبريالية. أحد الإعلاميين في الأرجنتين احتفل بوفاة الملكة إليزابيث بفتح قنينة الشمبانيا خلال برنامج تلفزيوني كان يبث مباشرة، وناعتا الملكة قبل دفنها بأبشع النعوت.

طبعا الإعلامي الأرجنتيني كان "ينتقم" من البريطانيين وملكتهم بسبب الهزيمة التي منيت بها الأرجنتين في حربها الأخيرة مع بريطانيا في 1982 حول ملكية جزر المالفيناز/ الفولكلاندز . 

وفاة إليزابيث الثانية، يجب أن تكون مناسبة لمراجعة موضوعية للإمبريالية البريطانية، لأنها الملكة التي تم خلال عهدها الطويل تفكيك الإمبراطورية البريطانية، والتي تغير فيها المجتمع البريطاني ديموغرافيا وثقافيا واجتماعيا بشكل جذري لم يحدث أن تغير فيها بهذا الشكل في أي حقبة سابقة في تاريخ المملكة المتحدة. ممتلكات بريطانيا في العالم اليوم لا تتعدى بضعة جزر صغيرة، كما أن منظمة دول الكومنويلث، التي أسستها بريطانيا للحفاظ على نفوذها في العالم بعد نهاية الإمبراطورية فقدت الكثير من نفوذها، وهي مهددة بالتفكك لأن بعض الدول المنضوية تحتها سوف تعلن انسحابها منها بعد رحيل إليزابيث الثانية.

عند تنصيب إليزابيث الثانية ملكة على بريطانيا في 1952  كان واحد من بين كل 200 مواطن بريطاني يعتبر من الملونين. ولكن وفقا لإحصاء السكان في 2011 هناك واحد من كل سبعة مواطنين بريطانيين يصنف من الملونين. آنذاك كانت بريطانيا تسيطر أو تهيمن على سبعين منطقة أو مستعمرة في العالم. في 1997 حين أعادت بريطانيا هونغ كونغ إلى الصين بعد أن سيطرت عليها لحوالي قرن من الزمن، كان ذلك مؤشرا على نهاية الحقبة الإمبريالية البريطانية. طبعا، تم تتويج إليزابيث الثانية، بعد 5 سنوات من استقلال الهند (والانقسام الدموي لشبه القارة الهندية بين الهند وباكستان) حيث كانت الهند تعتبر جوهرة التاج البريطاني.

مؤرخو الحقبة الاستعمارية الأوروبية يلتقون على أن الاستعمار البريطاني، على الرغم من قسوته وبطشه واستغلاله للموارد الطبيعية والبشرية في الدول التي حكمها، لم يكن بقسوة وفظاعة الاستعمار الفرنسي، وخاصة في دولة مثل الجزائر، أو الاستعمار البلجيكي في الكونغو، أو الاستعمار البرتغالي في أنغولا أو موزامبيق. كما أن بريطانيا ليست من بين أوائل الدول التي ارتكبت أكبر جرائم القتل الجماعي أو حروب الإبادة في القرن العشرين.  هذا "الشرف" يعطى لألمانيا النازية، والاتحاد السوفياتي خلال حقبة ستالين، أو حقبة ماو تسي تونغ في الصين، أو الاستعمار الياباني للصين وغيرها من الدول الآسيوية خلال حكم الإمبراطور هيروهيتو قبل وخلال الحرب العالمية الثانية.

خلال العقد الماضي ارتفعت أصوات عديدة في بريطانيا ومستعمراتها السابقة تدعو لتعويض ضحايا الاستعمار البريطاني وتطالب باعتذار حقيقي وصادق عن الحقبة الاستعمارية وفظاعاتها والتعامل مع مخلفاتها التي تنعكس على سياسات التمييز في العمالة والتعليم التي يتعرض لها ملايين المواطنين البريطانيين المتحدرين من مهاجرين من مستعمرات بريطانيا في أفريقيا وفي جنوب آسيا.

وفي 2013، وفي خطوة غير مسبوقة وافقت الحكومة البريطانية على تعويض آلاف المواطنين المسنين في كينيا من الذين تعرضوا للتعذيب خلال حقبة الاستعمار البريطاني، وكذلك تقديم اعتذار رسمي لهؤلاء الضحايا. صحيح أن قيمة التعويض على انتهاكات حقوق الانسان في كينيا لم تتعد 30 مليون دولار أميركي، إلا أن أهمية التعويض تكمن في رمزيته وكونه خطوة غير مسبوقة.

وفي سنة 2014 تقدمت 15 دولة في منطقة البحر الكاريبي التي شهدت أبشع ممارسات الاستعباد خلال الاستعمار البريطاني بخطة للحصول على تعويضات من الحكومة البريطانية. أكثرية البريطانيين وكذلك أكثرية الأوروبيين يعارضون توفير التعويض المالي لضحايا الاستعمار أو للمتحدرين من ضحايا الاستعمار. وكان من اللافت أنه بعد الحركة الاحتجاجية في الولايات المتحدة بعد جريمة قتل جورج فلويد الأميركي من أصل أفريقي على أيدي رجال الشرطة، برزت حركة مماثلة في بريطانيا، سرعان ما تحولت إلى نقاش مفتوح حول ضرورة إجراء محاسبة تاريخية لمسؤولية بريطانيا عن ممارساتها الاستعمارية ودورها في اختطاف ونقل الملايين من أفريقيا واستعبادهم في منطقة البحر الكاريبي.

وخلال هذه الاحتجاجات قام المتظاهرون بتحطيم التماثيل التي تمجد تلك الشخصيات التي ساهمت في الاستعباد أو في التنظير وتبرير سياسات الاستعمار في أفريقيا مثل سيسيل رودس (الذي أعطي اسمه لروديسيا، زيمبابوي الحالية)، تمام كما كان المتظاهرون الأميركيون يطالبون أو يحطمون تماثيل الشخصيات التي دافعت عن كونفدرالية الولايات الجنوبية التي انفصلت وحاربت الحكومة الفدرالية للحفاظ على مؤسسة العبودية خلال الحرب الأهلية. 

خلال حقبة الملك الجديد تشارلز الثالث، سوف نرى محاولات جديدة لإلقاء نظرة نقدية حقيقية ومؤلمة للتاريخ الاستعماري البريطاني، خاصة وأن الملك الجديد وولديه الأميرين وليام وهاري كانوا قد أشاروا في السابق إلى ضرورة مثل هذه النظرة النقدية والمصارحة. وقبل تنصيبه ملكا، وخلال مؤتمر لدول الكومنويلث عقد في رواندا قبل أشهر، دعا الأمير تشارلز إلى الاعتراف "بالأخطاء التي صاحبت تاريخنا. لقد حان الوقت لنقاش حول تاريخ العبودية".  من جهته قال الأمير وليام في السنة الماضية خلال جولة في بحر الكاريبي "إن الفظاعات المرّوعة للعبودية لطّخت تاريخنا إلى الأبد".

الدراسات الأكاديمية الجديدة لتاريخ الحقبة الاستعمارية البريطانية تبين أن بريطانيا نجحت في السابق في رسم تاريخها الاستعماري بأنه كان أكثر تسامحا أو ليبرالية من الممارسات الاستعمارية للدول الأوروبية الأخرى. في كتابها "إرث من العنف: تاريخ الإمبراطورية البريطانية" توثق المؤرخة كارولاين ألكينز استنادا إلى وثائق جديدة أن البريطانيين طوروا أساليب قمع قاسية في مستعمرات معينة قبل نقلها واستخدامها في مستعمرات أخرى في جميع أنحاء الإمبراطورية. وعلى سبيل المثال استخدام العربات المسلحة في أيرلندا، والمهارات التي اكتسبها الطيارون البريطانيون في الغارات والقصف الجوي للقرى في العراق، ومن جنوب أفريقيا جلبوا أسلوب استخدام الكلاب المدربة لقمع التظاهرات، ومن الهند أساليب الاستنطاق القاسية والسجن الانفرادي، ومن شمال الهند استخدام المدنيين للتخلص من حقول الألغام.

في فلسطين لجأ البريطانيون كثيرا إلى أسلوب الغارات الليلية، ووضع المعتقلين في أقفاص كبيرة وفي العلن، ومن أبشع هذه الأساليب كان نسف المنازل. هذه الأساليب التي استخدمت بكثافة في فلسطين، وفقا للمؤرخة ألكينز، نقلت لاحقا إلى عدن، وبعدها إلى كينيا، وشمال روديسيا، وقبرص. اللافت، أن اسرائيل تستخدم معظم هذه الأساليب التي طورها واعتمد عليها الاستعمار البريطاني، في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ1967.

هذا التاريخ الاستعماري البريطاني، يجب أن لا يطمس حقيقة أن الحقبة الاستعمارية وخاصة في الهند لم تكن كلها قاتمة ووحشية، بل أدت - في معظم الأحيان بشكل غير مقصود- إلى نتائج إيجابية. الاستعمار البريطاني خلق في الهند خدمة مدنية وبيروقراطية إدارية كانت هامة لإدارة دولة ضخمة بمساحتها وعدد سكانها بعد الاستقلال. الحقبة الاستعمارية خلقت نواة نظام قضائي مستقل، وقوانين لضمان سيطرة السياسيين المدنيين على المؤسسة العسكرية، وتمثيل مباشر للمواطنين في برلمان منتخب، وصحافة مستقلة إلى حد كبير.

كما ساهمت الهند في تطوير جهاز تعليمي جيد، طورته الهند المستقلة في سلسلة من الجامعات المتقدمة. الحقبة الاستعمارية البريطانية تركت ورائها في الهند المستقلة أحدى أكبر شبكات سكك الحديد في العالم، ما أدى إلى ربط مدن وولايات هذه الدولة الشاسعة ببعضها البعض اقتصاديا واجتماعيا. حقيقة أن مئات الملايين من الهنود يتقنون اللغة الإنكليزية كان له أهمية كبيرة في عمل البيروقراطية الهندية، وتأهيل ملايين الهنود للتنافس في العالم. 

الفيلسوف كارل ماركس، الذي انتقد الاستعمار البريطاني في الهند بقسوة بالغة قال في مقال بعنوان "الحكم البريطاني في الهند" ونشره في صحيفة نيويورك هيرالد تريبيون في 1853 أن "الثورة الاجتماعية" التي خلقها الاستعمار البريطاني في الهند لخدمة "مصالحه الشريرة" يمكن أن تؤدي بشكل غير مباشر إلى ثورة جوهرية في آسيا تقوض مجتمع مبني على الغيبيات والجمود والعبودية والتخلف والطبقات Castes التي تمنع شريحة من المواطنين من تغيير ظروفها الاقتصادية والاجتماعية.

ويضيف ماركس أنه بغض النظر عن جرائم بريطانيا في الهند، إلا أنها يمكن أن تكون "الاسلوب غير الواعي للتاريخ الذي يمكن أن يحقق هذه الثورة". 

الحديث عن التركة الاستعمارية البريطانية – أو الاستعمارية بشكل عام – يجب أن لا يمر دون ذكر النقاش القديم- الجديد في المستعمرات السابقة لدول مثل بريطانيا وفرنسا، وخاصة في الدول العربية التي خضعت لهذين الاستعمارين، حول هوية الأطراف المسؤولة عن الاوضاع الكارثية أو شبه الكارثية التي تسود دول مثل العراق وسوريا ومصر ولبنان واليمن والجزائر والسودان وغيرها.

أجيال من السياسيين المحترفين والمثقفين والأكاديميين خلال حقبة الاستقلال السياسي يبررون أوضاعهم المزرية بلوم الاستعمار وارثه. بعض هذه الدول حصلت على استقلالها في أربعينات القرن الماضي، وبدلا من أن تطور حكوماتها وطبقاتها السياسية بعض المؤسسات التي تركها الاستعمار البريطاني والفرنسي على سبيل المثال في مصر والعراق وسوريا ولبنان مثل البرلمانات والأنظمة القضائية المستقلة، وسيطرة المدنيين على المؤسسة العسكرية، والأحزاب السياسية المختلفة والصحافة المستقلة ولو نسبيا، فإنها عملت على تقويضها أو إفسادها أو محاولة استخدامها كأدوات لقمع أو ترهيب خصومها. 

صحيح أن بريطانيا وفرنسا لم تتركا ورائهما أنظمة ومؤسسات ديموقراطية متطورة للغاية، وهذا بدوره يتطلب مجتمعات متقدمة تعليميا وإداريا واقتصاديا، ولكنها تركت ورائها نواة وتقاليد ومؤسسات كانت قادرة، نظريا على الأقل، على تطوير حكم سياسي تمثيلي وشرعي. الحكومات السياسية الفاسدة والأنظمة العسكرية القمعية التي تعاقبت على حكم هذه الدول، لجأت إلى تعميق الاستقطابات والانقسامات الدينية والمذهبية والاثنية لحماية مصالحها الضيقة وضمان بقائها في الحكم حتى ولو حولت دولها إلى أرض يباب وحقول للقتل الجماعي كما رأينا في بعض هذه الدول في العقود الماضية.

الأنظمة الملكية في العراق ومصر، والعائلات السياسية النافذة التي وصلت إلى الحكم في لبنان وسوريا بعد الاستقلال، لم تحكم هذه الدول بشكل مطلق، وكان للبرلمانات ولجانها دور، ولو محدود في مسائلة الحكومات والوزراء، وكانت هناك سجالات سياسية وحزبية في البرلمانات والصحف. ولم تشهد هذه الدول قبل حقبة الانقلابات العسكرية وبروز الحركات الإسلامية المتشددة، أي اعمال عنف جماعي منظم من قبل الحكومات. 

على البريطانيين وغيرهم من أصحاب الإرث الاستعماري في أوروبا مناقشة تاريخهم بصراحة وصدقية، وعلى الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار، ثم حصلت على استقلالها السياسي، أن تلجأ إلى معالجة نقدية ولو مؤلمة إلى مسؤولية طبقاتها السياسية والثقافية عن إخفاقها التاريخي في تطوير تلك البنى والمؤسسات السياسية والتمثيلية والتعليمية والقضائية غير الكاملة التي تركها الاستعمار، إلى مؤسسات فعالة وصحية وقابلة للحياة والتقدم والازدهار. التحجج بلوم الاستعمار بعد أكثر من 75 سنة على رحيله، وتحميله مسؤولية البؤس الحالي لمعظم المجتمعات العربية، هو قمة نكران المسؤولية، وأبشع إهانة لذكاء وإنسانية مواطني هذه الدول. 
 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!