كانت هناك استثناءات لردود الفعل الإيجابية والمتعاطفة مع وفاة الملكة إليزابيث الثانية
كانت هناك استثناءات لردود الفعل الإيجابية والمتعاطفة مع وفاة الملكة إليزابيث الثانية

تميزت معظم ردود الفعل الرسمية العالمية على وفاة الملكة إليزابيث الثانية التي جلست على عرش المملكة المتحدة لمدة سبعين سنة، بالحزن ومواساة رعاياها، واعتبار الحدث على أنه نهاية لمرحلة انتقالية تاريخية أدت من جملة ما أدت إليه إلى تفكيك الحقبة الإمبريالية-الاستعمارية لأكبر وأهم امبراطورية في الألفية الماضية.

ردود الفعل الأوروبية والأميركية حفلت بالثناء والمديح على حكمة وشخصية الملكة إليزابيث وحنكتها في إدارة الأزمات التي تعرضت لها المملكة المتحدة خلال حقبتها الطويلة، وكذلك إدارتها للتحديات والفضائح التي جابهتها العائلة المالكة وخاصة تسعينات القرن الماضي، حين وصفت الملكة إليزابيث سنة 1992 "بالسنة الرهيبة" مستخدمة العبارة باللغة اللاتينية "Annus horribilis". 

ولكن كانت هناك استثناءات لردود الفعل الايجابية والمتعاطفة، عبّر عنها عدد من المؤرخين والمحللين والأكاديميين وخاصة أولئك الذين ولدوا في الدول التي استعمرتها أو هيمنت عليها بريطانيا لأجيال وحتى قرون، والتي استغلت مواردها الطبيعية والبشرية لبناء الإمبراطورية التي وصفت في القرن التاسع عشر بأنها "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس".  

في ذروة قوتها في سنة 1921 كانت بريطانيا تحكم أكثر من  570 مليون نسمة يعيشون فوق أراض مساحتها 14 مليون ميل مربع، أي حوالي ربع الكوكب.

هؤلاء استخدموا وسائل الاتصال الاجتماعي لتذكير البريطانيين والعالم بالتركة الاستعمارية البريطانية ونهب ثروات الهند والقارة الأفريقية، ودور المملكة المتحدة في الإتجار بالعبيد واختطاف الملايين ونقلهم عبر المحيط الأطلسي لاستعبادهم في صناعة السكر في منطقة البحر الكاريبي.

تراوحت ردود فعل هؤلاء بين الترحيب بوفاة إليزابيث الثانية واتهامها بأنها حاولت إطالة عمر الحقبة الاستعمارية، وبين المطالبة بالتعويضات للشعوب التي عانت من الاستعمار أو الاعتذار عن الحقبة الإمبريالية. أحد الإعلاميين في الأرجنتين احتفل بوفاة الملكة إليزابيث بفتح قنينة الشمبانيا خلال برنامج تلفزيوني كان يبث مباشرة، وناعتا الملكة قبل دفنها بأبشع النعوت.

طبعا الإعلامي الأرجنتيني كان "ينتقم" من البريطانيين وملكتهم بسبب الهزيمة التي منيت بها الأرجنتين في حربها الأخيرة مع بريطانيا في 1982 حول ملكية جزر المالفيناز/ الفولكلاندز . 

وفاة إليزابيث الثانية، يجب أن تكون مناسبة لمراجعة موضوعية للإمبريالية البريطانية، لأنها الملكة التي تم خلال عهدها الطويل تفكيك الإمبراطورية البريطانية، والتي تغير فيها المجتمع البريطاني ديموغرافيا وثقافيا واجتماعيا بشكل جذري لم يحدث أن تغير فيها بهذا الشكل في أي حقبة سابقة في تاريخ المملكة المتحدة. ممتلكات بريطانيا في العالم اليوم لا تتعدى بضعة جزر صغيرة، كما أن منظمة دول الكومنويلث، التي أسستها بريطانيا للحفاظ على نفوذها في العالم بعد نهاية الإمبراطورية فقدت الكثير من نفوذها، وهي مهددة بالتفكك لأن بعض الدول المنضوية تحتها سوف تعلن انسحابها منها بعد رحيل إليزابيث الثانية.

عند تنصيب إليزابيث الثانية ملكة على بريطانيا في 1952  كان واحد من بين كل 200 مواطن بريطاني يعتبر من الملونين. ولكن وفقا لإحصاء السكان في 2011 هناك واحد من كل سبعة مواطنين بريطانيين يصنف من الملونين. آنذاك كانت بريطانيا تسيطر أو تهيمن على سبعين منطقة أو مستعمرة في العالم. في 1997 حين أعادت بريطانيا هونغ كونغ إلى الصين بعد أن سيطرت عليها لحوالي قرن من الزمن، كان ذلك مؤشرا على نهاية الحقبة الإمبريالية البريطانية. طبعا، تم تتويج إليزابيث الثانية، بعد 5 سنوات من استقلال الهند (والانقسام الدموي لشبه القارة الهندية بين الهند وباكستان) حيث كانت الهند تعتبر جوهرة التاج البريطاني.

مؤرخو الحقبة الاستعمارية الأوروبية يلتقون على أن الاستعمار البريطاني، على الرغم من قسوته وبطشه واستغلاله للموارد الطبيعية والبشرية في الدول التي حكمها، لم يكن بقسوة وفظاعة الاستعمار الفرنسي، وخاصة في دولة مثل الجزائر، أو الاستعمار البلجيكي في الكونغو، أو الاستعمار البرتغالي في أنغولا أو موزامبيق. كما أن بريطانيا ليست من بين أوائل الدول التي ارتكبت أكبر جرائم القتل الجماعي أو حروب الإبادة في القرن العشرين.  هذا "الشرف" يعطى لألمانيا النازية، والاتحاد السوفياتي خلال حقبة ستالين، أو حقبة ماو تسي تونغ في الصين، أو الاستعمار الياباني للصين وغيرها من الدول الآسيوية خلال حكم الإمبراطور هيروهيتو قبل وخلال الحرب العالمية الثانية.

خلال العقد الماضي ارتفعت أصوات عديدة في بريطانيا ومستعمراتها السابقة تدعو لتعويض ضحايا الاستعمار البريطاني وتطالب باعتذار حقيقي وصادق عن الحقبة الاستعمارية وفظاعاتها والتعامل مع مخلفاتها التي تنعكس على سياسات التمييز في العمالة والتعليم التي يتعرض لها ملايين المواطنين البريطانيين المتحدرين من مهاجرين من مستعمرات بريطانيا في أفريقيا وفي جنوب آسيا.

وفي 2013، وفي خطوة غير مسبوقة وافقت الحكومة البريطانية على تعويض آلاف المواطنين المسنين في كينيا من الذين تعرضوا للتعذيب خلال حقبة الاستعمار البريطاني، وكذلك تقديم اعتذار رسمي لهؤلاء الضحايا. صحيح أن قيمة التعويض على انتهاكات حقوق الانسان في كينيا لم تتعد 30 مليون دولار أميركي، إلا أن أهمية التعويض تكمن في رمزيته وكونه خطوة غير مسبوقة.

وفي سنة 2014 تقدمت 15 دولة في منطقة البحر الكاريبي التي شهدت أبشع ممارسات الاستعباد خلال الاستعمار البريطاني بخطة للحصول على تعويضات من الحكومة البريطانية. أكثرية البريطانيين وكذلك أكثرية الأوروبيين يعارضون توفير التعويض المالي لضحايا الاستعمار أو للمتحدرين من ضحايا الاستعمار. وكان من اللافت أنه بعد الحركة الاحتجاجية في الولايات المتحدة بعد جريمة قتل جورج فلويد الأميركي من أصل أفريقي على أيدي رجال الشرطة، برزت حركة مماثلة في بريطانيا، سرعان ما تحولت إلى نقاش مفتوح حول ضرورة إجراء محاسبة تاريخية لمسؤولية بريطانيا عن ممارساتها الاستعمارية ودورها في اختطاف ونقل الملايين من أفريقيا واستعبادهم في منطقة البحر الكاريبي.

وخلال هذه الاحتجاجات قام المتظاهرون بتحطيم التماثيل التي تمجد تلك الشخصيات التي ساهمت في الاستعباد أو في التنظير وتبرير سياسات الاستعمار في أفريقيا مثل سيسيل رودس (الذي أعطي اسمه لروديسيا، زيمبابوي الحالية)، تمام كما كان المتظاهرون الأميركيون يطالبون أو يحطمون تماثيل الشخصيات التي دافعت عن كونفدرالية الولايات الجنوبية التي انفصلت وحاربت الحكومة الفدرالية للحفاظ على مؤسسة العبودية خلال الحرب الأهلية. 

خلال حقبة الملك الجديد تشارلز الثالث، سوف نرى محاولات جديدة لإلقاء نظرة نقدية حقيقية ومؤلمة للتاريخ الاستعماري البريطاني، خاصة وأن الملك الجديد وولديه الأميرين وليام وهاري كانوا قد أشاروا في السابق إلى ضرورة مثل هذه النظرة النقدية والمصارحة. وقبل تنصيبه ملكا، وخلال مؤتمر لدول الكومنويلث عقد في رواندا قبل أشهر، دعا الأمير تشارلز إلى الاعتراف "بالأخطاء التي صاحبت تاريخنا. لقد حان الوقت لنقاش حول تاريخ العبودية".  من جهته قال الأمير وليام في السنة الماضية خلال جولة في بحر الكاريبي "إن الفظاعات المرّوعة للعبودية لطّخت تاريخنا إلى الأبد".

الدراسات الأكاديمية الجديدة لتاريخ الحقبة الاستعمارية البريطانية تبين أن بريطانيا نجحت في السابق في رسم تاريخها الاستعماري بأنه كان أكثر تسامحا أو ليبرالية من الممارسات الاستعمارية للدول الأوروبية الأخرى. في كتابها "إرث من العنف: تاريخ الإمبراطورية البريطانية" توثق المؤرخة كارولاين ألكينز استنادا إلى وثائق جديدة أن البريطانيين طوروا أساليب قمع قاسية في مستعمرات معينة قبل نقلها واستخدامها في مستعمرات أخرى في جميع أنحاء الإمبراطورية. وعلى سبيل المثال استخدام العربات المسلحة في أيرلندا، والمهارات التي اكتسبها الطيارون البريطانيون في الغارات والقصف الجوي للقرى في العراق، ومن جنوب أفريقيا جلبوا أسلوب استخدام الكلاب المدربة لقمع التظاهرات، ومن الهند أساليب الاستنطاق القاسية والسجن الانفرادي، ومن شمال الهند استخدام المدنيين للتخلص من حقول الألغام.

في فلسطين لجأ البريطانيون كثيرا إلى أسلوب الغارات الليلية، ووضع المعتقلين في أقفاص كبيرة وفي العلن، ومن أبشع هذه الأساليب كان نسف المنازل. هذه الأساليب التي استخدمت بكثافة في فلسطين، وفقا للمؤرخة ألكينز، نقلت لاحقا إلى عدن، وبعدها إلى كينيا، وشمال روديسيا، وقبرص. اللافت، أن اسرائيل تستخدم معظم هذه الأساليب التي طورها واعتمد عليها الاستعمار البريطاني، في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ1967.

هذا التاريخ الاستعماري البريطاني، يجب أن لا يطمس حقيقة أن الحقبة الاستعمارية وخاصة في الهند لم تكن كلها قاتمة ووحشية، بل أدت - في معظم الأحيان بشكل غير مقصود- إلى نتائج إيجابية. الاستعمار البريطاني خلق في الهند خدمة مدنية وبيروقراطية إدارية كانت هامة لإدارة دولة ضخمة بمساحتها وعدد سكانها بعد الاستقلال. الحقبة الاستعمارية خلقت نواة نظام قضائي مستقل، وقوانين لضمان سيطرة السياسيين المدنيين على المؤسسة العسكرية، وتمثيل مباشر للمواطنين في برلمان منتخب، وصحافة مستقلة إلى حد كبير.

كما ساهمت الهند في تطوير جهاز تعليمي جيد، طورته الهند المستقلة في سلسلة من الجامعات المتقدمة. الحقبة الاستعمارية البريطانية تركت ورائها في الهند المستقلة أحدى أكبر شبكات سكك الحديد في العالم، ما أدى إلى ربط مدن وولايات هذه الدولة الشاسعة ببعضها البعض اقتصاديا واجتماعيا. حقيقة أن مئات الملايين من الهنود يتقنون اللغة الإنكليزية كان له أهمية كبيرة في عمل البيروقراطية الهندية، وتأهيل ملايين الهنود للتنافس في العالم. 

الفيلسوف كارل ماركس، الذي انتقد الاستعمار البريطاني في الهند بقسوة بالغة قال في مقال بعنوان "الحكم البريطاني في الهند" ونشره في صحيفة نيويورك هيرالد تريبيون في 1853 أن "الثورة الاجتماعية" التي خلقها الاستعمار البريطاني في الهند لخدمة "مصالحه الشريرة" يمكن أن تؤدي بشكل غير مباشر إلى ثورة جوهرية في آسيا تقوض مجتمع مبني على الغيبيات والجمود والعبودية والتخلف والطبقات Castes التي تمنع شريحة من المواطنين من تغيير ظروفها الاقتصادية والاجتماعية.

ويضيف ماركس أنه بغض النظر عن جرائم بريطانيا في الهند، إلا أنها يمكن أن تكون "الاسلوب غير الواعي للتاريخ الذي يمكن أن يحقق هذه الثورة". 

الحديث عن التركة الاستعمارية البريطانية – أو الاستعمارية بشكل عام – يجب أن لا يمر دون ذكر النقاش القديم- الجديد في المستعمرات السابقة لدول مثل بريطانيا وفرنسا، وخاصة في الدول العربية التي خضعت لهذين الاستعمارين، حول هوية الأطراف المسؤولة عن الاوضاع الكارثية أو شبه الكارثية التي تسود دول مثل العراق وسوريا ومصر ولبنان واليمن والجزائر والسودان وغيرها.

أجيال من السياسيين المحترفين والمثقفين والأكاديميين خلال حقبة الاستقلال السياسي يبررون أوضاعهم المزرية بلوم الاستعمار وارثه. بعض هذه الدول حصلت على استقلالها في أربعينات القرن الماضي، وبدلا من أن تطور حكوماتها وطبقاتها السياسية بعض المؤسسات التي تركها الاستعمار البريطاني والفرنسي على سبيل المثال في مصر والعراق وسوريا ولبنان مثل البرلمانات والأنظمة القضائية المستقلة، وسيطرة المدنيين على المؤسسة العسكرية، والأحزاب السياسية المختلفة والصحافة المستقلة ولو نسبيا، فإنها عملت على تقويضها أو إفسادها أو محاولة استخدامها كأدوات لقمع أو ترهيب خصومها. 

صحيح أن بريطانيا وفرنسا لم تتركا ورائهما أنظمة ومؤسسات ديموقراطية متطورة للغاية، وهذا بدوره يتطلب مجتمعات متقدمة تعليميا وإداريا واقتصاديا، ولكنها تركت ورائها نواة وتقاليد ومؤسسات كانت قادرة، نظريا على الأقل، على تطوير حكم سياسي تمثيلي وشرعي. الحكومات السياسية الفاسدة والأنظمة العسكرية القمعية التي تعاقبت على حكم هذه الدول، لجأت إلى تعميق الاستقطابات والانقسامات الدينية والمذهبية والاثنية لحماية مصالحها الضيقة وضمان بقائها في الحكم حتى ولو حولت دولها إلى أرض يباب وحقول للقتل الجماعي كما رأينا في بعض هذه الدول في العقود الماضية.

الأنظمة الملكية في العراق ومصر، والعائلات السياسية النافذة التي وصلت إلى الحكم في لبنان وسوريا بعد الاستقلال، لم تحكم هذه الدول بشكل مطلق، وكان للبرلمانات ولجانها دور، ولو محدود في مسائلة الحكومات والوزراء، وكانت هناك سجالات سياسية وحزبية في البرلمانات والصحف. ولم تشهد هذه الدول قبل حقبة الانقلابات العسكرية وبروز الحركات الإسلامية المتشددة، أي اعمال عنف جماعي منظم من قبل الحكومات. 

على البريطانيين وغيرهم من أصحاب الإرث الاستعماري في أوروبا مناقشة تاريخهم بصراحة وصدقية، وعلى الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار، ثم حصلت على استقلالها السياسي، أن تلجأ إلى معالجة نقدية ولو مؤلمة إلى مسؤولية طبقاتها السياسية والثقافية عن إخفاقها التاريخي في تطوير تلك البنى والمؤسسات السياسية والتمثيلية والتعليمية والقضائية غير الكاملة التي تركها الاستعمار، إلى مؤسسات فعالة وصحية وقابلة للحياة والتقدم والازدهار. التحجج بلوم الاستعمار بعد أكثر من 75 سنة على رحيله، وتحميله مسؤولية البؤس الحالي لمعظم المجتمعات العربية، هو قمة نكران المسؤولية، وأبشع إهانة لذكاء وإنسانية مواطني هذه الدول. 
 

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.