تميزت معظم ردود الفعل الرسمية العالمية على وفاة الملكة إليزابيث الثانية التي جلست على عرش المملكة المتحدة لمدة سبعين سنة، بالحزن ومواساة رعاياها، واعتبار الحدث على أنه نهاية لمرحلة انتقالية تاريخية أدت من جملة ما أدت إليه إلى تفكيك الحقبة الإمبريالية-الاستعمارية لأكبر وأهم امبراطورية في الألفية الماضية.
ردود الفعل الأوروبية والأميركية حفلت بالثناء والمديح على حكمة وشخصية الملكة إليزابيث وحنكتها في إدارة الأزمات التي تعرضت لها المملكة المتحدة خلال حقبتها الطويلة، وكذلك إدارتها للتحديات والفضائح التي جابهتها العائلة المالكة وخاصة تسعينات القرن الماضي، حين وصفت الملكة إليزابيث سنة 1992 "بالسنة الرهيبة" مستخدمة العبارة باللغة اللاتينية "Annus horribilis".
ولكن كانت هناك استثناءات لردود الفعل الايجابية والمتعاطفة، عبّر عنها عدد من المؤرخين والمحللين والأكاديميين وخاصة أولئك الذين ولدوا في الدول التي استعمرتها أو هيمنت عليها بريطانيا لأجيال وحتى قرون، والتي استغلت مواردها الطبيعية والبشرية لبناء الإمبراطورية التي وصفت في القرن التاسع عشر بأنها "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس".
في ذروة قوتها في سنة 1921 كانت بريطانيا تحكم أكثر من 570 مليون نسمة يعيشون فوق أراض مساحتها 14 مليون ميل مربع، أي حوالي ربع الكوكب.
هؤلاء استخدموا وسائل الاتصال الاجتماعي لتذكير البريطانيين والعالم بالتركة الاستعمارية البريطانية ونهب ثروات الهند والقارة الأفريقية، ودور المملكة المتحدة في الإتجار بالعبيد واختطاف الملايين ونقلهم عبر المحيط الأطلسي لاستعبادهم في صناعة السكر في منطقة البحر الكاريبي.
تراوحت ردود فعل هؤلاء بين الترحيب بوفاة إليزابيث الثانية واتهامها بأنها حاولت إطالة عمر الحقبة الاستعمارية، وبين المطالبة بالتعويضات للشعوب التي عانت من الاستعمار أو الاعتذار عن الحقبة الإمبريالية. أحد الإعلاميين في الأرجنتين احتفل بوفاة الملكة إليزابيث بفتح قنينة الشمبانيا خلال برنامج تلفزيوني كان يبث مباشرة، وناعتا الملكة قبل دفنها بأبشع النعوت.
طبعا الإعلامي الأرجنتيني كان "ينتقم" من البريطانيين وملكتهم بسبب الهزيمة التي منيت بها الأرجنتين في حربها الأخيرة مع بريطانيا في 1982 حول ملكية جزر المالفيناز/ الفولكلاندز .
وفاة إليزابيث الثانية، يجب أن تكون مناسبة لمراجعة موضوعية للإمبريالية البريطانية، لأنها الملكة التي تم خلال عهدها الطويل تفكيك الإمبراطورية البريطانية، والتي تغير فيها المجتمع البريطاني ديموغرافيا وثقافيا واجتماعيا بشكل جذري لم يحدث أن تغير فيها بهذا الشكل في أي حقبة سابقة في تاريخ المملكة المتحدة. ممتلكات بريطانيا في العالم اليوم لا تتعدى بضعة جزر صغيرة، كما أن منظمة دول الكومنويلث، التي أسستها بريطانيا للحفاظ على نفوذها في العالم بعد نهاية الإمبراطورية فقدت الكثير من نفوذها، وهي مهددة بالتفكك لأن بعض الدول المنضوية تحتها سوف تعلن انسحابها منها بعد رحيل إليزابيث الثانية.
عند تنصيب إليزابيث الثانية ملكة على بريطانيا في 1952 كان واحد من بين كل 200 مواطن بريطاني يعتبر من الملونين. ولكن وفقا لإحصاء السكان في 2011 هناك واحد من كل سبعة مواطنين بريطانيين يصنف من الملونين. آنذاك كانت بريطانيا تسيطر أو تهيمن على سبعين منطقة أو مستعمرة في العالم. في 1997 حين أعادت بريطانيا هونغ كونغ إلى الصين بعد أن سيطرت عليها لحوالي قرن من الزمن، كان ذلك مؤشرا على نهاية الحقبة الإمبريالية البريطانية. طبعا، تم تتويج إليزابيث الثانية، بعد 5 سنوات من استقلال الهند (والانقسام الدموي لشبه القارة الهندية بين الهند وباكستان) حيث كانت الهند تعتبر جوهرة التاج البريطاني.
مؤرخو الحقبة الاستعمارية الأوروبية يلتقون على أن الاستعمار البريطاني، على الرغم من قسوته وبطشه واستغلاله للموارد الطبيعية والبشرية في الدول التي حكمها، لم يكن بقسوة وفظاعة الاستعمار الفرنسي، وخاصة في دولة مثل الجزائر، أو الاستعمار البلجيكي في الكونغو، أو الاستعمار البرتغالي في أنغولا أو موزامبيق. كما أن بريطانيا ليست من بين أوائل الدول التي ارتكبت أكبر جرائم القتل الجماعي أو حروب الإبادة في القرن العشرين. هذا "الشرف" يعطى لألمانيا النازية، والاتحاد السوفياتي خلال حقبة ستالين، أو حقبة ماو تسي تونغ في الصين، أو الاستعمار الياباني للصين وغيرها من الدول الآسيوية خلال حكم الإمبراطور هيروهيتو قبل وخلال الحرب العالمية الثانية.
خلال العقد الماضي ارتفعت أصوات عديدة في بريطانيا ومستعمراتها السابقة تدعو لتعويض ضحايا الاستعمار البريطاني وتطالب باعتذار حقيقي وصادق عن الحقبة الاستعمارية وفظاعاتها والتعامل مع مخلفاتها التي تنعكس على سياسات التمييز في العمالة والتعليم التي يتعرض لها ملايين المواطنين البريطانيين المتحدرين من مهاجرين من مستعمرات بريطانيا في أفريقيا وفي جنوب آسيا.
وفي 2013، وفي خطوة غير مسبوقة وافقت الحكومة البريطانية على تعويض آلاف المواطنين المسنين في كينيا من الذين تعرضوا للتعذيب خلال حقبة الاستعمار البريطاني، وكذلك تقديم اعتذار رسمي لهؤلاء الضحايا. صحيح أن قيمة التعويض على انتهاكات حقوق الانسان في كينيا لم تتعد 30 مليون دولار أميركي، إلا أن أهمية التعويض تكمن في رمزيته وكونه خطوة غير مسبوقة.
وفي سنة 2014 تقدمت 15 دولة في منطقة البحر الكاريبي التي شهدت أبشع ممارسات الاستعباد خلال الاستعمار البريطاني بخطة للحصول على تعويضات من الحكومة البريطانية. أكثرية البريطانيين وكذلك أكثرية الأوروبيين يعارضون توفير التعويض المالي لضحايا الاستعمار أو للمتحدرين من ضحايا الاستعمار. وكان من اللافت أنه بعد الحركة الاحتجاجية في الولايات المتحدة بعد جريمة قتل جورج فلويد الأميركي من أصل أفريقي على أيدي رجال الشرطة، برزت حركة مماثلة في بريطانيا، سرعان ما تحولت إلى نقاش مفتوح حول ضرورة إجراء محاسبة تاريخية لمسؤولية بريطانيا عن ممارساتها الاستعمارية ودورها في اختطاف ونقل الملايين من أفريقيا واستعبادهم في منطقة البحر الكاريبي.
وخلال هذه الاحتجاجات قام المتظاهرون بتحطيم التماثيل التي تمجد تلك الشخصيات التي ساهمت في الاستعباد أو في التنظير وتبرير سياسات الاستعمار في أفريقيا مثل سيسيل رودس (الذي أعطي اسمه لروديسيا، زيمبابوي الحالية)، تمام كما كان المتظاهرون الأميركيون يطالبون أو يحطمون تماثيل الشخصيات التي دافعت عن كونفدرالية الولايات الجنوبية التي انفصلت وحاربت الحكومة الفدرالية للحفاظ على مؤسسة العبودية خلال الحرب الأهلية.
خلال حقبة الملك الجديد تشارلز الثالث، سوف نرى محاولات جديدة لإلقاء نظرة نقدية حقيقية ومؤلمة للتاريخ الاستعماري البريطاني، خاصة وأن الملك الجديد وولديه الأميرين وليام وهاري كانوا قد أشاروا في السابق إلى ضرورة مثل هذه النظرة النقدية والمصارحة. وقبل تنصيبه ملكا، وخلال مؤتمر لدول الكومنويلث عقد في رواندا قبل أشهر، دعا الأمير تشارلز إلى الاعتراف "بالأخطاء التي صاحبت تاريخنا. لقد حان الوقت لنقاش حول تاريخ العبودية". من جهته قال الأمير وليام في السنة الماضية خلال جولة في بحر الكاريبي "إن الفظاعات المرّوعة للعبودية لطّخت تاريخنا إلى الأبد".
الدراسات الأكاديمية الجديدة لتاريخ الحقبة الاستعمارية البريطانية تبين أن بريطانيا نجحت في السابق في رسم تاريخها الاستعماري بأنه كان أكثر تسامحا أو ليبرالية من الممارسات الاستعمارية للدول الأوروبية الأخرى. في كتابها "إرث من العنف: تاريخ الإمبراطورية البريطانية" توثق المؤرخة كارولاين ألكينز استنادا إلى وثائق جديدة أن البريطانيين طوروا أساليب قمع قاسية في مستعمرات معينة قبل نقلها واستخدامها في مستعمرات أخرى في جميع أنحاء الإمبراطورية. وعلى سبيل المثال استخدام العربات المسلحة في أيرلندا، والمهارات التي اكتسبها الطيارون البريطانيون في الغارات والقصف الجوي للقرى في العراق، ومن جنوب أفريقيا جلبوا أسلوب استخدام الكلاب المدربة لقمع التظاهرات، ومن الهند أساليب الاستنطاق القاسية والسجن الانفرادي، ومن شمال الهند استخدام المدنيين للتخلص من حقول الألغام.
في فلسطين لجأ البريطانيون كثيرا إلى أسلوب الغارات الليلية، ووضع المعتقلين في أقفاص كبيرة وفي العلن، ومن أبشع هذه الأساليب كان نسف المنازل. هذه الأساليب التي استخدمت بكثافة في فلسطين، وفقا للمؤرخة ألكينز، نقلت لاحقا إلى عدن، وبعدها إلى كينيا، وشمال روديسيا، وقبرص. اللافت، أن اسرائيل تستخدم معظم هذه الأساليب التي طورها واعتمد عليها الاستعمار البريطاني، في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ1967.
هذا التاريخ الاستعماري البريطاني، يجب أن لا يطمس حقيقة أن الحقبة الاستعمارية وخاصة في الهند لم تكن كلها قاتمة ووحشية، بل أدت - في معظم الأحيان بشكل غير مقصود- إلى نتائج إيجابية. الاستعمار البريطاني خلق في الهند خدمة مدنية وبيروقراطية إدارية كانت هامة لإدارة دولة ضخمة بمساحتها وعدد سكانها بعد الاستقلال. الحقبة الاستعمارية خلقت نواة نظام قضائي مستقل، وقوانين لضمان سيطرة السياسيين المدنيين على المؤسسة العسكرية، وتمثيل مباشر للمواطنين في برلمان منتخب، وصحافة مستقلة إلى حد كبير.
كما ساهمت الهند في تطوير جهاز تعليمي جيد، طورته الهند المستقلة في سلسلة من الجامعات المتقدمة. الحقبة الاستعمارية البريطانية تركت ورائها في الهند المستقلة أحدى أكبر شبكات سكك الحديد في العالم، ما أدى إلى ربط مدن وولايات هذه الدولة الشاسعة ببعضها البعض اقتصاديا واجتماعيا. حقيقة أن مئات الملايين من الهنود يتقنون اللغة الإنكليزية كان له أهمية كبيرة في عمل البيروقراطية الهندية، وتأهيل ملايين الهنود للتنافس في العالم.
الفيلسوف كارل ماركس، الذي انتقد الاستعمار البريطاني في الهند بقسوة بالغة قال في مقال بعنوان "الحكم البريطاني في الهند" ونشره في صحيفة نيويورك هيرالد تريبيون في 1853 أن "الثورة الاجتماعية" التي خلقها الاستعمار البريطاني في الهند لخدمة "مصالحه الشريرة" يمكن أن تؤدي بشكل غير مباشر إلى ثورة جوهرية في آسيا تقوض مجتمع مبني على الغيبيات والجمود والعبودية والتخلف والطبقات Castes التي تمنع شريحة من المواطنين من تغيير ظروفها الاقتصادية والاجتماعية.
ويضيف ماركس أنه بغض النظر عن جرائم بريطانيا في الهند، إلا أنها يمكن أن تكون "الاسلوب غير الواعي للتاريخ الذي يمكن أن يحقق هذه الثورة".
الحديث عن التركة الاستعمارية البريطانية – أو الاستعمارية بشكل عام – يجب أن لا يمر دون ذكر النقاش القديم- الجديد في المستعمرات السابقة لدول مثل بريطانيا وفرنسا، وخاصة في الدول العربية التي خضعت لهذين الاستعمارين، حول هوية الأطراف المسؤولة عن الاوضاع الكارثية أو شبه الكارثية التي تسود دول مثل العراق وسوريا ومصر ولبنان واليمن والجزائر والسودان وغيرها.
أجيال من السياسيين المحترفين والمثقفين والأكاديميين خلال حقبة الاستقلال السياسي يبررون أوضاعهم المزرية بلوم الاستعمار وارثه. بعض هذه الدول حصلت على استقلالها في أربعينات القرن الماضي، وبدلا من أن تطور حكوماتها وطبقاتها السياسية بعض المؤسسات التي تركها الاستعمار البريطاني والفرنسي على سبيل المثال في مصر والعراق وسوريا ولبنان مثل البرلمانات والأنظمة القضائية المستقلة، وسيطرة المدنيين على المؤسسة العسكرية، والأحزاب السياسية المختلفة والصحافة المستقلة ولو نسبيا، فإنها عملت على تقويضها أو إفسادها أو محاولة استخدامها كأدوات لقمع أو ترهيب خصومها.
صحيح أن بريطانيا وفرنسا لم تتركا ورائهما أنظمة ومؤسسات ديموقراطية متطورة للغاية، وهذا بدوره يتطلب مجتمعات متقدمة تعليميا وإداريا واقتصاديا، ولكنها تركت ورائها نواة وتقاليد ومؤسسات كانت قادرة، نظريا على الأقل، على تطوير حكم سياسي تمثيلي وشرعي. الحكومات السياسية الفاسدة والأنظمة العسكرية القمعية التي تعاقبت على حكم هذه الدول، لجأت إلى تعميق الاستقطابات والانقسامات الدينية والمذهبية والاثنية لحماية مصالحها الضيقة وضمان بقائها في الحكم حتى ولو حولت دولها إلى أرض يباب وحقول للقتل الجماعي كما رأينا في بعض هذه الدول في العقود الماضية.
الأنظمة الملكية في العراق ومصر، والعائلات السياسية النافذة التي وصلت إلى الحكم في لبنان وسوريا بعد الاستقلال، لم تحكم هذه الدول بشكل مطلق، وكان للبرلمانات ولجانها دور، ولو محدود في مسائلة الحكومات والوزراء، وكانت هناك سجالات سياسية وحزبية في البرلمانات والصحف. ولم تشهد هذه الدول قبل حقبة الانقلابات العسكرية وبروز الحركات الإسلامية المتشددة، أي اعمال عنف جماعي منظم من قبل الحكومات.
على البريطانيين وغيرهم من أصحاب الإرث الاستعماري في أوروبا مناقشة تاريخهم بصراحة وصدقية، وعلى الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار، ثم حصلت على استقلالها السياسي، أن تلجأ إلى معالجة نقدية ولو مؤلمة إلى مسؤولية طبقاتها السياسية والثقافية عن إخفاقها التاريخي في تطوير تلك البنى والمؤسسات السياسية والتمثيلية والتعليمية والقضائية غير الكاملة التي تركها الاستعمار، إلى مؤسسات فعالة وصحية وقابلة للحياة والتقدم والازدهار. التحجج بلوم الاستعمار بعد أكثر من 75 سنة على رحيله، وتحميله مسؤولية البؤس الحالي لمعظم المجتمعات العربية، هو قمة نكران المسؤولية، وأبشع إهانة لذكاء وإنسانية مواطني هذه الدول.

