صورة لحسن البنّا في مقر لجماعة الإخوان المسلمين في القاهرة (أرشيفية)
صورة لحسن البنّا في مقر لجماعة الإخوان المسلمين في القاهرة (أرشيفية)

تطرقت في الجزء الأول من هذا المقال لموقف الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من قضايا "التكفير" و"الردة" بحسب ما جاء في الوثيقة التأسيسية للاتحاد المعروفة باسم "الميثاق الإسلامي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين".

القرضاوي أسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
حول ميثاق اتحاد علماء المسلمين (1) 
في عام 2004 أسس الدكتور، يوسف القرضاوي، كيانا تحت إسم "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" وظل يترأسه حتى عام 2014 حيث تم استبداله بالدكتور أحمد الريسوني، الذي تقدم باستقالته من رئاسة الإتحاد الشهر الماضي في أعقاب تصريحات مثيرة للجدل حول علاقة بلده المغرب بالجزائر وموريتانيا. 

وأتناول في هذا الجزء موقف الإتحاد من موضوعات وحدة الأمة الإسلامية والمرأة . 

في فصل من الميثاق تحت عنوان "وحدة الأمة الإسلامية" تمت الإشارة لأهمية نبذ الخلافات والعمل من أجل جمع صف الأمة ذلك أن "المسلمين إخوة، جمعتهم العقيدة الواحدة، والقبلة الواحدة، والإيمان بكتاب واحد، ورسول واحد، وشريعة واحدة، وأن عليهم أن يزيلوا كل العوامل المفرقة لجماعتهم".

ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية لوحدة الأمة في العمل على تحرير الأرض الإسلامية، إذ يقول الميثاق في هذا الخصوص: "وعلى المسلمين متضامنين، أن يعملوا على تحرير "الأرض الإسلامية" من غاصبيها، وفق توجه يأخذ في الحسابات المصالح الإسلامية العليا، والحاجات والمقتضيات العسكرية والاقتصادية والبشرية. وعملهم في هذا من أفضل الجهاد في سبيل الله. فمن عجز وحده عن مقاومة الغزاة، وعن تحرير أرضه، فعلى جميع المسلمين أن يعاونوه بما يستطيعون".

ويضيف "ولفلسطين، خاصة، مكان في جهاد المسلمين اليوم، فهي أرض النبوات، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وبلد المسجد الأقصى، وهي قضية كل مسلم، فعلى الأمة الإسلامية كلها: أن تعاون أهلها بكل ما يحتاجون إليه، حتى تتحرر أرضها السليبة، ويستعيد شعبها حقه، ويقيم دولته المستقلة في أرضه".

لا شك أن الحديث عن ضرورة وحدة الأمة الإسلامية يستند إلى الأساس الذي انبنت عليه دعوة الإخوان المسلمين وفق الرؤية التي وضعها المرشد المؤسس، حسن البنا، للانتقال من واقع "الاستضعاف" إلى قوة "التمكين" عبر ست مراحل، وهي المراحل التي تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المُجتمع ثم الدولة ثم الخلافة الإسلاميَّة وأخيراً "أستاذية" العالم.

ومن الملاحظ أن الميثاق قد تحدث عن تحرير الأرض الإسلامية دون تعريف ماهية تلك الأرض، إذ أنه  أشار في فقرة منفصلة إلى قضية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، وهي قضية معروفة، وهناك إجماع حولها بين المسلمين، ولكنه صمت عن توضيح  بقية الأراضي الإسلامية التي يجب تحريرها.

غير أن الباحث المدقق في أدبيات الأخوان يدرك أن معنى تحرير الأرض الإسلامية الذي يرمي إليه الميثاق هو ليس شيئا سوى "استعادة المستعمرات الإسلامية السابقة في أوروبا"، وأن وحدة الأمة تعني إقامة الكيان الإسلامي الكبير الذي سيحمل على عاتقه مسؤولية "الجهاد" من أجل استعادة تلك المستعمرات.

وهو الأمر الذي أوضحه حسن البنا دون مواربة في رسالة "إلى الشباب" التي يقول فيها: "ونريد بعد ذلك أن تعود راية الله خافقة عالية على تلك البقاع التي سعدت بالإسلام حينا من الدهر ودوى فيها صوت المؤذن بالتكبير والتهليل، ثم أراد لها نكد الطالع أن ينحسر عنها ضياؤه فتعود إلى الكفر بعد الإسلام. فالأندلس وصقلية والبلقان وجنوب إيطاليا وجزائر بحر الروم، كلها مستعمرات إسلامية يجب أن تعود إلى أحضان الإسلام، ويجب أن يعود البحر الأبيض والبحر الأحمر بحيرتين إسلاميتين كما كانتا من قبل".

إذاً، وحدة الأمة وتحرير الأرض الإسلامية بحسب هذا المفهوم تعني ضمن ما تعني استعادة البلاد التي مضت "للكفر" إلى حضن الإسلام مرة أخرى، عبر الجهاد الهجومي وذلك بعد إعداد العدة وترتيب الصفوف ووفقاً "للحاجات والمقتضيات العسكرية والاقتصادية والبشرية"، كما يقول ميثاق الاتحاد.

أما فيما يلي قضية المرأة، فإن الميثاق يقول: "إنَّ رعاية الأسرة هي أولى مهمات المرأة بلا جدال، أما فائض الوقت والجهد حين يوجد فإن المرأة تستخدمه للقيام بسائر واجباتها الاجتماعية، والواجبات يتحدد نطاقها باختلاف ظروف المرأة نفسها، واختلاف ظروف المجتمع وحاجاته وتطوره. وهو يشمل كل نشاطات المجتمع الاقتصادية والسياسية ناخبة ومرشحة، فيما عدا الإمامة العظمى".

موقف الاتحاد أعلاه يعكس تطوراً في موقف الإخوان المسلمين التأسيسي من قضية المرأة فيما يخص حق العمل والانتخاب, وهو الموقف الذي عبر عنه حسن البنا بالقول: "ما يريده دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة مردودٌ عليهم بأنَّ الرجال، وهم أكمل عقلاً من النساء، لم يحسنوا أداء هذا الحق، فكيف بالنساء وهنَّ ناقصات عقل ودين".

وهكذا فإن المرشد المؤسس يرى أن النساء "ناقصات عقل ودين" ولذا لا يجب أن يُمنحن حق الانتخاب ولا حق العمل بالمحاماة، والاتحاد يقول إن النساء يمكن أن يمنحن حق الانتخاب و يعملن في مختلف المجالات عدا الولاية الكبرى "الرئاسة". 

ونحن من جانبنا، نقول إن القرآن أوضح أن "الولاية" في الإسلام تقوم على شرطٍ واحدٍ هو "الإيمان" وليس هناك شرط سواه. وهو ما جاء في سورة التوبة: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم".

يستند دعاة رفض مشاركة المرأة في الولاية العامة على حديث "ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"، وهو حديث ورد بروايات متعددة منها: "لن يفلح قوم تملكهم امرأة"، "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"، و"لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة".

وتقول مناسبة ورود الحديث إن جماعة قدموا من بلاد فارس إلى المدينة المنورة فسألهم الرسول (ص): "من يلي أمر فارس؟ قال أحدهم: امرأة، فقال (ص) "ما أفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأة"، وهو قول لا يمكن أن نستنبط منه حُكماً نهائياً بعدم جدارة مشاركة النساء في الولاية العامة، بل يُعبِّر عن "رأي خاص" للرسول الكريم في سياق الحرب مع العدو، وهو كذلك بمثابة النبوءة السياسية بحتمية سقوط حكم فارس.

وشبيهٌ بهذا "الرأي الخاص" ما قال به الرسول الكريم في حادثة تأبير النخل التي روتها السيدة عائشة بقولها إنَّ "النبي "ص" مرَّ على قوم في رؤوس النخل، فقال : ما يصنع هؤلاء؟ قالوا : يؤبرون النخل، قال: لو تركوه لصلح، فتركوه، فشيص، فقال: ما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمر دنياكم، وما كان من أمر دينكم فإلي".  (الشي : التمر الذي لا يشتد نواهُ، وإنما يتشيَّص إذا لم تلقح النخل. و تأبير النخل إصلاحه). 

وما يؤيد قولنا هذا هو أن القرآن الكريم أثنى على "بلقيس" ملكة سبأ وهي امرأة تسلمت "ولاية كبرى" بينما ذم فرعون مصر وهو رجل، مما يدل على أن معيار التمايز في المشاركة في الولاية العامة ليس "الجنس" ولكن "الكيفية" التي تتم بها أخذ الولاية العامة.

وفي عصرنا هذا تولت العديد من النساء الحكم في دول إسلامية كبرى مثل "بنازير بوتو" في باكستان، والشيخة "حسينة واجد" في بنغلاديش، كما أن هناك نساء تولين حكم الأقاليم (وهي ولاية عامة) في السودان وحققنَّ جميعا نجاحات كبيرة لا تقل، إن لم تكن تفوق، تلك التي حققها الرجال.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.