يقيناً، في ذاكرتي ووعي، أعلم أنني "ولدت في دمشق"، أقولها مجبرةً، لامتلاكي هذه "الحقيقة" عن سواها، أكررها كلما سألني أحدهم فضولاً أو تقرباً.
في أغلب الأحيان، أردف إجابتي بسؤال لاحق، أتعرفها؟ لا عن عبث، لكن عن إدراك عميق لسياق السؤال والمشتهى خلفه. من الممكن أنهم عرفوا عن المدينة أكثر مما عرفت، وإن كانوا من غابات الأمازون أو من مناصري "دونالد ترامب".
فليكن، سأسأل في جميع الأحوال. "أتعرف المدينة؟" غالباً يكون الجواب: "من الأخبار" مع إيماءات ونظرات حزينة، دائماً ما كانت تضحكني في البداية، ضحكة مع رغبة شديدة في صفع مؤخراتهم.
كان هذا سابقاً، مؤخراً يكون الجواب مختصراً بـ : "cool!". دون أن يدفعني الفضول للتحقق من معرفة أين يكمن "الكول" في مكان ولادتي من قبل ناطقها. صفر فضول، إضافةً لمعرفتي المسبقة وراء الاستخدام الشائع لهذه الكلمة حيال أية مدينة تبعد خمس أمتار عن أوروبا الغربية.
ضمنياً، لم أعرف دمشق جيداً ولم تعرفني. لم أحب المدينة أبداً. دائماً ما كنت أتذمر من مكان بيتنا، من الجيران، من الاستغفارات الموجهة نحو شعري وأثدائي والجلد المكشوف. أشعر بالخجل عندما لا أفهم حب البعض للمدينة، وقصائد المديح والغزل المحاكة لها. رغم اعترافي ببعض الجماليات فيها أمام أشخاص لم يتورطوا في الولادة هناك، فقط على سبيل المشتهى وإقناع الذات بأنها جديرة بالحب أمام الغرباء، ولو كان كلاماً منسقاً ومتسقاً.
بديهياً، كل مدينة في العالم تحمل الوجهان؛ الجمال والقبح، وأوجه لا تقع في التصنيفات المذكورة. لكن لسببٍ ما استحضر أسوأ الأحداث وأكثرها شناعة. يقول المعالج النفسي إنها آلية دفاع لدفن مشاعر الحنين والحب تحت أكوام من الكره والازدراء. (كما يقول الأميركيون) "لم أشتر كلامه"، كيف اقتنع بـ"تحليل" معالج نفسي مرفه، لديه كل الامتيازات، أمام ذكرى صديق قضى من جراء القصف لأنه آمن بالعدالة والتغيير؟ أو آخر تحت التعذيب في قبو بارد رطب بعد أسابيع من التجويع والذل، لأنه أراد وضع علبة دواء مهربة في جيبه ليمررها للمرضى في الأماكن المحاصرة من دخول كل شيء إلا من الموت والخوف؟ "حنين؟".
يسخر أصدقائي السوريون مني عندما أعجز عن التمييز بين منطقة وأخرى، أو عندما أفاجئ باسم شارع ما للمرة الأولى وكأنه شارع في الصين. أدعي أحياناً المعرفة تجنباً لكل ما سبق، ولتخيل الأحداث والأماكن وتداخلها مع بعضها قدر الإمكان من خلال سردياتهم وقصصهم، أيضاً عيشها معهم، لضبابية سرديتي الخاصة وتلاشي أجزاء كبيرة منها من الذاكرة.
هناك، في تلك المدينة، عشت ما يقارب الـ 18 سنة. أتذكر أشباه شوارع، أشباه ذكريات، الأشخاص الذين كانوا أقرباء، أصدقاء، عشاق، ومعارف، أتذكرهم حد التشكيك بوجودهم من الأصل. أتذكرهم كأشباح وإن كان عدد منهم تحول فعلياً إلى أشباح من جراء قذيفة أو خطف أو مجزرة. تلاشي تام من الحياة كما "نراها". أتذكر منزلنا كقطعة من الفحم لأن كل ما نملك عنه الآن، مجرد صور عاهرة الدقة مأخوذة على استعجال من هاتف أحد الجيران، بعد نهبه حتى من الغبار.
قطعة من الفحم، على سطحها آثار شظايا قنابل كانت قد انفجرت عشوائياً في الأبنية المجاورة، شظايا مختلطة بأقدام المعفشين ولعابهم. في البداية رفضت رؤية الصور، مللت من الحزن المتراكم في خلايا الدماغ اللاواعية. لم يكن لدي الكثير من الخيارات، كاذبة، كان لدي خيارات لا منتهية، لكن فضلت ممارسة الاجترار. علي أن أبني ذاكرة جديدة عن المكان وإن كانت ذاكرة مُفحّمة ينبعث منها رائحة "شعيط" ذوبان البلاستيك والنايلون.
تصفحتها سريعاً، لم أشعر بشيء. لم اتذكر شيء، كما لو لم أكن.

