تقهقر للقوات الروسية في شرق أوكرانيا
تقهقر للقوات الروسية في شرق أوكرانيا

في الأيّام القليلة الماضية، لم تُحرّر القوّات الأوكرانيّة ستّة آلاف كيلومتر مربّع من أصل مائة وعشرين ألف كيلومتر مربّع احتلّها الجيش الروسي، على مراحل منذ العام 2014، فحسب بل فتحت، أيضًا ثغرة استراتيجيّة في الدعاية التي يعتمدها الكرملين ضدّ الجيش الأوكراني وضدّ معارضيه الداخليين وضدّ الغرب عمومًا والاتّحاد الأوروبي، خصوصًا. 

قبل هذا التطوّر العسكري النوعي لم يعد الصمود الأسطوري لكييف في وجه ثاني أقوى جيش في العالم يكفي، إذ إنّ كلفته على الدول الداعمة بدا أكبر بكثير من "فوائده"، ذلك أنّ الوقوف الى جانب أوكرانيا، ماديًّا ومعنويًّا ودبلوماسيًّا وسياسيًّا ومخابراتيًّا وعسكريًّا، راح يرتد سلبًا على البنى الاقتصاديّة والماليّة والإجتماعيّة والكيانيّة للاتّحاد الأوروبي، من دون أن يحقّق النتائج المرجوّة منه. 

وفيما كانت الجبهات شبه جامدة، كانت الدعاية الروسيّة ناشطة جدًّا، فروّجت لتواصل عسكري أوكراني روسي يمهّد لانقلاب على السلطة الحاكمة في كييف، بالتزامن مع بثّ أفلام تُنبئ الأوروبيين بالموت بردًا مع حلول فصل الشتاء، بمجرّد أن توقف شركة "غازبروم" آخر خطوط الإمداد "الغازيّة"، وصوّرت أنّه في وقت تتآكل فيه قوّة العملة الأوروبية الموحّدة وتتضخّم الأسعار وتنقص المواد الأوّلية، تعوم روسيّا على "بحر" من العملات التي يتسيّدها "الروبل"، وأظهرت فلاديمير بوتين، وهو ينتقل من أقصى البلاد الى أقصاها، بأنّه أصبح فعلًا إمبراطورًا يهزّ الغرب بيمينه والشرق بيساره، وبيّنت أنّ المساعدات العسكريّة التي يقدّمها الغرب لأوكرانيا يستحيل استخدامها في المعارك لأنّ الجيش الروسي يفجّرها، في مهدها، ممّا يحول دون وصولها الى الجبهات. 

وكان رهان موسكو على فصل الشتاء كبيرًا، لأنّه سوف يجمّد الجبهات، من جهة ويحرّك الإضطرابات الشعبية في أوروبا، من جهة ثانيّة، ويفرض الضغوط على القيادة الأوكرانيّة للجلوس، من موقع الضعف، إلى طاولة المفاوضات، من جهة ثالثة. 

ولكن، مرّة جديدة، يتأكّد أنّ المخططات الدفتريّة للقيادة الروسية لا تتطابق مع الوقائع الميدانيّة، فكما أسقطت المقاومة الأوكرانية خطّة "الإجتياح البرقي" التي على أساسها انطلق الغزو في الرابع والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، كذلك أحبط الجيش الأوكراني خطّة" صقيع الشتاء" التي راهن الكرملين عليها. 

في الأيّام الأولى للهجوم التحريري الأخير الذي بدأه الجيش الأوكراني على جبهتين متزامنتين، لم يكن الإعلام الغربي يُعطي صدقيّة عالية للمعلومات التي تتحدّث عن اختراقات نوعيّة ضد القوات الروسيّة. كان المحللون العسكريّون يشكّكون بالمعطيات التي تصل إليهم، على اعتبار أنّ أوكرانيا ليست سهلة أبدًا في "الحرب الناعمة"، وتاليًا فهي قد تكون في وضعيّة إسماع الرأي العام الغربي ما يستهويه حتى لا تكبر ضغوطاته على حكوماته، من أجل دفع أوكرانيا دفعًا الى طاولة المفاوضات، على اعتبار أنّ ما يمكن أن تخسره عليها يبقى أسهل ممّا بدأ الغربيون يدفعونه في يوميّاتهم التي "اخشوشنت" جدًّا. 

لكن سرعان ما انقلب هذا التشكيك الى "مفاجأة مبهرة"، فالصمود الأوكراني الذي حطّم خطط الهجوم الروسي، في الرابع والعشرين من شباط/ فبراير الأخير بدا متواضعًا جدًّا أمام تحرير الجيش الأوكراني لمساحة ستّة آلاف كيلومتر مربّع بما تحتويه من مناطق عالية الأهميّة على المستوى الإستراتيجي. 

والتقييم "الأسطوري" لهذه المفاجأة لم ينبع من فراغ، فالجيش الروسي احتلّ بين بداية حزيران/ يونيو ونهاية آب/أغسطس الأخيرين مساحة 1700 كيلومتر مربّع، وها هو الجيش الأوكراني بين السادس من أيلول/ سبتمبر والثاني عشر منه يحرّر ضعف هذه المساحة في ستّة أيّام، فيما "الحبل" لا يزال "على ...الجرّار". 

أوّل انعكاس لهذا الإنجاز الأوكراني، كان في أخذ قادة الرأي العام الأوروبي "نفحة أوكسيجين" أعانتهم في الضغط على الحكومات الأوروبيّة من أجل إهمال كلّ المطالبات التي تحمل لواءها أحزاب "اليمين المتطرّف" وتهدف الى إعادة النظر بالعقوبات التي يفرضها "الاتّحاد الأوروبي" على روسيا، وقد تقدّمت صحيفة "لوموند" هؤلاء حيث طرحت، غداة تأكّد التقدّم الأوكراني الميداني الكبير، بعدما فصّلت التأثيرات الكبيرة لهذه العقوبات على "الدولة الغازية" واقتصادها وصناعاتها العسكريّة، سؤالًا مهمًّا جدًّا ترك أصداءه في مراكز القرار الأوروبي:" إذا كانت العقوبات الأوروبية من دون أيّ تأثير، فلماذا هذا الضغط من أجل رفعها، بسرعة، إذن؟". 

ثاني انعكاس لهذا "الإنجاز الأوكراني" كان في إعادة الاعتبار الى المساعدات العسكريّة الغربية، إذ ثبت أنّ لكل سلاح نوعي قدّمه الأميركيون والفرنسيون والألمان والبريطانيون وغيرهم، دورًا في التقدّم النوعي الأوكراني، في مقابل تراجع فاعلية السلاح الروسي. 

وأحيا الدور الذي لعبه السلاح الغربي المقدّم الى أوكرانيا المعادلة التي تسعى روسيا الى إخفائها، في إعادة كتابتها لحقائق الحرب العالمية الثانية. 

وتُبيّن المعطيات التاريخيّة أنّه لولا جسور الإمداد العسكري التي وفّرها الغرب عمومًا والولايات المتّحدة خصوصًا للإتّحاد السوفياتي، في ضوء الغزو النازي، لما كانت روسيا قد تفوّقت على ألمانيا، وألحقت بها هزيمة ساحقة. 

والمعادلة التي صبّت في الحرب العالمية الثانية لمصلحة الإتّحاد الأوروبي ضدّ "ألمانيا الهتلريّة" تصب حاليًا، ولكن مع آفاق عسكريّة محدّدة سلفًا بالبعد التحريري حصرًا، لمصلحة أوكرانيا ضد "روسيا البوتينيّة". 

وقد ولّد هذا التقدّم الأوكراني "عقدة نقص" لدى الدول الأوروبيّة التي لا تزال تتحفّظ على فتح مخازنها لمصلحة دعم المجهود الأوكراني، كما بدت عليه الحال في ألمانيا، حيث بدأت الضغوط على المستشار الألماني أولاف شولتس للإسراع في إرسال دبّابات "ليوبارد 2" الى الجيش الأوكراني. 

وبدا لافتًا ما قالته في هذا الصدد وزيرة الخارجية الألمانية آنالينا بايربوك، دعمًا لهذا الطلب الأوكراني الملح، إذ استندت، بشكل كامل الى الإنجاز العسكري النوعي:" يجب أن نسأل أنفسنا، وبشكل ملح، كيف يمكننا أن نساعد في تحرير مزيد من البلدات". 

ولم يعد سرًّا أنّ المعلومات التي زوّد بها الغرب أوكرانيا، بفضل آليّاته المخابراتيّة البشريّة والتقنيّة، في ظلّ التقدّم التكنولوجي الهائل، لعبت دورًا حاسمًا في التطوّرات الأخيرة التي كانت لها تمهيدات نوعيّة، مثل تفجير مخازن الأسلحة واحتياطات الوقود واستهداف طرق الإمداد والتحرّك الصاعق وراء خطوط "العدوّ". 

وثالث انعكاسات "الإنجاز الأوكراني" ظهر، في مدينة سانت بطرسبوغ والعاصمة موسكو، حيث، وعلى الرغم من القمع المؤكّد ضدّ الأصوات المعارضة لإرادة الكرملين وجّهت شخصيات روسيّة منتخبة رسائل الى "مجلس الدوما" الروسي لا تطالب فقط بإقالة فلاديمير بوتين بل بمحاكمته أيضًا بتهمة "الخيانة العظمى". 

وقد فصّلت هذه الرسائل التي لن تكون لها متابعة مؤسساتية روسيّة بطبيعة الحال "الجرائم " التي ارتكبها بوتين ضدّ الشعب الروسي وموقع روسيا العالمي، في غزوه لأوكرانيا. 

وتكمن أهميّة هذه الرسائل في أنّها تعكس حقائق موجودة ضمن الشرائح الشعبية الروسيّة التي يحول النظام الإستبدادي والأدوات القمعية التي وضعها دون تمكينها من التعبير عن نفسها. 

وإذ بدا أنّ التفاعل الروسي مع مضمون هذه الرسائل التي تُذكّر بالحقبة الأخيرة للإحتلال السوفياتي لأفغانستان، بقي "مضبوطًا"، فإنّ التفاعل الغربي عمومًا والأوروبي خصوصًا جاء كبيرًا، الأمر الذي ألحق أضرارًا بالغة بالدعاية الروسيّة الهادفة الى شيطنة الغرب وتقويض قدرات صموده الشعبيّة. 

والأهمّ من ذلك أنّ الخسائر التي لحقت، في الأيّام الأخيرة الماضية، بالقوات الروسية العاملة في أوكرانيا، بيّنت أنّ الشريحة "القوميّة" التي طالما دعمت بوتين قد بدأت في "المزايدة" عليه، مصوّبة على طريقة إدارته للحرب وعلى القيادات التي يمحضها ثقته. 

وهذا يعني أنّ بوتين الذي أسقط الهجوم الأوكراني المضاد هيبته العسكريّة، بدا محاصرًا في داخل بلاده بتيّارات تقف عن يساره تتّهمه بارتكاب جرائم عظمى وبتيّارات تقف عن يمينه تعتبره فاشلًا. 

بطبيعة الحال، لا يمكن الإعتماد على هذه الظواهر العسكريّة والسياسيّة والإعلامية للتوهّم بأنّ بوتين وصل الى القعر، إذ إنّه لم يستعمل بعد كلّ الأوراق المتوافرة لديه، ولكن، في المقابل، فإنّ ما حصل يسمح لخصوم بوتين بالإعتقاد أنّ قدرته على الصمود في القمة التي وصل إليها باتت ضعيفة جدًّا، الأمر الذي يضخ تفاؤلًا في الغرب فيواصل دعم أوكرانيا حتى تواصل "تقليم أظافر الدبّ الروسي"، ويعين الشعوب الأوروبيّة التي لم تنس تداعيات تهاونها مع صعود هتلر، على تحمّل التبعات الناجمة عن الوقوف الى جانب أوكرانيا، ويعيد الى الولايات المتّحدة الأميركية اعتبارها الإستراتيجي الذي كانت قد فقدته، في محطات كثيرة آخرها "الانسحاب الفوضوي" من أفغانستان. 

وفي مطلق الأحوال، فإنّ أوكرانيا لم تعد ساحة حرب فقط، بل أضحت، أيضًا درسًا للشعوب التي تنشد التحرّر، فهي لم تحظ بالدعم الغربي، لأنّها "دلّوعة" العالم، بل لأنّها أثبتت، في الميدان، أنّها قادرة على تحويل المساعدات التي تصلها الى إنجازات ميدانيّة. 

ومن يبكِ في الشرق أو الغرب مصيره، يجب أن يتوقّف قليلًا عن النواح ليتمكّن من استلهام الدرس الأوكراني، لأنّ من يطلب دعم العالم له، فعليه، بادئ ذي بدء، أن يكون...موجودًا! 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!