صورة أرشيفية من شوارع الرباط
صورة أرشيفية من شوارع الرباط

هكذا، من دون مشيئة منَا نتحول قسرا إلى نُعاةٍ ومدبِّجي مراثي. نتسابق لنعي الأحبة والأصدقاء. ندوِّنُ "يوميّات الحزن العادي"، ونقف فوق أرصفة الفقدان نستجدي المواساة، وقد نقبل نصف تعزية.

أصبحنا كَغِرْبانٍ ندفن كل يوم أصحابا وأحبابا، آخرهم رحل قبل أسبوع، الصحفي عبد اللطيف منصور. وبالرغم من اشتداد المرض عليه فترة طويلة، لم يستطع مغالبة النفس والالتزام بنصائح الطبيب، فقسا على روحه وعذبها أكثر، تعذيب من يكابد "الوعي الشقي".

في عام 1949 فتح عبد اللطيف منصور عينيه على العالم، في وسط اجتماعي مناهض للظلم؟! وصادفت نهاية سنته الجامعية الأولى بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، (شعبة التاريخ)، هزيمة "حزيران 1967".

ولأنه كان في المرحلة الثانوية عضوا في "وداديات التلاميذ" التابعة للاتحاد الوطني لطلبة المغرب (ا.و.ط.م)، كان طبيعيا أن يستمر في نشاطه بالمنظمة التي سينتخب ضمن قيادتها في عهد رئاسة محمد الخصاصي (آخر سفير للمغرب في دمشق، قبل سحبه في نوفمبر2011، إثر اندلاع الثورة السورية). 

عاش عبد اللطيف منصور أحداث مايو 68 بفرنسا، التي هز إعصارها العالم، في فترة علت فيها رايات المد اليساري وسط الجامعات، مما أدى بالفيلسوف الأميركي هربرت ماركيوز، المعروف بنقده الحاد لـ"الماركسية السوفييتية"، أن يعلن نهاية الدور التاريخي للعمال كطبقة بروليتارية يعول عليها في التغيير، مبشرا بأن الطلاب هم القوى الثورية الجديدة التي سيتم على يدها التحرر الاجتماعي.

في ظل هذه الأوضاع سيطر الطلبة اليساريون على (ا.و.ط.م)، الذي ظل منذ تأسيسه في 1956 تحت هيمنة الطلاب المنتمين لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (ا.و.ق.ش). ليجد الملك الحسن الثاني نفسه، وهو الخارج حينها من محاولتي انقلابين عسكريين متتاليين (1971-1972)، أمام "التطرف اليساري"، فواجهه بتطرف قمعي منهجي أشد عنفا وقسوة. بدأ بحظر "ا.و.ط.م" في 24 يناير 1973، واقتياد العديد من أعضائه وقادته المنتمين لتنظيمات ماركسية سرية إلى مراكز التعذيب الرهيبة، وإدانتهم بالسجن لسنوات طويلة، وصلت في حق البعض منهم إلى السجن المؤبد. إنها سنوات الجمر والرصاص يا صديق!

بعد حصوله على الإجازة وعلى شهادة التخرج من المدرسة العليا للأساتذة، تم تعيين عبد اللطيف منصور أستاذا لمادتي التاريخ والجغرافيا بثانوية ابن تومرت في الدار البيضاء. ليواصل المدرس الشاب، المتحدر من أصول "أولاد احْرِيزْ" (جنوب الدار البيضاء)، نشاطه النقابي بالانضمام إلى الجامعة الوطنية للتعليم، تحت لواء أكبر اتحاد نقابي في البلاد، الاتحاد المغربي للشغل (ا.م.ش)، بزعامة المحجوب بن الصديق. لم تكن سيرة الأخير وراء انتساب منصور لهذه المركزية العمالية العريقة، التي تأسست تحت حراب المستعمر، بل كان هناك يساري شاب يتمتع بكاريزما جذابة، أفلت من قمع سنوات الرصاص ليصبح قياديا في نقابة بن الصديق، هو حسن بنعدي الأمين العام لنقابة الجامعة الوطنية للتعليم، وقد نجح في استقطاب عدد من المدرسين اليساريين للعمل النقابي بجانبه، من بينهم سليم رضوان، ومحمد بولعيش، وعبد الرؤوف فلاح، ونور الدين خمالي، وأمينة بلكَم، ومحمد الحضري، ولكبيرة شطير، ونفيسة بَنْ، وسعيد الزغاوي، وغيرهم من نساء ورجال التعليم المتشبعين بأفكار التغيير. واليوم يجمع كثيرون على الدور الذي تولاه بنعدي في دعم اليساريين داخل نقابة المحجوب بن الصديق، قبل أن يضطر هو نفسه لمغادرتها في سياق مغاير.

عمل الراحل منصور على تعزيز الثقافة النقابية، وساهم في تأسيس نقابات عمالية بإفريقيا. وانضم إلى هيئة تحرير "الطليعة"، الصحيفة الصادرة عن النقابة، وكانت تنشر باللغتين العربية والفرنسية. هنا سيشرع في نسج أولى علاقته المباشرة والعملية بمهنة الصحافة، وستتطور لديه مع رفاقه في الجامعة الوطنية للتعليم، خاصية النقد والانتقاد للممارسات البيروقراطية داخل النقابة، وللزعيم المحجوب بن الصديق نفسه، (عمَّر 55 سنة على رأس المركزية). تجلى ذلك في مبادرة منصور بإنجاز سلسلة مقالات صحفية مليئة بالحقائق والمعلومات الحارقة عن الاختلاسات والاختلالات وتفشي الفساد داخل مؤسسة يشرف على تسييرها نائب الأمين العام لـ (ا.م.ش) محمد عبد الرزاق، هي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وقد تحول النقابي محمد عبد الرزاق "بقدرة قادر" إلى واحد من أصحاب الثراء الفاحش في المغرب.

ولأنه لم يكن واردا بالمطلق نشر ذلك التحقيق الصحفي في صحيفة "الطليعة"، لجأ عبد اللطيف منصور لنشره في يومية "البيان" بالفرنسية، صحيفة الشيوعيين (حزب التقدم والاشتراكية)، تحت إدارة الزعيم علي يعته. لكن نشر تلك الحقائق على الرأي العام كاد أن يودي بحياة عبد اللطيف منصور، الذي نجا من الموت بأعجوبة. عندما كان سيلقى به من شاهق لتحفظ الواقعة كقضية انتحار.
موجز الواقعة أن مجموعة من القبضيات الغلاض الشداد، الذين كانوا يعملون مباشرة تحت إمرة الأمين العام الحالي لـ(ا.م.ش)، تربصوا بعبد اللطيف منصور حتى وصل إلى مكتب الجامعة الوطنية للتعليم بالطابق السابع من عمارة "البورصويين"، (النعت القدحي الذي كان يطلقه المعارضون على نقابة المحجوب بن الصديق، بعد انشقاقه عن حزب (ا.و.ق.ش)، واتهامه بالانحراف النقابي وبتهريب النقابة وبيعها لنظام "المخزن"، خصوصا بعد إطلاقه للشعار المشهور: "الخبز لا السياسة").

فاجأت العصابة منصور، وحملته صوب النافذة عازمين رميه من الطابق السابع، لولا أن نقابيين من قطاع البريد صادف وجودهم بالمكان في تلك الساعة المتأخرة من المساء، سمعوا الصراخ فهرعوا لإنقاذه.

في نفس مبنى المركزية، بشارع الجيش الملكي في الدار البيضاء، تم إعداد قبو خاص لتعذيب المعارضين والمناهضين لتوجهات القيادة النقابية، ومن الأسماء التي كانت تتولى مهمات التعذيب، ترددت أسماء: عبد النبي التجمعوتي، ومصطفى لكحل المعروف بمصطفى مكافح، وبوشعيب الريفي، ومصطفى موافق، ومحمد وهيرة المعروف باسم "البيضاوي"، الذي صرح لنا (إثر وفاة المحجوب بن الصديق في 2010)، أنه حضر بعض جلسات تعذيب لمعارضين للقيادة النقابية، دون المشاركة فيها. رافضا التصريح بمزيد من التفاصيل والحقائق.

 لكنّ أشهر من عُذِّب في أقبية مركز النقابة هو القائد الاشتراكي عمر بنجلون، وكان وقتها قياديا في نقابة البريديين، (اغتيل في ديسمبر عام 1975 أمام بيته في الدار البيضاء). وقد وثق الشهيد عمر بنجلون واقعة اختطافه وتعذيبه في رسالة مفتوحة إلى الأمين العام المحجوب بن الصديق، تحدث فيها عما تعرض له مرتين من حصص تعذيب في قبو النقابة، وذكر أسماء: عبروق، وقويدر، وعمور (كاتب نقابة البتروليين، الذي تمت ترقيته إلى قيادة المركزية)، وأوّاب (من الشبيبة العمالية)، والمديوني (نقابات القطاع الخاص)، وبوشعيب الريفي (نقابة الضمان الاجتماعي).

يعترف بعض قدماء (ا.م.ش) أن جلادي النقابة كانوا لا يقلون وحشية عن أمثالهم في المعتقلات السرية، من مرؤوسي كبير الجلادين في سنوات الرصاص قدور اليوسفي، رئيس معتقل "درب مولاي الشريف" بالدار البيضاء، والجنرال محمد أوفقير ومحمد العشعاشي في "دار المقري" بالعاصمة. ولعل هذا يستوجب التحقيق في "سنوات رصاص موازية" لعقود الممارسات القمعية لمملكة الحسن الثاني.

دفعت هذه الحادثة الخطيرة بعبد اللطيف منصور إلى الهرب والابتعاد عن النقابة، ولم يقنعه تأسيس مركزية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي أنشأها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة محمد نوبير الأموي، بل ظل منصور ينتقد ما كان يسميه "شعبوية" نوبير الأموي، معترضا "ضرب الوحدة النقابية". الأمر ذاته حصل لمعظم يساريي الجامعة الوطنية للتعليم، الذين قاموا بتجميد جماعي لنشاطهم النقابي قبل إعلانهم الاعتزال، باستثناء محمد بولعيش الذي قدم استقالة مكتوبة من صفوف (ا.م.ش)، قبل مبادرته بتأسيس نقابة بديلة مستقلة خاصة بمهنيي التعليم قبل تقاعده. 

امتلك عبد اللطيف منصور ناصية الكتابة باللغة الفرنسية، يشهد له بذلك من عملوا بجانبه، معجبين بمدى "ثقافته التاريخية الواسعة ولغته الفرنسية الراقية وتماسك أفكاره وقوة حجته"، إضافة إلى "حسن خُلقه وروح الدعابة التي لم تكن تفارقه"، كما يؤكد الصحفي الموريتاني عبد الله العلي، من قناة "فرانس 24"، (الذي مرَّ بأسبوعية "ماروك إيبدو").

بعد فترة من مغادرته النقابة، سيلتقي عبد اللطيف منصور في 1992 بصديقه أبو بكر المنقاشي (توفي قبل سنة)، واحد من أبرز خريجي مدرسة الصحافة العمالية، بل كان أصغر مدير صحيفة في العالم في عقد الستينيات الماضية، تولى مسؤولية إدارة تحرير "مغرب أنفورماسيون" وعمره لم يتجاوز العشرين إلا قليلا. سيعرض المنقاشي على صديقه العمل معه في أسبوعية "ماروك إيبدو" التي كان يرأس تحريرها. ولم يمر وقت طويل حتى أسندت إلى منصور رئاسة تحرير "ماروك إيبدو". وظل المنقاشي حين يذكر أمامه اسم عبد اللطيف منصور يقول ضاحكا إنه "أتى بصديقه فأخذ منصبه".

أبدع منصور في مهنة تتيح له إمكانية المساهمة في التغيير المجتمعي، فأوفى في شغفه بحبها. ومن المواضيع التي أولاها الاهتمام، مسألة الانفراج السياسي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. عندما نظم بمساعدة محمد بولعيش ندوة بمكتب "ماروك إيبدو" بحي "ريفيرا"، حول آفاق اليسار الجديد، استضاف فيها الماركسيين عبد الله زعزاع، وعبد الله الحريف، من سيصبح أول أمين عام لحزب النهج الديمقراطي، وحسن بلكحل، ومحمد الوافي (اليسار الديمقراطي).

مع الوقت، قطع عبد اللطيف منصور تدريجيا صلاته بالعمل السياسي المباشر، ليقدم أوراق اعتماده لمهنة الصحافة- كما كان يقول، لدرجة أن بعض رفاقه السابقين لم يستوعبوا موقفه. وافترض بعضهم أن مالك "ماروك إيبدو"، محمد السلهامي، الصحفي السابق بمجلة "جون أفريك" الباريسية، والمعروف بعلاقاته بالأجهزة، نجح في استقطاب كامل لرئيس التحرير. وتسرع آخرون في وصف رفيقهم بـ"المرتد"، خصوصا بعد نشره مقالات نقدية حادة لتجربة اليسار.

هكذا تحول عبد اللطيف منصور إلى شخصية خلافية، أو إلى صحفي مثير للجدل، بين من يحفظ له سيرته كيساري أصيل ومهني مستقل. وبين من سعى بحنق إلى إلغاء كل تاريخ وأمجاد الرجل بجرة قلم وعثرة لسان.

لم تعد هناك شكوك أن مهنة الصحافة من المهن الخطرة. ففي بلادنا (المغرب) تفضي غالبا بأصحابها إلى مآلات طافحة بالخسران، وبعيدا عن المضايقات والسجن، فإنها تورث التوتر المستمر والأمراض المزمنة، كضغط الدم والسكري وضعف النظر و"ديسك" الظهر. كم من واحد من الزملاء الصحفيين رحل في الأعوام الأخيرة بعد معاناته من الداء الموصوف إنشائيا بـ"العضال"، والحقيقة أن اللفظ ليس طبيا أو علميا، بقدر ما ينطوي على مضامين أخرى تتصل بقساوة الأوضاع الحياتية.  ولن يكون عبد اللطيف منصور آخر ضحايا مهنة المتاعب إلى جانب آخرين، منهم عبد القادر شبيه وعمر الأنواري وخالد مشبال ومحمد الأشهب وعبد الرحمان فضلي ومحمد أديب السلاوي ومصطفى اليزناسني ومحمد بن الصديق وأبو بكر المنقاشي وعبد الله الستوكي وعبد القادر الجمالي... واللائحة مفتوحة على تراب المدافن والنسيان.

مرات أدندن في سري مع محمود درويش: "كان ما سوف يكون"، لكني في نفس الآن أستدرك.. "كان ما ينبغي ألا يكون"!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.