صورة أرشيفية من شوارع الرباط
صورة أرشيفية من شوارع الرباط

هكذا، من دون مشيئة منَا نتحول قسرا إلى نُعاةٍ ومدبِّجي مراثي. نتسابق لنعي الأحبة والأصدقاء. ندوِّنُ "يوميّات الحزن العادي"، ونقف فوق أرصفة الفقدان نستجدي المواساة، وقد نقبل نصف تعزية.

أصبحنا كَغِرْبانٍ ندفن كل يوم أصحابا وأحبابا، آخرهم رحل قبل أسبوع، الصحفي عبد اللطيف منصور. وبالرغم من اشتداد المرض عليه فترة طويلة، لم يستطع مغالبة النفس والالتزام بنصائح الطبيب، فقسا على روحه وعذبها أكثر، تعذيب من يكابد "الوعي الشقي".

في عام 1949 فتح عبد اللطيف منصور عينيه على العالم، في وسط اجتماعي مناهض للظلم؟! وصادفت نهاية سنته الجامعية الأولى بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، (شعبة التاريخ)، هزيمة "حزيران 1967".

ولأنه كان في المرحلة الثانوية عضوا في "وداديات التلاميذ" التابعة للاتحاد الوطني لطلبة المغرب (ا.و.ط.م)، كان طبيعيا أن يستمر في نشاطه بالمنظمة التي سينتخب ضمن قيادتها في عهد رئاسة محمد الخصاصي (آخر سفير للمغرب في دمشق، قبل سحبه في نوفمبر2011، إثر اندلاع الثورة السورية). 

عاش عبد اللطيف منصور أحداث مايو 68 بفرنسا، التي هز إعصارها العالم، في فترة علت فيها رايات المد اليساري وسط الجامعات، مما أدى بالفيلسوف الأميركي هربرت ماركيوز، المعروف بنقده الحاد لـ"الماركسية السوفييتية"، أن يعلن نهاية الدور التاريخي للعمال كطبقة بروليتارية يعول عليها في التغيير، مبشرا بأن الطلاب هم القوى الثورية الجديدة التي سيتم على يدها التحرر الاجتماعي.

في ظل هذه الأوضاع سيطر الطلبة اليساريون على (ا.و.ط.م)، الذي ظل منذ تأسيسه في 1956 تحت هيمنة الطلاب المنتمين لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (ا.و.ق.ش). ليجد الملك الحسن الثاني نفسه، وهو الخارج حينها من محاولتي انقلابين عسكريين متتاليين (1971-1972)، أمام "التطرف اليساري"، فواجهه بتطرف قمعي منهجي أشد عنفا وقسوة. بدأ بحظر "ا.و.ط.م" في 24 يناير 1973، واقتياد العديد من أعضائه وقادته المنتمين لتنظيمات ماركسية سرية إلى مراكز التعذيب الرهيبة، وإدانتهم بالسجن لسنوات طويلة، وصلت في حق البعض منهم إلى السجن المؤبد. إنها سنوات الجمر والرصاص يا صديق!

بعد حصوله على الإجازة وعلى شهادة التخرج من المدرسة العليا للأساتذة، تم تعيين عبد اللطيف منصور أستاذا لمادتي التاريخ والجغرافيا بثانوية ابن تومرت في الدار البيضاء. ليواصل المدرس الشاب، المتحدر من أصول "أولاد احْرِيزْ" (جنوب الدار البيضاء)، نشاطه النقابي بالانضمام إلى الجامعة الوطنية للتعليم، تحت لواء أكبر اتحاد نقابي في البلاد، الاتحاد المغربي للشغل (ا.م.ش)، بزعامة المحجوب بن الصديق. لم تكن سيرة الأخير وراء انتساب منصور لهذه المركزية العمالية العريقة، التي تأسست تحت حراب المستعمر، بل كان هناك يساري شاب يتمتع بكاريزما جذابة، أفلت من قمع سنوات الرصاص ليصبح قياديا في نقابة بن الصديق، هو حسن بنعدي الأمين العام لنقابة الجامعة الوطنية للتعليم، وقد نجح في استقطاب عدد من المدرسين اليساريين للعمل النقابي بجانبه، من بينهم سليم رضوان، ومحمد بولعيش، وعبد الرؤوف فلاح، ونور الدين خمالي، وأمينة بلكَم، ومحمد الحضري، ولكبيرة شطير، ونفيسة بَنْ، وسعيد الزغاوي، وغيرهم من نساء ورجال التعليم المتشبعين بأفكار التغيير. واليوم يجمع كثيرون على الدور الذي تولاه بنعدي في دعم اليساريين داخل نقابة المحجوب بن الصديق، قبل أن يضطر هو نفسه لمغادرتها في سياق مغاير.

عمل الراحل منصور على تعزيز الثقافة النقابية، وساهم في تأسيس نقابات عمالية بإفريقيا. وانضم إلى هيئة تحرير "الطليعة"، الصحيفة الصادرة عن النقابة، وكانت تنشر باللغتين العربية والفرنسية. هنا سيشرع في نسج أولى علاقته المباشرة والعملية بمهنة الصحافة، وستتطور لديه مع رفاقه في الجامعة الوطنية للتعليم، خاصية النقد والانتقاد للممارسات البيروقراطية داخل النقابة، وللزعيم المحجوب بن الصديق نفسه، (عمَّر 55 سنة على رأس المركزية). تجلى ذلك في مبادرة منصور بإنجاز سلسلة مقالات صحفية مليئة بالحقائق والمعلومات الحارقة عن الاختلاسات والاختلالات وتفشي الفساد داخل مؤسسة يشرف على تسييرها نائب الأمين العام لـ (ا.م.ش) محمد عبد الرزاق، هي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وقد تحول النقابي محمد عبد الرزاق "بقدرة قادر" إلى واحد من أصحاب الثراء الفاحش في المغرب.

ولأنه لم يكن واردا بالمطلق نشر ذلك التحقيق الصحفي في صحيفة "الطليعة"، لجأ عبد اللطيف منصور لنشره في يومية "البيان" بالفرنسية، صحيفة الشيوعيين (حزب التقدم والاشتراكية)، تحت إدارة الزعيم علي يعته. لكن نشر تلك الحقائق على الرأي العام كاد أن يودي بحياة عبد اللطيف منصور، الذي نجا من الموت بأعجوبة. عندما كان سيلقى به من شاهق لتحفظ الواقعة كقضية انتحار.
موجز الواقعة أن مجموعة من القبضيات الغلاض الشداد، الذين كانوا يعملون مباشرة تحت إمرة الأمين العام الحالي لـ(ا.م.ش)، تربصوا بعبد اللطيف منصور حتى وصل إلى مكتب الجامعة الوطنية للتعليم بالطابق السابع من عمارة "البورصويين"، (النعت القدحي الذي كان يطلقه المعارضون على نقابة المحجوب بن الصديق، بعد انشقاقه عن حزب (ا.و.ق.ش)، واتهامه بالانحراف النقابي وبتهريب النقابة وبيعها لنظام "المخزن"، خصوصا بعد إطلاقه للشعار المشهور: "الخبز لا السياسة").

فاجأت العصابة منصور، وحملته صوب النافذة عازمين رميه من الطابق السابع، لولا أن نقابيين من قطاع البريد صادف وجودهم بالمكان في تلك الساعة المتأخرة من المساء، سمعوا الصراخ فهرعوا لإنقاذه.

في نفس مبنى المركزية، بشارع الجيش الملكي في الدار البيضاء، تم إعداد قبو خاص لتعذيب المعارضين والمناهضين لتوجهات القيادة النقابية، ومن الأسماء التي كانت تتولى مهمات التعذيب، ترددت أسماء: عبد النبي التجمعوتي، ومصطفى لكحل المعروف بمصطفى مكافح، وبوشعيب الريفي، ومصطفى موافق، ومحمد وهيرة المعروف باسم "البيضاوي"، الذي صرح لنا (إثر وفاة المحجوب بن الصديق في 2010)، أنه حضر بعض جلسات تعذيب لمعارضين للقيادة النقابية، دون المشاركة فيها. رافضا التصريح بمزيد من التفاصيل والحقائق.

 لكنّ أشهر من عُذِّب في أقبية مركز النقابة هو القائد الاشتراكي عمر بنجلون، وكان وقتها قياديا في نقابة البريديين، (اغتيل في ديسمبر عام 1975 أمام بيته في الدار البيضاء). وقد وثق الشهيد عمر بنجلون واقعة اختطافه وتعذيبه في رسالة مفتوحة إلى الأمين العام المحجوب بن الصديق، تحدث فيها عما تعرض له مرتين من حصص تعذيب في قبو النقابة، وذكر أسماء: عبروق، وقويدر، وعمور (كاتب نقابة البتروليين، الذي تمت ترقيته إلى قيادة المركزية)، وأوّاب (من الشبيبة العمالية)، والمديوني (نقابات القطاع الخاص)، وبوشعيب الريفي (نقابة الضمان الاجتماعي).

يعترف بعض قدماء (ا.م.ش) أن جلادي النقابة كانوا لا يقلون وحشية عن أمثالهم في المعتقلات السرية، من مرؤوسي كبير الجلادين في سنوات الرصاص قدور اليوسفي، رئيس معتقل "درب مولاي الشريف" بالدار البيضاء، والجنرال محمد أوفقير ومحمد العشعاشي في "دار المقري" بالعاصمة. ولعل هذا يستوجب التحقيق في "سنوات رصاص موازية" لعقود الممارسات القمعية لمملكة الحسن الثاني.

دفعت هذه الحادثة الخطيرة بعبد اللطيف منصور إلى الهرب والابتعاد عن النقابة، ولم يقنعه تأسيس مركزية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي أنشأها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة محمد نوبير الأموي، بل ظل منصور ينتقد ما كان يسميه "شعبوية" نوبير الأموي، معترضا "ضرب الوحدة النقابية". الأمر ذاته حصل لمعظم يساريي الجامعة الوطنية للتعليم، الذين قاموا بتجميد جماعي لنشاطهم النقابي قبل إعلانهم الاعتزال، باستثناء محمد بولعيش الذي قدم استقالة مكتوبة من صفوف (ا.م.ش)، قبل مبادرته بتأسيس نقابة بديلة مستقلة خاصة بمهنيي التعليم قبل تقاعده. 

امتلك عبد اللطيف منصور ناصية الكتابة باللغة الفرنسية، يشهد له بذلك من عملوا بجانبه، معجبين بمدى "ثقافته التاريخية الواسعة ولغته الفرنسية الراقية وتماسك أفكاره وقوة حجته"، إضافة إلى "حسن خُلقه وروح الدعابة التي لم تكن تفارقه"، كما يؤكد الصحفي الموريتاني عبد الله العلي، من قناة "فرانس 24"، (الذي مرَّ بأسبوعية "ماروك إيبدو").

بعد فترة من مغادرته النقابة، سيلتقي عبد اللطيف منصور في 1992 بصديقه أبو بكر المنقاشي (توفي قبل سنة)، واحد من أبرز خريجي مدرسة الصحافة العمالية، بل كان أصغر مدير صحيفة في العالم في عقد الستينيات الماضية، تولى مسؤولية إدارة تحرير "مغرب أنفورماسيون" وعمره لم يتجاوز العشرين إلا قليلا. سيعرض المنقاشي على صديقه العمل معه في أسبوعية "ماروك إيبدو" التي كان يرأس تحريرها. ولم يمر وقت طويل حتى أسندت إلى منصور رئاسة تحرير "ماروك إيبدو". وظل المنقاشي حين يذكر أمامه اسم عبد اللطيف منصور يقول ضاحكا إنه "أتى بصديقه فأخذ منصبه".

أبدع منصور في مهنة تتيح له إمكانية المساهمة في التغيير المجتمعي، فأوفى في شغفه بحبها. ومن المواضيع التي أولاها الاهتمام، مسألة الانفراج السياسي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. عندما نظم بمساعدة محمد بولعيش ندوة بمكتب "ماروك إيبدو" بحي "ريفيرا"، حول آفاق اليسار الجديد، استضاف فيها الماركسيين عبد الله زعزاع، وعبد الله الحريف، من سيصبح أول أمين عام لحزب النهج الديمقراطي، وحسن بلكحل، ومحمد الوافي (اليسار الديمقراطي).

مع الوقت، قطع عبد اللطيف منصور تدريجيا صلاته بالعمل السياسي المباشر، ليقدم أوراق اعتماده لمهنة الصحافة- كما كان يقول، لدرجة أن بعض رفاقه السابقين لم يستوعبوا موقفه. وافترض بعضهم أن مالك "ماروك إيبدو"، محمد السلهامي، الصحفي السابق بمجلة "جون أفريك" الباريسية، والمعروف بعلاقاته بالأجهزة، نجح في استقطاب كامل لرئيس التحرير. وتسرع آخرون في وصف رفيقهم بـ"المرتد"، خصوصا بعد نشره مقالات نقدية حادة لتجربة اليسار.

هكذا تحول عبد اللطيف منصور إلى شخصية خلافية، أو إلى صحفي مثير للجدل، بين من يحفظ له سيرته كيساري أصيل ومهني مستقل. وبين من سعى بحنق إلى إلغاء كل تاريخ وأمجاد الرجل بجرة قلم وعثرة لسان.

لم تعد هناك شكوك أن مهنة الصحافة من المهن الخطرة. ففي بلادنا (المغرب) تفضي غالبا بأصحابها إلى مآلات طافحة بالخسران، وبعيدا عن المضايقات والسجن، فإنها تورث التوتر المستمر والأمراض المزمنة، كضغط الدم والسكري وضعف النظر و"ديسك" الظهر. كم من واحد من الزملاء الصحفيين رحل في الأعوام الأخيرة بعد معاناته من الداء الموصوف إنشائيا بـ"العضال"، والحقيقة أن اللفظ ليس طبيا أو علميا، بقدر ما ينطوي على مضامين أخرى تتصل بقساوة الأوضاع الحياتية.  ولن يكون عبد اللطيف منصور آخر ضحايا مهنة المتاعب إلى جانب آخرين، منهم عبد القادر شبيه وعمر الأنواري وخالد مشبال ومحمد الأشهب وعبد الرحمان فضلي ومحمد أديب السلاوي ومصطفى اليزناسني ومحمد بن الصديق وأبو بكر المنقاشي وعبد الله الستوكي وعبد القادر الجمالي... واللائحة مفتوحة على تراب المدافن والنسيان.

مرات أدندن في سري مع محمود درويش: "كان ما سوف يكون"، لكني في نفس الآن أستدرك.. "كان ما ينبغي ألا يكون"!

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!