حزب الله يستعيد رفات مقاتليه من سوريا رغم إغلاق المعابر بسبب كورونا
قتل الكثير من عناصر حزب الله اللبناني خلال مشاركتهم في الحرب الأهلية في سوريا

سعى العالم الحديث طوال القرن العشرين إلى وضع الدين في مرتبة شؤون الفرد الخاصة، لكننا نشهد منذ بضعة عقود، عودة قوية لأشكال تديّن مختلفة، ومن بينها تفاخرية تتحدى الفضاء العام المحيط بها. 

معظم الاشكال العنيفة التي برزت مؤخرا، تنسب باستمرار إلى الدين، علما أنها بعيدة عن تمثيل ما تبقى من الأوضاع الدينية القديمة الآخذة في الزوال. فالدينامية التي تحركها هي نفسها الدينامية التي تحدد شروط وجودنا الثقافية والسياسية في العالم الحالي. ومنها زوال الحواجز القديمة وصعوبة وجود حضارات منيعة ومحصنة في وجه العولمة التي تتخطى كل الحدود. فالمسلمون يشكلون الآن جزءا من المظهر الثقافي والديني في هذا العالم الذي يولّد أيضا ظواهر رمزية وثقافية مرتبطة ببعضها البعض، سواء بواسطة وسائل الإعلام أو عبر أشكال التواصل الجديدة أو عبر انتقال الجماعات من طرف إلى آخر. أضف إلى ذلك وجود البؤر المتفجرة: من فلسطين إلى أفغانستان مروراً بالدول العربية الواقعة تحت الهيمنة الإيرانية، ما يولد التعاطف أو الإدانة أو التضامن، من دون ذكر المستجد منها.

بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في الغرب فإن أغلبيتهم تكيفت في البلدان المضيفة، وانتهت إلى الاندماج. لكن القليل منهم بقي متمسكا بموقفه السلبي من الاندماج، وذلك لأسباب متنوعة: فهناك المشاكل المتعلقة باستقلال المستعمرات القديمة بعد الحرب العالمية الثانية، والمشاكل المتعلقة بإنشاء دولة إسرائيل وحرب حزيران 1967، والمشاكل التي نتجت عن انهيار الإمبراطورية السوفياتية، إضافة إلى سوء التكيف الفردي. 

كل ذلك أدّى إلى ظهور نوع جديد من الشهادة مختلف تماما، وهو الشهادة على طريقة تنظيم القاعدة. 

تأرجح موقف المجتمعات الإسلامية ممن يقومون بقتل المدنيين، سواء أكان الضحايا غربيين أومحليين، بين اعتبارهم أبطالأ أو قديسين، على ما اعتبر نصرالله قتلة الحريري المدانون قضائيا بالقديسين. 

لكن من الملاحظ أن الحماسة تجاههم بدأت تخفت، وصارت تنحصر في دوائر الأصوليات المعنية بفبركتهم وتغطيتهم. والمؤشر، الإدانة الواسعة لمحاولة قتل سلمان رشدي.

برزت ظاهرة القتل، أو نحر النفس، باسم الدين في العقود الأخيرة بقوة، خصوصا بعد اعتداءات 11 أيلول 2001 التي صدمت العالم، وأنتجت تداعيات كارثية على العالمين العربي والإسلامي. ما دعا السوسيولوجي، فرهاد خسرو خافار، إلى تأليف كتابه "شهداء الله الجدد" عام 2003 في باريس.

عالج في هذا الكتاب مفهوم الشهادة في الدين الإسلامي وقارنها مع الأديان الأخرى. فالفكرة التي شاعت أن الشهداء الجدد يعيدون إنتاج البنى التقليدية للمجتمعات الإسلامية غير دقيقة؛ فهم على ما يبدو، ينتمون إلى الأشكال الجديدة من الخروج على التقليد والتحرر منه، بشكل مرضي أحيانا أو مبالغ فيه في أحيان أخرى. إنهم يعتنقون أشكالا من الشرعية لا تنتمي سوى شكليا إلى التقليد المزعوم، تحت شعار تطبيق الإسلام الصحيح. لذا من غير الممكن تصنيف جميع أنماط النشاط المتطرف التي تدّعي الإسلام في فئة الإسلام. إنه تديّن جديد يؤدي إلى تقويض التقليد الديني.

في المذهبين السني والشيعي شخصية القديس موجودة فعلا، لكنها  تتحقق عبر البركة وتحقيق الأماني، وهي مختلفة عن شخصية الشهيد كما صارت عليه في المجتمعات الإسلامية التي تضعه بين البطل والقديس.
الشهيد الشيعي ليس قديسا، لكن عند اختياره الموت المقدس، يصبح بإمكانه أن يقارن نفسه بالشخصيات المقدسة، وأن يصبح من رفاقهم ويصنف أيضا كبطل. لكن بطولته بطبيعتها غير دنيوية ما دام قد التزم بقضية نبيلة ودينية تعود إلى منطق الاستحقاقات في العالم الآخر. والشهيد في المذهب الشيعي هو من يتمسك بهذه "القداسة الخاسرة" على نموذج استشهاد الإمام الحسين. أما الشهيد السني فهو يموت في سبيل الله عندما يشارك في الجهاد.

كان التقليد قد جعل من الحسين كائنا تفوق قدرته البشر وموته كأنه محدد مسبقا. قال الإمام السادس جعفر الصادق (توفي عام 765) "إن الحسين لم يرضع إطلاقا من حليب أمه ولا من حليب أي امرأة أخرى. كان الرسول يحمله بين ذراعيه، ويضع أصبعه في فمه لكي يمصه، ويقتات بهذا الشكل العجائبي لمدة يومين أو ثلاثة أيام. جسد الحسين يأتي من جسد الرسول. فالحسين نشأ من طبيعة تختلف عن طبيعة البشر”.

وبحسب فرهاد خسرو خافار فإن ظهور مفهوم الشهادة عند الشيعة مستجد، فلم تقلّد الجماهير الشهادة إلا خلال الانقلاب على الشاه أولا، وفيما بعد في الحرب الطويلة ضد العراق من 1981-1988. الظاهرة الجديدة إذن هي "تفريد" مأساة الشهيد أي أنسنتها وجعلها فردية. 

يشير خافار إلى أنه من المحتمل أن تكون المرة الأولى على صعيد مفهومي التي يحصل فيها فصلا واعيا بين الجهاد والشهادة. ففي التقليد السني عادة، كما لدى أغلبية مراجع التقليد الشيعية، ثمة علاقة تبعية بين الشهادة والجهاد، حيث تخضع الأولى للثاني. ففي سبيل نجاح الجهاد، يجب على المسلم أن يموت في "سبيل الله" أي الشهادة. 

علي شريعتي، يدرج نوعين من الشهداء: من جهة لدينا الشهيد الذي يحارب العدو حتى الموت على غرار حمزة عم الرسول. ومن جهة أخرى لدينا الإمام الحسين. سمّي حمزة سيد الشهداء، وبعد عاشوراء أطلق التشيع هذا اللقب على الإمام الحسين. كلاهما سيد الشهداء: حمزة في ساحة شهداء الجهاد، والحسين من بين شهداء الشهادة. شهادة حمزة، وباقي المجاهدين، هدفها النصر أما الحسين فهدفه إنكار الذات في سبيل المقدس. 

هنا تنفصل الشهادة عن الجهاد. الفرق بين حمزة والحسين أن الأول كان يريد أن يموت كي يهزم العدو، بينما الثاني كان على يقين أنه سيُهزم ويموت. كان الموت في هذه الحالة متعمدا: تضحية من أجل الحق. بينما في الحالة الأولى الموت هو الحل الأقل سوءاً.

سبق أن عالجت موضوع عمليات قتل النفس، التي قام ويقوم بها، الشبان في فلسطين، من زاوية علم النفس والنيروفيزيولوجي وتفسيرها علميا كرد فعل عدواني دفاعي نتيجة للسترس الذي يصل إلى حالاته القصوى، فتحصل تغيرات بيونفسية تؤدي إلى نوع من الانتحار. فحتى لو تغاضينا عن الحق بتحرير الأرض، سنجد تفسيرا لا – دينيا لأعمالهم، ونقبل أو نتغاضى عن تسميتهم بالشهداء. 
لكن أن ينطبق مفهوم "الشهادة" على كل عملية قتل إرهابية الطابع، أو على الشاب الشيعي اللبناني المحارب في سوريا وسائر الأرض العربية، ونعتبر موته "شهادة حسينية"، فهذا تزوير وافتراء. 

من هنا أمكن القول إنها ظاهرة لا تبغي إعادة إنتاج البنيات التقليدية في المجتمعات الإسلامية كما يوهمنا الملالي وأتباعهم. إن الشهداء الجدد هم الأشكال الجديدة من الانقلاب على التقليد الذي ابتدعه التشيّع المستجدّ، لأنهم باعتناقهم أشكالا من الشرعية تنتمي شكليا إلى هذا التقليد، يهمشونه في الواقع. 

ومنذ أن طور الخميني مفهوم ولاية الفقيه، وجعل السياسة خاضعة للدين باسم الله، مستندا إلى نفوذ رجال الدين الذي قوي إبّان الدولة القاجارية، لم يعتمد التجديد عنده بناءً على صفاته الفقهية فحسب، بل اعتمد أيضا على صفاته كمحارب وسياسي. 

استخدم الخميني خطابا متطرفا، مستعيدا مانوية الخير والشر، وتوجه إلى العالم الخارجي، أي الغرب من جهة والمسلمين من جهة أخرى. فجاء التنديد بتصرفات أميركا في عملية استقطاب مزدوج، حيث الخير يواجه الشر، وتوجه لاحتلال الكعبة. حاليا لم تعد أميركا مجسدة الشر، ونسي شعار "الموت لأميركا". الموت الآن للسعودية، الدولة الدينية المسلمة كإيران. 

يتدرج الاستقطاب من التوجه نحو الخارج، إلى التوجه نحو الداخل. وهذا ما مارسه حزب الله في الداخل اللبناني، حين توجه السيد نصرالله بعد حرب 2006 إلى أتباعه مطلقا عليهم نعت "أشرف الناس"، واعتبر دولاراتهم نظيفة! أما خصومه فصنّفهم كـ"عملاء". الشيعة منهم "عملاء سفارة" والآخرين دواعش وعملاء إسرائيل. ويتبين مع الوقت أن الجواسيس ينبعون من بيئته وبيئة حلفائه.

والآن نفس الاستقطاب يحصل ضد السنة تحت شعار محاربة "آل سعود". وكأننا أمام تشيع ثالث تلجأ إليه إيران لإنقاذ طموحاتها الإمبراطورية المأزومة. لم يبق لديها سوى استخدام التشيع والمذهبية كسلاح أخير لكسر روح التضامن العربي من أجل السيطرة على المنطقة بعد تفتيتها. 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!