جنازة ملكة بريطانيا شاهدها الملايين حول العالم
جنازة ملكة بريطانيا شاهدها الملايين حول العالم

أطلق رحيل الملكة إليزابيث الثانية عن الحياة، بعد سبعين عاما قضتها على رأس العرش الذي كان "إمبراطوريا" ذات يوم، شرارة جدل ساخن حول مستقبل "الملكية" في بريطانيا، تولت "بي بي سي" نقل الكثير من فصوله ووقائعه تباعا خلال الأيام التي أعقبت الوفاة وسبقت الدفن، ليمتد النقاش إلى مساحة أوسع وأبعد، وليطاول "مستقبل "الكومونولث" والملكيات العربية"، ولتنخرط فيه تيارات واتجاهات مؤيدة ومعارضة للنظام الملكي، ولتعرض على منصّاته، مختلف الآراء، من أكثرها سذاجةً وتزلفاً إلى أشدها تطرفاً و"انقلابيةً".

في بريطانيا، الجدل حول مدى ملاءمة النظام الملكي وجدواه وكُلَفه، سابق لرحيل الملكة، وثمة تيار يمكن نعته بـ "الجمهوري" مبثوث بين مختلف الأحزاب والأوساط (من بينه زعيمة المحافظين ورئيسة الحكومة الحالية ليز تراس)، والمؤكد أن هذا الجدل سيستمر، وربما يحتدم، بعد رحيلها، وعندما تهدأ عاصفة المراسم والمشاعر، وتحلٌّ لحظة الحقيقة الفاصلة لجيلين أو أكثر من "الإنكليز".

إذ بات من المؤكد اليوم، وبعد كل ما رأيناه من على هامش مراسيم توديع إليزابيث الثانية، أن وجودها "الشخصي" على رأس العرش، بمؤهلاتها ومواهبها وخبراتها المتراكمة، هو ما أسهم في "لجم" السجالات حول مستقبل الملكية في بريطانيا طوال السنوات والعقود الفائتة، فيما باب التكهنات سيُفتح بعدها على مصراعيه، وسط شكوك متزايدة، بأن نجلها الأكبر، وخليفتها، سيجد صعوبة "ملء فراغها"، وهو أمر سيتلقفه "جمهوريو بريطانيا" بشغف، وسيجعل حياة أنصار الملكية، أصعب كثيراً.

أهل إنكلترا وويلز، لديهم تفضيلاتهم المختلفة حول مستقبل الملكية في بلادهم، وما إن كان يتعين عليهم الاستمرار في حفظ تراثها وتقاليدها المتوارثة لقرون، أم أنه بات عليهم الالتحاق بعصر الجمهوريات الديمقراطية الحديثة… لكن أهل اسكتلندا وإيرلندا الشمالية، لديهم أسبابا إضافية، تدفعهم للتفكير ملياً وجدياً، لا بمستقبل علاقاتهم بـ"الملكية" كنظام حكم فحسب، بل وببقائهم في إطار المملكة المتحدة ذاتها كذلك، سيما وأن أنصار انفصال اسكتلندا باتوا اليوم يشكلون أغلبية السكان، فيما المسألة الإيرلندية، ستُبعث من جديد، بعد "البريكست"، وفي مناخات تبتعد بإيرلندا الشمالية عن إنكلترا وويلز، وتقربها من إيرلندا الجنوبية والاتحاد الأوروبي.

والجدل الذي أطلقه رحيل الملكة، طاول بلدان الكومونولث، والمستعمرات السابقة، فثمة نقاش في نيوزيلندا وأستراليا حول البقاء تحت مظلة التاج البريطاني أو الخروج عنها، وثمة نقاش لا يقل احتداماً في مستعمرات سابقة من الكاريبي إلى القارة السوداء، أقل وزنا وحضوراً على ساحتي السياسة والاقتصاد الدوليتين.

وما لم يعمد الملك الجديد إلى استحداث ثورة في علاقات التاج البريطاني مع مستعمراته القديمة، والدول الدائرة في فلكه حالياً، من نوع "تقديم الاعتذار" عن الحقبة الكولونيالية الغابرة وما رافقها من جرائم وسلب للثروات ونهب للخيرات، مشفوعاً بالتعويضات المناسبة، وإن على شكل سداد الديون أو إسقاطها، فضلاً عن إعادة نظر جذرية في قواعد العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، فهيهات أن ينجح في حفظ عرش بلاده داخلها وفي مجالها الحيوي، وتلكم مهمة شاقة على أية حال، وليس الملك هو صاحب القرار الأول والأخير بشأنها.

مستقبل الملكيات العربية

في ندوة مغلقة، نظمها مركز القدس للدراسات السياسية قبل ست سنوات، في شمال إيطاليا (حيث تعذر إيجاد مكان آمن لعقدها في العالم العربي)، جرت مناقشة ثنائية الإصلاح والاستقرار في "نادي الملكيات العربية" الثمانية، جاء ذلك في ذروة انتفاضات "الربيع العربي" واحتجاجاته… ومما قيل في مداولات تلك الندوة، أن مستقبل هذه الملكيات يُقرره عاملان رئيسان (من بين عوامل أخرى)، يختلف وزنيهما باختلاف هذه الملكية عن تلك:

الأول؛ ويتعلق بقدرة هذه الملكيات على التكيف مع مندرجات "ملكية دستورية"، كأن يبدأ الملك بالتخلي شيئاً فشيئاً عن سلطاته وصلاحياته المطلقة، لصالح حكومات وبرلمانات منتخبة من الشعب وممثلة له، وفي ظل ملكية برلمانية، يملك فيها الملك ولا يحكم، أي على الطراز البريطاني، حتى وإن اقتضت العملية المرور في مسار انتقالي، يطول أو يقصر… وهنا انصب التركيز أولاً على المغرب والأردن، لافتقارهما للريع النفطي من جهة، ولقابلية النظامين الملكيين الأعلى على التكيف من جهة ثانية، ولم تستثنَ جميع الممالك والإمارات الخليجية من هذا المسار، بل جرت الإشارة للكويت وعُمان والبحرين، بالدرجة الثانية، بوصفها ملكيات قابلة للانخراط فيه.

والعامل الثاني؛ الاقتدار المالي لهذه الملكيات الريعية، وقدرتها على إدارة علاقة "زبائنية" بين الدولة ومواطنيها، واستمرار طاقتها على استيعاب وتلبية احتياجات الأجيال الشابة، للتعليم والصحة والعمل والرفاه، نظير تسليمها بحقوقها السياسية لـ"ولي الأمر والنعمة"... هنا انصب ترجيح المشاركين والمشاركات من الدول الثمانية، على أن نظام "البيعة" و"السمع والطاعة" المتوارث، رهن باستمرار تدفق الريع النفطي، وفي اللحظة التي سيعاد فيها ترتيب العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس جديدة، ستجد الملكيات نفسها مطالبة بالتجديد والتغيير من قبل "دافعي الضرائب"، وسيكون أمامها خيارين اثنين، لا ثالث لهما: إما التكيف الصعب مع ضرورات "عقد اجتماعي" جديد، وصولاً لملكية دستورية مقيّدة، أو مواجهة سيناريوهات الثورة والفوضى والانقلاب.

وبالعودة إلى حوارات "بي بي سي" المفتوحة، فقد عقدت الدهشة ألسنة مواطنين من "نادي الملكية" شاركوا فيها، عندما علموا بأن رئيسة وزراء بريطانيا، زعيمة المحافظين، وآخر مسؤول سياسي (من خارج العائلة) تلتقيه الملكة قبل رحيلها بثلاثة أيام فقط، كانت من أشد المدافعين عن "المستقبل الجمهوري لبريطانيا"، ومن أكثر الساخرين من "الحق الإلهي" في تولي العرش، لمجرد أن "شخصاً ما" ولِدَ لعائلة ملكية… المواطنون المشار إليهم، يعرفون "سلسلة الحكم والوراثة" في بلدانهم، وهي لا تختلف كثيراً عن مثيلتها في بريطانيا، وهم يعرفون الفرق بين ملكيات دولهم والملكية البريطانية… لكنهم ما كانوا يتخيلون أن سيدة تناهض الملكية، وتدعو لاستبدالها بنظام جمهوري، يمكن أن تتقلد أعلى منصب تنفيذي في بلادها، من دون أن تتراجع عن أقوالها، ومن دون أن يُرمى بها وراء الشمس، هذا لا يحدث في "نادي ملكياتنا"، وإن كان من تاريخ "مُعارض" لمن يتولى الوظيفة العمومية في بلداننا، فعليه أن يتخلى عنه، ويعتذر، وأن يبرهن صبح مساء، بأنه كان ولداً عاقاً، وأنه "أسلم بعد جاهلية، وحَسُنَ إسلامه"، وبعد ذلك يمكن النظر بعين العطف لمستقبله الشخصي والسياسي. 

صحيح أن تجربة الملكيات في بلداننا كانت "على العموم"، أفضل من كثيرٍ من "الجمهوريات"، فالأولى، وإن لم تحمل على أكتافها الشعار القومي – التحرري المناهض للاستعمار والإمبريالية، إلا أنها حفظت على الأقل، الأمن والاستقرار وحققت قدراً من التنمية والرفاه، ساعدها أن معظمها نفطية وثرية، أما الثانية، فقد حملت هذه الشعارات وأخفقت في ترجمتها، وبعضها حباه الله ما حبا أغنى الملكيات من نعمة في باطن الأرض، فلم تستغلها في تحسين حياة مواطنيها وأهدرتها في مستنقعات الفساد والإفساد والحروب والمغامرات، فكانت كالمنبّت، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

لا يعني ذلك أن الفساد والإفساد والمغامرات والحروب و"تصدير النفوذ بدل الثورات" اقتصر على الجمهوريات "الثورية"، فبعض الملكيات تورط في كل هذه "الموبقات" من الرأس حتى أخمص القدمين، سيما في السنوات العشر الأخيرة، بل وذهب حتى نهاية الشوط، في كل ما يعاكس المشروع التحرري والقومي العربي، وانقلب رأساً على عقب، على كل ما تربت عليه أجيالٌ متعاقبة من المواطنين العرب… بؤس الجمهوريات وفشلها، لم يكن يوماً، ولن يكون، مبرراً للإسفاف والتهافت اللذين ميّزا سياسات بعض العواصم الملكية العربية.

في كل الأحوال، ضرب زلزال "الربيع العربي" الجمهوريات العربية بأعلى تدرجات "ريختر" التي نعرفها، واستثنى الملكيات، أو حلّ عليها خفيفاً: المغرب، الأردن، عُمان وبدرجة أعلى: البحرين… لكن ذلك لن يكون "بوليصة تأمين" للملكيات العربية، وهي اليوم، كما في الأمس، مطالبة بشق طرق الإصلاح المتدرج، على أن تضع نصب أعينها أن المستقبل الوسيط للملكيات الدستورية، فيما المستقبل البعيد، قد لا يكون فيه متسعاً للملكيات بمختلف أشكالها، وأن التغيير قادم، إن لم يكن الآن، فبعد سنوات أو بضعة عقود، ومن مصلحة الملكية والمواطنين، من مصلحة الدول والشعوب والمجتمعات العربية، أن تلج طريق الانتقال السلمي – المتدرج، بدل المقامرة بدخول مستنقعات الفوضى والثورة وحمامات الدماء، فزمن "البيعة" و"السمع والطاعة" و"الراعي والرعية" ولّى منذ زمن بعيد، ونحن متخلفون عن النهضة والأنوار و"العقد الاجتماعي" ثلاثة قرون، ورحيل الملكة إليزابيث الثانية وما أعقبه من جدل، وما سيترتب عليه من تداعيات، تذكير إن نفعت الذكرى.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!