بات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أسير البروباغندا التي أحاطت شخصيته وروجت له داخليا وخارجيا، فصانع المعجزات الوطنية منذ دخوله الشيشان إلى احتلال شبه جزيرة القرم، وما بينهما تأديب جورجيا، وقمع الشعب السوري، يبدو الآن عاجزا عن صناعة الانتصارات، بعدما أطاحت أوكرانيا بأسطورة القيصر الجديد الذي خسر هيبته داخليا ودوليا، وهذا ما دفع، توماس غراهام، المدير السابق للجنة روسيا في مجلس الأمن القومي الأميركي في عهد الرئيس، جورج بوش الابن، إلى القول إن "سمعة روسيا تعرضت لضربة كبيرة"، مضيفا أن التعثر الروسي في أوكرانيا سيثير تساؤلات حول قدرات موسكو الخاصة ومدى قدرتها على تصدّر المسرح السياسي العالمي كقوة عظمى.
إذا كانت مبررات صناعة الديكتاتور التي روج لها الأب الروحي للدعاية السوفياتية، ميخائيل سوسلوف، بأن روسيا حتى تكون إمبراطورية تحتاج إلى قيصر وفقر، فإن الجزء الأول من هذه المعادلة يبدو أنه مهدد بضربات الأوكران، ومن خلفهم دول حلف الناتو والدول الغربية، التي ساهمت هي أيضا في دفع بوتين إلى الوحل الأوكراني، في معركة استنزاف طويلة الأمد. لكن هذه المعركة التي كان الخبراء يعتقدون أنها ستستمر لسنوات تواجه اليوم تحولات جذرية بعد هزائم الجيش الروسي غير المتوقعة منذ شهر نيسان الفائت، الذي تراجع من كييف إلى خاركيف، والآن يفقد السيطرة على الأخيرة، فيما لم يستطع حسم معركة إقليم دونباس إلى الآن، الأمر الذي يرجح أن تتخذ المواجهة أشكالا غير متوقعه ما يجعل من العامل النووي أمرا ممكنا.
من المستحيل في تكوين شخصية بوتين أن يعترف بالهزيمة، وهذا ما قد يدفعه إلى إتخاذ إجراءات خطيرة في مقدمتها استخدام سلاح غير تقليدي في أوكرانيا، حيث أن آلة الدعاية الروسية منذ مدة تروج لفكرة الخطر الوجودي الذي قد تتعرض له روسيا، وهذا ما سيدفعها إلى الدفاع عن نفسها بكل الأدوات المتاحة أمامها، باعتبار أن هذا الأمر لا يتعارض مع العقيدة النووية الروسية التي تعتبر أن القوة النووية ستكون على المحك، إذا لم تكن قوة رادعة لأعداء روسيا وتضع حدا لمشاريعهم التي تهدد وجودها. فجدية هذا الاحتمال دفعت بالرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى تحذير روسيا من استخدام أسلحة نووية في حربها على أوكرانيا، حيث أكد بايدن أن "استخدام موسكو أسلحة نووية في حربها على أوكرانيا سيغير وجه الحرب بصورة لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية".
تحذير الرئيس بايدن رسالة للروس بأنهم ليسوا وحدهم يملكون قدرة الردع النووي، وأن استخدامه ولو بحدوده التكتيكية في أوكرانيا سيغير المعادلة النووية عالميا، وهذا ما سيجعل قوة موسكو النووية أمام تحديات عالمية، خصوصا احتمال أن يكون مستوى قدراتها النووية كمستوى قدراتها التقليدية، حيث تمكنت التكنولوجيا العسكرية الغربية من هزيمتها بسهولة، وهذا يفتح التساؤل حول الأسبقية النووية وقدرة الصواريخ المضادة.
يحتاج بوتين بعد هزيمته الأخيرة إلى إعادة ترميم صورته الشخصية التي كانت أحجية برموز استخبارية لا يُعرف عنها إلا القليل، ولكنها الآن مكشوفة ومصابة بجروح عميقة، لذلك يحتاج بوتين للقيام بخطوات داخلية وخارجية لا تبدو متاحة، فهو أمام معضلة فريقه الأمني والعسكري الذي يتحمل مسؤولية جزء من الهزيمة، لكن معضلة بوتين أن تحميل أي واحد من دائرته الضيقة المسؤولية، أي تحويله إلى كبش فداء، أولا لن يغير المعادلة الميدانية لأن أسباب الهزيمة في أوكرانيا مركبة ومتشعبة ، كما أنه سيجعل الأمر أشبه بـ حجارة الدومينو، أي أن هناك رؤوسا كبيرة ستسقط، وهذا قد يؤدي إلى أمرين، إما أن يغير بوتين أغلب طاقمه الخاص، وهذه هزيمه معنوية له في وقت ليس سهلا فيه إعادة تكوين السلطة في الكرملين، وإما أن تتفق هذه الرؤوس على أن تضحي به، وهذا صعب أيضا قبل أن يقدم على خطوة قد تطيح بالبشرية.

