دبابات روسية محترقة بقربها جنود أوكرانيون يتفحصون بقاياها
دبابات روسية محترقة بقربها جنود أوكرانيون يتفحصون بقاياها

ليس من المبالغة القول، بعد النكسات الميدانية المحرجة التي منيت بها القوات الروسية في أوكرانيا منذ بداية الشهر الجاري، والتي ادت إلى انسحابها من محيط مدينة خاركيف في شمال شرق البلاد، وتعرض بعض المناطق الروسية الحدودية إلى قصف القوات الاوكرانية، وذلك بعد مرور أكثر من مئتي يوم على بداية الغزو الروسي الذي كان يفترض أن يضع أوكرانيا في الفلك الروسي، أن روسيا التي كانت تتبجح بأنها ثاني قوة عسكرية في العالم، هي في الواقع نمر من ورق، وقوة عسكرية  في المرتبة الثالثة أو أدنى. وللمرة الأولى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من ثلاثة عقود، تواجه خليفته الضعيفة روسيا الاتحادية تحديات صعبة في المحافظة على نفوذها السابق في الدول التي تحررت من قبضة الاتحاد السوفياتي في آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا الشرقية، بعد أن كشفت المقاومة الأوكرانية المدنية والعسكرية العنيدة وبشكل نافر محدودية القوة العسكرية الروسية وهشاشة نظامها السياسي.

الدولة التي تغطي مساحتها الجغرافية 11 منطقة زمنية، والتي يزيد عدد سكانها عن 146 مليون نسمة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف عدد سكان أوكرانيا، والتي كانت قبل الغزو تحتل المرتبة الحادية عشرة بين اقتصاديات العالم، تواجه انهيارات اقتصادية وربما سياسية داخلية بسبب الثمن الاقتصادي والمالي الكبير الذي ستدفعه في المستقبل القريب بعد أن تكتشف جميع أبعاد العقوبات التي فرضتها الاقتصاديات المتقدمة ضدها. قبل الغزو كانت روسيا تستورد 80 بالمئة من احتياجاتها الصناعية والتقنية، مثل المعدات المتطورة، ووسائل المواصلات، والإلكترونيات، والمواد الكيماوية والأدوية  وغيرها، بينما تشكل صادراتها من المواد الأولية وخاصة النفط والغاز أكثر من 80 بالمئة من حجم اقتصادها ( إضافة إلى تصدير الأسلحة) ما يضعها عمليا في خانة الدول النامية التي تعتمد على تصدير مادة أو أكثر من المواد الخام التي تحتاجها الدول الصناعية المتقدمة. ولذلك لم يبالغ السياسيون والمحللون الأميركيون في السابق كثيرا حين وصفوا روسيا بأنها عبارة عن محطة وقود مجهزة بصواريخ عابرة للقارات. 

بعد أكثر من مئتي يوم على الغزو تبدو جميع مسلمات وحسابات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خاطئة أو ستؤدي إلى نتائج عكسية. الانتصار العسكري الروسي السريع والمفترض أن يتم خلال أيام، أصبح الآن مستحيلا، لا بل يمكن القول إن روسيا قد منيت بهزيمة استراتيجية على الرغم من أن الحرب مستمرة،  وليس من المرجح أن تنتهي قريبا. قبل الانتصارات العسكرية الأخيرة التي حققتها أوكرانيا كان المسؤولون في الدول الغربية الحليفة يشككون بتأكيدات الرئيس الأوكراني، فلودومير زيلينسكي، بأن بلاده ستخرج منتصرة من الحرب، وأنها ستحرر أراضيها المحتلة. بعد النكسات الروسية الأخيرة سيصبح من الصعب أكثر على الدول الغربية ومنها الولايات المتحدة رفض تزويد أوكرانيا بالمزيد من الأسلحة الفعاّلة، أو التفكير بالضغط على كييف للتوصل إلى حل سياسي لتفادي شتاء بارد ومظلم في أوروبا بسبب تهديدات بوتين بحرمان القارة الأوروبية من احتياجاتها من النفط الروسي.

الرهان الروسي على انهيار الدفاعات الأوكرانية وحدوث انقسامات سياسية وجهوية في البلاد فشلت وأدت إلى رد عكسي أكدته الوحدة الوطنية التي تعززت في البلاد وخاصة بعد  صمود الجيش الأوكراني ووقوف حلف الناتو بقوة وراء أوكرانيا. الصمود الأوكراني أدى بدوره إلى تعزيز صمود ووحدة أوروبا في وجه الضغوط الروسية. حتى ألمانيا التي كان يعول بوتين على ميلها للحياد ورغبتها في ضمان مصادر الطاقة الروسية، سارعت بعد تردد وجيز إلى الوقوف بقوة وراء أوكرانيا، وبدأت بالبحث عن مصادر بديلة للطاقة الروسية. وإذا كان بوتين يتوقع ردا أميركيا وأوروبيا فاترا ومترددا كما كان هذا الرد على احتلال وضم روسيا لشبه جزيرة القرم في 2014، فإنه فوجئ هذه المرة برد مختلف نوعيا وبالمطلق عن الرد المحدود لإدارة الرئيس الأسبق، باراك أوباما، الذي تردد في تزويد أوكرانيا بأسلحة محض دفاعية.  ووصلت قيمة المساعدات العسكرية التي قدمتها إدارة الرئيس بايدن إلى أوكرانيا خلال الأشهر السبعة الماضية إلى 15 مليار دولار. 

عسكريا وميدانيا تميز أداء القوات الروسية المسلحة برداءة مفاجئة حيث اخفقت هذه القوات بتنسيق عملياتها العسكرية في أكثر من منطقة، كما اخفقت في القيام بهجمات تشارك بها مختلف القوات البرية والجوية والبحرية كما يفترض بالجيوش المتقدمة. لوجستيا كان أداء القوات الروسية فضائحيا، حيث أرسلت القيادة الروسية مواكب طويلة من الشاحنات والدبابات والعربات المسلحة في عمق الأراضي الأوكرانية من دون أن تضمن مسبقا كيفية تزويدها بالوقود والأغذية والفرق التقنية التي تضمن إصلاح هذا العتاد. المحرج لروسيا هو أنها واجهت مثل هذه المشاكل اللوجستية خلال احتلال دولة مجاورة. (في المقابل، الولايات المتحدة لم تواجه مثل هذه التحديات اللوجستية حتى عندما غزت دولا تبعد عنها آلاف الأميال مثل أفغانستان والعراق). وبينما تميز أداء القوات الأوكرانية بالمعنويات العالية لأن هذه القوات تدافع عن وطنها، تميز أداء القوات الروسية الغازية بمعنويات متدنية، خاصة وأن القيادة الروسية ضللت بالجنود الروس عندما ادعت بأن الأوكرانيين سيستقبلونهم كمحررين جاءوا لتخليصهم من "الطغمة النازية" التي تحكمهم. 

صور الدبابات والعربات المسلحة الروسية المدمرة، أو المتروكة في الميدان في المناطق الأوكرانية المحررة هو أبلغ دليل على انهيار معنويات القوات الروسية التي انسحبت وتخلت عن مواقعها من دون قتال وتركت وراءها معداتها العسكرية التي سارع الأوكرانيون إلى استخدامها ضد أصحابها السابقين. ومرة أخرى تركت القوات الروسية وراءها المقابر الجماعية للمدنيين والأسرى العسكريين الأوكرانيين بعد التنكيل الجسدي بهم قبل تصفيتهم. وفي الأسابيع الماضية أكدت تقارير صحفية عديدة أن روسيا تستخدم مختلف أنواع  جماعات المرتزقة مع قواتها في أوكرانيا، مثل أولئك الذين ينتمون إلى تنظيم "فاغنر"  الروسي الذي قاتلت عناصره في سوريا وليبيا، إضافة إلى مرتزقة من سوريا، ومقاتلين من الشيشان. وأخيرا تم الكشف عن استخدام سجناء في السجون الروسية للقتال في أوكرانيا بعد العفو عنهم. مثل هذا المزيج  الهجين من القوات لا يمكن أن يفرض احتلالا عسكريا دائما في وجه مقاومة وطنية شرعية تحظى بدعم شعبي في الداخل وتأييد عالمي مادي وسياسي وعسكري. في الأسابيع الماضية بدت روسيا بالفعل وكأنها دولة أوتوقراطية نامية. هذه الدولة التي لعبت دورا رئيسيا في هزيمة ألمانيا النازية، وجدت نفسها تطلب من إيران تزويدها بالمسيرات، ومن كوريا الشمالية بيعها ذخائر المدفعية، لأنها لم تعد قادرة على إنتاج هذه الأسلحة بسرعة لأسباب عديدة من بينها العقوبات الغربية التي حرمت روسيا من بعض المواد ورقائق الكمبيوتر الضرورية لتصنيعها. 

استخدام الرئيس بوتين لهذه القوات يعكس تردده في اللجوء إلى فرض تعبئة عامة تسمح له بإرسال أكثر من مئة ألف مجند للمشاركة في القتال في أوكرانيا. مثل هذه التعبئة العامة ستنسف ادعائه بأن ما يجري في أوكرانيا هو "عملية عسكرية خاصة" وليست حربا نظامية واسعة النطاق. نظريا أمام بوتين خيارات عديدة، بدءا من فرض التعبئة العامة، وانتهاء باستخدام أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة الكيماوية وحتى القنابل النووية التكتيكية المحدودة. ولكن ما هو متوفر نظريا لا يعني أنه يمكن أن يترجم عمليا. جميع خيارات بوتين في أوكرانيا أحلاها مرّ. وحتى ولو أعلن التعبئة العامة، فإنه لا يملك المعدات العسكرية الضرورية لهذه القوات، كما أنه لا يستطيع رمي هذه القوات في الميدان قبل ستة أشهر على الأقل وهي الفترة الضرورية لتنظيمها وتدريبها. إذا توفرت المعدات الضرورية لها. استخدام أسلحة الدمار الشامل سيفرض على الولايات المتحدة ودول الحلف الأطلسي اتخاذ إجراءات تصعيدية لمعاقبة روسيا تشمل توفير أسلحة نوعية وهجومية لأوكرانيا وإعلان روسيا دولة مارقة وإرهابية. كما أن أصدقاء وحلفاء روسيا مثل الصين والهند وغيرها سيرفضون مثل هذا التصعيد الروسي وسيبعدون أنفسهم عن موسكو.

يمكن القول إن شهر سبتمبر- أيلول الجاري هو أقسى الشهور لبوتين وروسيا منذ بداية غزو أوكرانيا. وإضافة إلى النكسات العسكرية المكلفة، مني بوتين شخصيا بنكسات محرجة وعلنية  في الأيام الماضية. وخلال القمة الأسيوية التي انعقدت في أوزباكستان وجد بوتين نفسه يتعرض لانتقاد علني من رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، الذي قال لبوتين في بداية لقائهما " هذه ليست حقبة حرب" وتابع " اليوم ستتوفر لنا الفرصة لمناقشة كيفية تقدمنا على طريق السلام"، وأشار مودي إلى أنه أبلغ بوتين بهذا الموقف خلال مكالماتهما الهاتفية. جاء ذلك بعد يوم من اعتراف بوتين بأن نظيره الصيني، شي جينغ بينغ، أعرب له خلال لقائهما عن "قلقه وتساؤلاته" حول الحرب في أوكرانيا.

تزامن هذا النقد الضمني ولكن القوي من أهم الدول الكبيرة التي وقفت عمليا مع روسيا وساعدتها عبر شراء منتجاتها من النفط والغاز على تمويل غزو أوكرانيا، تزامن مع هزيمة القوات الروسية في محيط مدينة خاركيف ، ليكشف مدى عزلة بوتين وعمق المأزق الذي تواجهه روسيا حاليا. حتى الآن ردود فعل بوتين على هذه النكسات كانت في تكثيف الهجمات الصاروخية الانتقامية  ضد المدن  والبلدات الأوكرانية وقتل المزيد من المدنيين الأوكرانيين . ولكن اللافت في المؤتمر الصحفي الذي عقده بوتين، الجمعة الماضية، بعد انتهاء المؤتمر هو أنه قال إنه مستعد لمحادثات مع أوكرانيا من دون أن يكرر شروطه التعجيزية مثل جعل أوكرانيا أرضا منزوعة من السلاح، كما لم يتحدث عن التخلص من قيادتها "النازية"، ومدعيا – بعكس تأكيداته العلنية حين غزا أوكرانيا - بأن "الهدف الرئيسي" للغزو كان للسيطرة على إقليم  دونباس في شرق البلاد. تصريحات بوتين هي اعتراف ضمني بأنه لا يستطيع تجاهل انتقادات دول هامة مثل الهند والصين.

بعد سبعة أشهر على غزو أوكرانيا، ازداد حلف الأطلسي قوة واتسعت رقعته الجغرافية بعد انضمام السويد وفنلندا إليه، وبعد اقتراب أوكرانيا (ومولدوفا) أكثر من أوروبا والحلف الأطلسي، وهي خطوات كان يرفضها بوتين. الغزو الروسي لأوكرانيا  وسحب مئات الجنود الروس من أرمينيا، أضعف من نفوذ موسكو في القوقاز وفي التدخل لوقف القتال بين أرمينيا وأذربيجان، التي عززت من تحالفها مع تركيا. المأزق الروسي في أوكرانيا، أظهر أكثر من أي وقت سابق نفوذ الصين في آسيا الوسطى، وهو نفوذ يأتي على حساب نفوذ موسكو التقليدي في تلك المنطقة. وكما أن الغزو الروسي لأوكرانيا أظهر مدى عزلة روسيا عن العالم الغربي وضعفها في مواجهة اقتصاديات الغرب القوية، فإن الغزو رسّخ أيضا حقيقة جيوسياسية آسيوية هامة، وهي أن روسيا أصبحت الشريك الضعيف للصين. خلال القرن العشرين كانت روسيا تنظر إلى الصين كدولة آسيوية فقيرة. وبعد وقوع الصين تحت سيطرة النظام الشيوعي، تحولت إلى الشريك الثاني والضعيف للاتحاد السوفياتي إلى أن انفجر النزاع المسلح والسياسي والإيديولوجي بين البلدين في نهاية ستينات القرن الماضي. ولكن خلال العقود الماضية انقلبت الطاولة وأصبحت الصين دولة صناعية وتقنية متقدمة وحققت نفوذا دوليا أكبر بكثير من نفوذ روسيا. روسيا والصين تلتقيان على ضرورة مواجهة النفوذ الأميركي السياسي والاقتصادي في العالم ويتعاونان مع بعضهما البعض في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة. وخلال حقبة بوتين، ازدادت روسيا اعتمادا على الصين اقتصاديا التي تصدر إليها منتجاتها من النفط والغاز، وتستورد منها مختلف أنواع البضائع. الاتفاقيات التجارية بين البلدين تبين أن الصين هي الطرف الأقوى، وأن روسيا عمليا قد قبلت بأن الصين قد أصبحت شريكتها الكبرى والدولة التي تحتاجها روسيا لتفادي تحولها إلى دولة معزولة ومهمشة أكثر مما هي الآن.  
هذه هي الأرض اليباب التي قاد بوتين روسيا إليها.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!