المدرعات والدبابات الروسية المحترقة تتناثر في كل مكان من مدينة بوتشا
جندي أوكراني يتفقد حطام الدبابات الروسية في مدين بوتشا الأوكرانية

تكرر قبل بضعة أيام في مختلف وسائل الإعلام العربية العنوان التالي، "في تطور لم يتوقعه أحد الجيش الروسي يخسر بعض المواقع بعد هجوم أوكراني"، وعبارة لم يتوقعه أحد صحيحة، إذا كان المقصود فيها الإعلام العربي وضيوفه من "الخبراء العسكريّين والاستراتيجيين" الذين مازالوا يؤكدون منذ سبعة أشهر، على أن روسيا تمتلك قوة عسكرية جبارة، وأنها تنتقل من نصر إلى آخر في أوكرانيا، إذ يبدو أن التمنيات تختلط عند هؤلاء، مع ما يُسمى الهوى الإيديولوجي الذي يمنع صاحبه من رؤية الواقع على حقيقته، مهما كان واضحاً أمام عينيه، إذا لم يتوافق مع ما يؤمن به من أفكار وقناعات. 

وظهرَ ذلك بوضوح خلال تغطية الغزو الروسي لأوكرانيا، ففي الأيام الأولى شاهدَ العالم رَتلا روسيا هائلا يزحف على طول 64 كلم بصفين أو ثلاثة صفوف متراصة من الدبابات والمدرعات من بيلاروسيا نحو كييف حتى أصبح على مشارفها، والذي ترافقَ مع إنزال جوي روسي احتل مطار جستوميل في جنوب غرب كييف، ولكن خلال فترة قصيرة تمكن الأوكرانيون من تحرير مطار جستوميل، وإبادة قسم كبير من القوة الروسية التي تمّ إنزالها فيه، كما تعرض رَتل الدبابات المُتجه نحو كييف إلى سلسلة من الكمائن والضربات المنسّقة، التي نفّذتها طائرات مسيّرة ومجموعات صغيرة سريعة الحركة من المُشاة، مزوّدة بمضادّات دروع، أدّت إلى تدمير قسم كبير من هذا الرتل، وإجبار ما تبقّى منه على الانسحاب مع ترك أعداد كبيرة من الدبابات والمدرّعات المدمّرة والسليمة خلفه، بما أكّد على أن التكتيكات المرنة والذكيّة كانت أكثر أهميّة وفعّالية من غزارة النيران. 

ونقلَ الإعلام العالمي صور هزيمة بوتين الأولى في أوكرانيا، لكن الإعلام العربي كان ينقل أخبار معارك أوكرانيا بطريقة مختلفة، فبعد يومين من الغزو قال أحد "الخبراء" على إحدى المحطات المصرية، إن روسيا لم تَخسر حتى تاريخه أي جُنود أو آليّات أو طائرات، وأن البيانات الأوكرانية التي تتحدّث عن خسائر روسيّة هي فقط لحفظ ماء الوجه، وأن سلاح الجو الروسي دمّر سلاح الجو الأوكراني، وأغلق مجال أوكرانيا الجوّي بعد ساعتين فقط من انطلاق العمليّة العسكرية، وأن كييف مُحاصرة من جميع الجهات، واحتلالها سيكون خلال أيام وربما ساعات، لأن الطريق إليها مفروش بالورود، حسب تعبير هذا الخبير!، وتابع أن هُناك معلومات عن هُروب زيلينسكي خارج أوكرانيا، وأن روسيا ستحتلّ كامل أوكرانيا، ثم أحضر معدّو البرنامج خريطة لأوكرانيا مرسوم عليها أسهم طويلة تخترق أغلب مناطقها في إشارة الى الجيوش الروسية. 

بعد بضعة أيام من بداية الحرب، تبيّن أن حسابات بوتين كانت أقرب إلى أحلام اليقظة، وأنه أخطأ في استخفافه بخصمه، وتوقّعه انهيار الجيش الأوكراني الذي إتّضح أنه أقوى وأكثر إصراراً على القتال ممّا توقّعته المخابرات الروسية، بل تبيّن أن الجيش الروسي نفسه غير مهيّأ لحرب حقيقية، ولكنّ القيادة الروسية بَقيت مصرّة على الإدّعاء بأن الأمور على ما يُرام، وأن الخطّة تَمضي كما هو مقرّر، ومع إنسحاب الروس من مُحيط كييف انكشفت بعض الجرائم الوحشية التي إرتكبوها بحقّ المدنيين العُزّل مثل المقابر الجماعية التي عُثر عليها في بلدة بوتشا، فتوقّف الغرب عن البحث عن حُلول وسط مع بوتين وتحوّل تركيزه باتّجاه دعم أوكرانيا قدر الإمكان. 

وفي الخامس والعشرين من مارس أي بعد شهر من الهجوم الروسي، أجرى بوتين تغييرات كبيرة في القيادات الميدانية، واتّبع القادة الجُدد التقليد الروسي المعروف بالقصف الكثيف أو الأرض المحروقة، للتمهيد لهجوم برّي يستهدف الشرق الأوكراني، من دون أن ينالَ ذلك من معنويّات الأوكرانيين، ومن دُون تحقيق تقدّم يمكن تسويقه كانتصار يحتفل به بوتين في عيد النصر على النازيّة في التاسع من مايو، وزادَ من إحباط الروس إغراق الأوكرانيين لسفينة القيادة الروسية "موسكفا" في منتصف إبريل، والتي يتألّف طاقمها من 510 أفراد، والتي كانت قائدة الهجوم البحري على أوكرانيا وهي أكبر سفينة تغرق نتيجة عمل عسكري منذ الحرب العالمية الثانية، فلم يكن أمام بوتين ما يحتفل به، واستمرت الخسائر الكبيرة والتقدم البطيء حتى قالت التقديرات أنه بعد ثلاثة أشهر من الحرب فقدت القوات الروسية ثُلث قوّاتها المُهاجمة من أفراد وعَتاد وتبيّن أن بوتين لن يستطيع ربح هذه الحرب، كما أنه لن يتجرّأ على خسارتها. 

ولكن في هذا الوقت كان المحلّلون السياسيّون العرب في واد آخر، فقد قالَ أحدهم "روسيا حسَمت الحرب بعد المئة يوم الأولى منها، والأسلحة الغربية تتكسّر اليوم بيد الروس كحبّات اللوز، والقوّات الروسية تزحف بثبات، وسيطرت على أكثر من ربع مساحة أوكرانيا"، وتوقّع هذا الخبير أن تصل هذه المساحة إلى ثُلث أوكرانيا مع نهاية الصيف وبداية الخريف، أما من ناحية العقوبات الغربية على روسيا، فقد قال: "أن السحر قد انقلب على الساحر، ودخلت دول الغرب في رُكود تضخّمي وصارَ الروبل الروسي أفضل عملات العالم أداءا". 

واعتبارا من شهر حزيران-يونيو الماضي لم يعد هناك تقدم روسي يُذكر، بينما كان الأوكران يتدرّبون على أسلحتهم الجديدة التي شنّوا فيها هُجوما على عدّة جبهات في شهر سبتمبر الحالي، وصلَ إلى درجة استعادة أراض تُعادل أغلب مساحة لبنان، ممّا أدّى إلى إرتفاع أصوات من داخل روسيا تنتقد أداء القيادة العسكرية، بل طالب بعضُهم بإستقالة بوتين نفسه، وبينما كانت الانتصارات العسكريّة الأوكرانية موثّقة بتسجيلات تُظهر المدن المحرّرة والدبابات الروسيّة المدمّرة، كانت البيانات الروسية أشبه بالإعلانات والأفلام السينمائية التي يظهر فيها إقلاع طائرات وإطلاق صواريخ، من دون وجود ما يدلْ على مكان وزمان ونتائج هذه الهجمات، مع مُبالغات ساذجة لا يصدّقها أحد، مثل الادعاء يوميا بقتل مئات الجنود الأوكرانيين. 

وبقي الإعلام العربي حتى في هذه المرحلة مصمّماً على روايته الخاصّة بأن إنسحاب الروس تكتيكي، وهو ليس سوى فخ مُحكم يُعدّونه للأوكرانيين، بينما ردّد آخرون عبارة إعادة التموضُع لتبرير هذا الإنسحاب، مع أن العرب هم أكثر من يعرف المعنى الحقيقي لهذه العبارة، لأنهم استخدموها كثيرًا لتبرير كل هزيمة كانوا يتعرّضون لها، ومع أن منظر الدبابات والعربات وصناديق الذخيرة والصواريخ وعربات الرادار السليمة التي تركها الروس خلفهم غَنيمة للأوكرانيين تدل بشكل قاطع على هُروب فوضوي للعسكريين الروس. 

لقد بدا الإعلام العربي، وهو في أغلبه إعلام رسمي، مصرا على خداع جمهوره، فعمل على التقليل من مساحة المنطقة التي حرّرها الجيش الأوكراني، وتحدث عن أعداد كبيرة من المرتزقة الأجانب، يقاتلون في صفوف الجيش الأوكراني لتبرير الإنسحاب الروسي، مع أن الأوكرانيين ليسوا في حاجة إلى من يُقاتل بالنيابة عنهم، ولا يقول هذا الإعلام مثلا بأن الجيش الأوكراني يضم اليوم 50 ألف إمرأة أوكرانية تطوّعن للقتال دفاعاً عن بلدهن، بينهنّ خمسة آلاف يُقاتلن على الخطوط الأولى، وكذلك لا يقول هذا الإعلام بأن الغزو السوفييتي لأفغانستان الذي إستمر عشر سنوات، وكان أحد أسباب إنهيار الاتحاد السوفييتي، قد نتج عنه مقتل 14500 عسكري سوفييتي فقط، بينما تجاوزت خسائر روسيا البشرية في حرب أوكرانيا حتى الآن أضعاف هذا الرقم، وتجاوزت خسائر الدبابات والمدرّعات عشرات أضعاف خسائر حرب أفغانستان. 

كما أكدت هذه الحرب على أن روسيا رُغم مساحتها الهائلة وامتلاكها أسلحة نووية هي دولة إقليمية اقتصاديا وعسكريا ومتخلفة صناعيا، وهذا يطرح تساؤلات حول سبب الرغبة العربية بانتصار بوتين، ويحاول البعض تبرير ذلك بأن دول الغرب احتلت في الماضي دولا عربية، ولكن الدول التي خاضت حُروبا حقيقية مع أميركا مثل اليابان وألمانيا وفيتنام، هي صديقة وحليفة لها اليوم، كما يقول آخرون أن السبب هو دعم الغرب لإسرائيل، ولكن الكثير من الدول العربية وقعت إتفاقيات سلام مع إسرائيل، والحقيقة أن الديكتاتوريات العسكرية العربية تتمنى انتصار ديكتاتور يشبهها، كما تتمنى مع أحزاب الإسلام السياسي هزيمة الغرب بأي طريقة، لأنه ديمقراطي ومُزدهر وناجح ومتفوّق في جميع المجالات، ويقدم البديل الحقيقي عن الديكتاتوريات العسكرية من جهة، وعن دولة الخلافة التي تحكمها الشريعة الإسلامية من جهة أخرى. 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!