قوارب صيد راسية على شاطئ لبناني
قوارب صيد راسية على شاطئ لبناني | Source: MBN

كان الغرض من الاستعانة بحالة "أحمد" في مقال سابق هو التمييز بين مستويين خاص وعام، في متابعة موضوع الهجرة، أو اللجوء أو "الغزو"، وذلك لإظهار أن القرارات الخاصة، والتي تحركها اعتبارات المعيشة والمستقبل والأولاد، ليست إجمالا معنية بالسجال السياسي والفكري والذي تبنى عليه المواقف العامة، أكانت مبدئية أو شعبوية أو وجودية.

على أن "أحمد" تحول، بفعل متابعة رحلته، من شأن جانبي، إلى الموضوع كلّه. "أحمد" عقد العزم على الرحيل من لبنان إلى بريطانيا، تصحبه زوجته "وصال"، وابنته الشابة "ياسمين" (١٧ سنة)، وابنه الطفل "شريف" (١١ سنة)، وابنته الطفلة "نادين" (٧ سنوات). ابنه "رائد"  (٢٠ سنة)، سبق الجميع إلى لندن، هروبا من أوكرانيا حيث كان يدرس (الأسماء هنا كلها مستعارة والأعمار تقريبية).

قبيل الرحيل، ربما كانت "نادين" الأكثر حماسا، إلا أن اعتماد الجميع كان على "أحمد"، وهو الذي اتّسم دوما بالحرص على متابعة أدق التفاصيل، في عمله كما لرعاية أسرته.

الرحلة، المدفوع أجرها مقدما، بدأت جوا إلى مصر، ومنها برا عبر الحدود الليبية إلى طرابلس، أي ما تطلب عبور خطوط التماس بين الفصائل المتقاتلة في ليبيا. لا بأس، فالمسهلون على علاقة نفعية متبادلة مع الجميع. وبالفعل تم اجتياز الحواجز ووصلت المجموعة بكاملها إلى دار الضيافة في طرابلس. كان "أحمد" وأسرته ذاهبون في مسعاهم بصحبة أقارب لهم عديدين، والهدف الاستقرار في المنفى الطوعي (القسري؟) بما يحفظ بعض أواصر القربى بعد أن تشتت معظمها نتيجة دمار الوطن.

في طرابلس الليبية، ظهرت بعض المصاعب. خلال مكالمة هاتفية مع أحد المقربين إليه في بيروت، كان الانفعال جليا في صوت "أحمد". يبدو بأن مسهلي العبور البحري لم يفوا بوعودهم. "أحمد" ومن معه يتوقون لاجتياز البحر وصولا إلى إيطاليا، ولكنهم يصرون على أن يكون المركب بالمواصفات الآمنة المتفق عليها.

ليس واضحا متى وكيف غير "أحمد" رأيه ورضي بما قدمه له المسهلون من قارب آخر بدلا عن ذاك الذي كان قد تعاقد معهم عليه على أساس الصورة والأمان. غير أنه كان ثمة مواساة من دون شك بأن الجميع يرتدي سترات النجاة، تحسبا للأسوأ.

أبحروا ليلا. لم يطل إبحار المركب طويلا. وعلى مسافة قصيرة من الساحل الليبي، حصل هذا الأسوأ الذي كان التحسب له. غرق المركب.

"أحمد" النشط، "أحمد" الرياضي، "أحمد" الزوج الوفي العاشق لزوجته إلى منتهى العشق، "أحمد" الأب المتفاني الباذل كل ما بوسعه كرامة لعيون أولاده. ماذا فعل في هذه الدقائق الحرجة؟ ماذا جرى يا "أحمد"؟

خفر السواحل، أو ما يقوم مقامه، وصله نداء الاستغاثة المرسل عبر الهاتف من المركب. أرسل الزوارق لانتشال المنكوبين. أنقذ منهم الكثيرين. الشابة "ياسمين" إحداهم، وشقيقتها الطفلة "نادين". والكثير من الأقارب. ولكن أين الوالد، أين الوالدة، أين الشقيق "شريف"؟ لا بأس أيتها العزيزتين، أعمال الإنقاذ تستمر أياما. حافظا على الرجاء والأمل وأكثرا من الدعاء. هيا إلى بر الأمان، اتصلا بمن تشاءان. طابت أيادي هؤلاء المنقذين.

الشابة وشقيقتها الطفلة، مع الأقارب، عند الشاطئ، تنتظران. تمر الساعات الطويلة. ثم يأتي الخبر الأول. "شريف"، الطفل المشاغب، لن يشاغب بعد اليوم. جثة عائمة انتُشلت من المياه. حال الكبار، من الأقارب المصدومين هنا، الترحم على روحه والرضا بالقضاء والقدر. ما حال "نادين"؟ معه كان ذهابها كل صباح إلى المدرسة، معه كان اللعب. هو الأقرب إليها سنا، هو وهي لم يعرفا من العالم إلا بيروت. هي اليوم، عند أول خروج لها منها، معه، دونه. من هول الصدمة، هل هي قادرة أن تميز بين حزنها وجلها ألمها على شقيقها صديقها رفيقها وبين قلقها رعبها خوفها على والديها؟ ماذا يدور في خاطرك أيتها الطفلة. أي ألم هذا الذي لم يعلمك لا والديك ولا مدرستك ولا مدينتك كيف تمسكين به؟

ثم يأتي الخبر الثاني. فرق الإنقاذ قد تمكنت من انتشال بعض الأحياء. اصبروا قليلا، لا بد من استجوابهم، لا بد من أخذ إفاداتهم. (لماذا؟).

"أحمد" بالتأكيد هو أحدهم. لا شك بأنه اندفع لإنقاذ "وصال" و"شريف". ربما أن التيار جرف "شريف" في الظلام. ولكن لا شك أن "أحمد"، وهو أقوى من كان على المركب رغم قصر قامته، قد نجا ومعه "وصال". كلها ساعات قليلة ويأتيان.

لا. الساعات مضت، ليأتي اليقين بأن "أحمد" و"وصال" ليسا من عداد آخر الناجين الذين انتشلهم فريق الإنقاذ. عندها تذكرت "ياسمين"...

قسما، قسما، رددت الشابة، رأيت سفينة سوداء كبيرة كانت خلفنا. هي أيضا سفينة عبور. لا شك بأن طاقمها وركابها قد رصدوا والدي ووالدتي وأنقذوهما من الغرق. لا شك بأن والدي ووالدتي هما الآن داخل نقطة الوصول عند الشواطئ الإيطالية. الإجراءات لا تسمح لهم بأن يتواصلوا مع أحد قبل أن يتم تسجيلهم، تدوين أسمائهم وتبين هوياتهم. هي إجراءات طويلة معقّدة. علينا الانتظار. ربما ساعات، بل أيام. علينا الانتظار.

انتظري أيتها الشابة الحسناء. عسى هذا الانتظار يسمح لك باستجماع العزم والقوة لتتمكني من مساعدة شقيقتك الطفلة. على البكاء. على النجاة.

تجري الترتيبات لإعادة "ياسمين" و"نادين" إلى بيروت. هكذا أفاد الأقرباء. كيف يكون ذلك، وفق أية مستندات؟ هل ما زالت الأوراق الثبوتية معهما، أم هل ضاعت في عداد ما ضاع في البحر؟ والعودة إلى بيروت، إلى أين تحديدا؟ "ياسمين" مخطوبة لشاب مقيم في بريطانيا، يقال إنه "نظامي"، أي مستوف لكل شروط الإقامة. كان بوسعها الانتظار إلى أن يستكمل خطيبها إجراءات الهجرة لها. ولكنها شاءت مصاحبة أهلها في رحلتهم، كي لا تبقى وحيدة في بيروت. هل تعود إلى بيروت؟ هل يصدق خطيبها؟ وهل ينجح باستقدامها إلى بريطانيا؟ وماذا تفعل عندها "نادين"؟ ما الذي ستفعله "نادين"؟ أي مستقبل لـ "نادين"؟

أين أنت يا "أحمد"؟ هل أنت في مركز استقبال إيطالي، ومعك "وصال" تنتظران إتمام اللازم من المعاملات ليسمح لكما الاتصال والاطمئنان إلى ابنتيكما؟ أم هل أنك، في تلك الدقائق الأخيرة، قد استمتّ لإنقاذ "وصال" و"ياسمين" و"شريف" و"نادين"، وكان ما كان؟

أنت الأدرى بصالح عائلتك يا "أحمد". ليس بوسع أحد أن يلومنّك ويقول لك حذرّتك من الغرق، حذرّتك من غدر المسهّلين، ومن غدر القدر. فأنت كنت على علم كامل بأن في الأمر مجازفة، مخاطرة، تهلكة. وساعة اخترت أن تخاطر، فلأنك وزنت أن في البقاء موت وفي الذهاب موت. وحقّ لك ما فعلت.

إنما اللوم على بلاد الظلام التي غادرتها يا "أحمد". في مسقط رأسك، يختال الطاغية متجولا في خراب بلاد سحقها ليبقى. رغم أنه هو المسحوق، يأتيه طاغية أكبر منه فلا يسمح له بالاقتراب من المنصة، أو يُجلسه، هو أو أحد أعوانه لا فرق، على كرسي أطفال. تباً له ولمن يعذره. الأمس واليوم وكل يوم.

وفي دارك، في بيتك، في لبنانك، يتناتش المتخمون حتى الفزر كل فتات يرسلها المشفقون للجياع. 

يحكى أن سفير بلاد بعيدة كانت سيداتها الفاضلات يأتين لبنان طلبا للعمل خادمات في المنازل، ويطالهن من الإهانات ما يستوجب الخجل، لا خجلهن هن بل عار من أهانهن، جاء هذا السفير إلى رئيس البلاد متألما لفاجعة تسبب بها الإهمال والجشع والتقصير والقصور، وهال لهولها العالم، فقدّم للمنكوبين فخر بلاده، أكياس من الشاي، عسى أن يتواسى من خسر الغالي أنه في العالم من يتذكره ويريد له الخير. فما كان من هذا الرئيس المحشو إلا أن وزّع المغانم على حاشيته. تباً له ولكل من يعتذر له.

لا يلومنّك أحد يا "أحمد" إن أنت تركت هذه البلاد بحثا عن الكرامة في غيرها. لا يلومنّك أحد إن أنت فضلت أن تبتلع ظلام هذا البحر على أن يذوق أولادك ظلم هؤلاء الناس.

من مكان ليس بعيد من مسقط رأسك يا "أحمد" عاش من دعانا يوما أن نخفّف الوطء إذ يظن أديم الأرض من أجساد من رحل. ربما صح أن نصغي للبحر يا "أحمد"، إذ كم من شريف يحمل رذاذ موج هذا البحر صدى أنفاسه.

تبقى "نادين" يا "أحمد". عُد لها يا رجل إن استطعت إليها سبيلا. وإن لم تفعل، فإنك تبقى و"وصال" فيها وفي إخوتها. عسى أن يكون لها ما يعوض بعض ما أصابها.
 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!