البرلمان الأردني وافق على تعديل الدستور
"حكومة الخصاونة رسبت في اختبار كسب ثقة المواطنين. الصورة إرشيفية للبرلمان الأردني.

فتح تعيين مدير جديد للأمن العام الباب لتكهنات أن الأردن مُقبل على تحولات في المشهد، وأن الأيام القادمة قد تشهد قرارات تدفع إلى الواجهة وجوها لإدارة الدفة في للبلاد.

على السطح يطفو السؤال المفصلي عن مصير حكومة الدكتور بشر الخصاونة التي أوشكت أن تُكمل عامين من عمرها في الدوار الرابع، مقر رئاسة الوزراء، وليس خافيا أن الخصاونة كان، وما يزال يأمل أن يُعاد تكليفه بتشكيل الحكومة ليُباشر هندستها، وبنائها من جديد، وهو ما يضمن إطالة عمرها أكثر بكثير من موافقة ملكية على إجراء تعديل طفيف.

حتى هذه اللحظة لا يمكن الحسم أن الخصاونة قد أخذ الضوء الأخضر للقيام بـ "بيريسترويكا" داخل حكومته، أو سيقتصر الأمر على تعديلات محدودة، وقد يكون مفاجئا، وخارج التوقعات الآن أن تقضي الرغبة الملكية برحيل الحكومة لامتصاص حالة الاحتقان بسبب الأزمات المتوالية.

السيناريو الأكثر ترجيحا استمرار الخصاونة في رئاسة الحكومة في الفترة المقبلة، فلا يوجد في بورصة الأسماء رئيس مرشح يزاحمه، ولكن هذا الواقع ليس ضامنا بشكل مطلق، فالأردن في تشكيل الحكومات، وتغيير الرؤساء تاريخه مليء بالقصص التي يتناقلها المقربون من محيط السلطة، وأكثر الحكايات إثارة إبان عهد الملك الراحل الحسين أنه التقى بشخصيتين بارزتين، وأوعز لكليهما على انفراد بالمبادرة إلى تقديم تصورهما لتشكيل الحكومة، وحين عادا إليه بقائمة الترشيحات للفريق الوزاري، عهد إلى شخصية ثالثة بتشكيل الحكومة، وزوده بالأسماء ليصنع منها فريقا حكوميا، مع إضافة بصمته، بمعاونة المرجعيات الأساسية التي تُستشار عند تشكيل الحكومات.

أجواء الضخ بضرورة معالجة الخلل في بنية حكومة الخصاونة يمكن تلمسها في أحاديث الصالونات السياسية بعمّان، ويمكن قراءتها في ما يُكتب بوسائل الإعلام، وأحيانا على منصات التواصل الاجتماعي، والأكثر تأشيرا على استفحال الأزمة في "البيت الحكومي" ما كتبه الإعلامي ماهر أبو طير في جريدة الغد تحت عنوان "ما مصير الانقلابيين في هذه الحكومة"، حيث يؤكد "أنه لا يمكن الاستمرار بذات الحكومة دون إعادة تشكيل كليّ، أو تعديل واسع، وبدون هذين السيناريوهين فإن الأفضل أن ترحل الحكومة، بدلا من الاستمرار بهذا الوضع". 

ما يُثيره أبو طير أن حالة التناحر داخل الحكومة وصلت ذروتها، وأن هناك وزراء لا يراهم الرئيس إلا باجتماعات مجلس الوزراء، وأن هناك حربا متعمدة بين الفريق الوزاري، وتراشقا في تسريب المعلومات التي تحرج الحكومة، وتحرقها. 

لا تحتاج الحكومة إلى خصوم من الخارج، ومناوئين يوجهون سهامهم لها، فأزمتها الداخلية كفيلة بخلخلة بنيانها، وتماسكها. 

ليست الحكومة وحدها في الأردن التي تنتظر مصيرها، فالوضع يتعدى ذلك، فمجلس الأعيان "الغرفة التشريعية الثانية" سيُعاد تشكيله قبل نهاية الشهر الجاري، بعد أن أعاد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تكليف فيصل الفايز لرئاسته في العامين القادمين، وهذا المجلس الذي يُسمى "مجلس الملك" يحظى باهتمام كبير في أوساط النخبة، واختيار أعضائه يُعتبر تكريما من السلطة السياسية، ويُنظر إليه على أنه مكافأة لمن يقدمون خدمات للنظام، وتشكيلته ضامن لتوازن، وسيطرة الدولة العميقة على القرار في "مجلس الأمة"، ويتعمد تنوعه لإرضاء مكونات المجتمع.

بالتزامن، فإن الدورة الاستثتائية لمجلس الأمة على وشك الانتهاء، ومارثون التنافس على رئاسة مجلس النواب قد بدأ التسخين له، وما هو محسوم منذ ما يزيد عن الثلاثة عقود، منذ عودة الحياة البرلمانية في البلاد أن انتخاب رئيس البرلمان في واقع الأمر ليس قرارا مستقلا يحكمه أصوات النواب تحت القبة، وإنما يخضع لمراجعات، وحسابات سياسية، وما لم يأخذ المرشح للرئاسة مباركة المرجعيات السياسية في الدولة، فإن احتمالات فوزه تبدو ضيئلة جدا.

هذا الملف لا يبدو محسوما حتى الآن، والأسماء التي يجري تداول رغبتها في خوض معركة التنافس على الرئاسة لم تُعلن ذلك رسميا، ولكن بات معروفا أن رئيس مجلس النواب الحالي عبد الكريم الدغمي يُريد أن يكرر التجربة، وأن يبقى في سدة الرئاسة، وهو يُقدم نفسه على أنه النائب الأكثر انتخابا من قواعده منذ عام 1989، وهو قانوني عرف دهاليز السياسة، وآليات صناعة التوازنات، والقرار أيضا.

وقد يكون في مواجهته النائب نصار القيسي الذي خسر في الانتخابات الماضية بفارق أصوات قليلة، رغم أن "السستم" دعم الدغمي، ومنحه فرصة الفوز لأنهم كانوا يرون أنه الأقدر على إدارة اللعبة تحت القبة لتمرير التعديلات الدستورية، وقانوني الانتخاب، والأحزاب.

وربما يخوض انتخابات رئاسة البرلمان في مواجهة الدغمي إضافة إلى القيسي، الرئيس الأسبق للمجلس، النائب عبد المنعم العودات، وكذلك النائب الأول لرئيس مجلس النواب أحمد الصفدي الذي يتصدر المشهد الحزبي، وفي النتيجة النهائية كلٌ يقدم أوراق اعتماده للسلطة، ويملك أوراق قوة تؤهله لدخول السباق، ولكنهم جميعا لن يغامروا بالمضي قبل "الضوء الأخضر".

إذن المشهد على "صفيح ساخن"، والتحولات ستمتد إلى السلطتين؛ التنفيذية، والتشريعية، وقد تذهب أكثر لمواقع ليست أقل تأثيرا، وحساسية، وتُساهم في صنع القرار.

رغم اتفاق المراقبين أن حكومة الخصاونة من أكثر الحكومات التي حظيت بحماية في السنوات الأخيرة، ووفر لها الديوان الملكي، والمخابرات "حائط صد" يقيها من الضربات الموجعة، وربما لأول مرة يشعر الضالعون في العمل العام بتوافق الأدوار بين الأطراف الثلاث، وتماهي السرديات، وكأنهم يحوزون نفس "الريموت كنترول" فيفتحون الأبواب معا، أو يغلقونها معا.

أكثر ما يوجع الحكومة الهزات غير المتوقعة التي تعصف بها على نحو غير مألف، وهذه المرة كان انهيار عمارة اللوبيدة، وذهب ضحيتها 14 شخصا ضربة في الخاصرة، رفعت من منسوب الغضب الشعبي ضدها، وزادت المطالبات على السوشيل ميديا بمساءلتها، ومحاسبتها، ورحيلها استنادا إلى مبدأ المسؤولية الأدبية، والأخلاقية.

حكومة الخصاونة المنشغلة في الترويج لوثيقة تحديث المنظومة السياسية، والرؤية الاقتصادية، وإصلاح القطاع العام، والتي تتفاخر أنها نجحت في الخروج من عنق الزجاجة بعد جائحة كورونا، واستطاعت أن تتغلب على الأزمة التي صنعتها الحرب على أوكرانيا، ونجحت في تأمين سلة الغذاء، والمحروقات للناس، رسبت في اختبار كسب ثقة مواطنيها، والفشل الأكبر برأي الشارع حالة الترهل الإداري التي تسود في القطاع العام، وتسببت في تناسل الكوارث، والفواجع، واستطلاعات الرأي شاهد، وتُظهر بشكل جلي هذه الإشكاليات، ويعتقد الناس أن الحكومات لا تسير في الطريق الصحيح، وأن أوضاعهم تزداد سوءا.

رغم حالة الحراك التي تشهدها عمّان، ورغم التبشير بحقبة سياسية مقبلة تقودها الأحزاب التي تطغى أخبارها على ما عداها، فإن من الصعب شيوع حالة التفاؤل، فالممارسات على أرض الواقع تُجهض الكثير من الأمنيات، والأحلام، وتقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير يوجه انتقادات غير مسبوقة للسلطة السياسية في الأردن، ويتهمها بالتضييق على الحقوق، والحريات، وخنق الفضاء العام، وإذا ما أضيف لحالة المراوحة السياسية التي سادت كل السنوات الماضية، فإن المؤشرات على عمق الأزمة الاقتصادية تُعزز حالة الإحباط، وتزيد من اليقين أننا سنبقى على الحافة إلى إشعار آخر، وهذا للأسف ما نعيشه، وتعايشنا معه.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.