بدون الخروج من صندوق "الوضع الراهن" بل وتكسيره، فإن ما يعرف بالشرق الأوسط مقبل على خراب كامل وشامل لأجياله القادمة.
حتى التسمية التي فشلت طوال عقود في تحديد واضح لجغرافيا الإقليم فكانت تتمدد شرقا حتى باكستان أحيانا وغربا لتشمل شمال أفريقيا، أو تضيق لتحاول باحتواء مضغوط "ويائس غالبا" تحديد الشرق الأوسط حيث جغرافيا "وتاريخ" بؤر الأزمات العنقودية المتوالدة والمتوارثة دوما، تلك التسمية صارت منتهية الصلاحية.
كنت دوما أتبنى تسمية اصطلاحية جديدة مختصرها "شرق المتوسط" لأن مفاتيح العلاقات الدولية تغيرت، ومنظومة تحالفات الإقليم من هلاله الخصيب "مشرقه العربي سابقا" ودول مجلس التعاون الخليجي امتدادا نحو مصر غربا وهضبة الأناضول شمالا قررت تغيير أوانيها المستطرقة لتأخذ شكلا جديدا ومختلفا تماما يحاول تحدث لغة الزمن الراهن بتغيير الوضع الراهن.
وقبل الاستطراد، أوضح أنني أقصد تماما ما أقوله حين أقول أنه "مشرق عربي سابقا"، فقد كشفت أزماتنا جميعها والتي تجلت في "المقتلة السورية" وقبلها بقليل تلك التراجيديا العراقية وأزمة اليمن الذي اكتشف أنه أضاع سعادته منذ زمن طويل، والصراع العربي – الإسرائيلي الذي انتهى إلى صراع متعدد المستويات بين دولة احتلال "بقوميتين فعليا" مع مجموع فصائل متناحرة وفاسدة، كشف كل ذلك أن هناك قوميات عديدة مختلفة ومتباينة بلغات مختلفة غير عربية وأديان وطوائف منها ما لم نعرفه، أو بمعنى أدق، كان مضطهدا بقمع الإخفاء والسيادة القومية او الدينية المتوهمة.
كانت تلك الجغرافيا على الدوام حالة قلق متواتر، وتوتر مزمن، ولا تزال حتى اليوم حيث انتهى الكل في منتصف عنق الزجاجة الضيق الذي إما ان يخرج منه الجميع نحو فضاءات خارج تلك الزجاجة التاريخية أو السقوط مرة أخرى في قاعها من جديد.
اللغة الجديدة " وهي جديدة فعلا" تولدت من رحم النزاعات نفسها، أنتجتها ذات الأزمات كحل نهائي وذاتي لم يقدمه أحد من خارج المنطقة، وربما كانت المفارقة ان الحل الوليد من داخل الإقليم نفسه قد أنتجته أزمتان عالميتان لم يكونا من إنتاج الإقليم المعروف بتوليد الأزمات وتصديرها للعالم، وهما جائحة وباء كورونا ثم الحرب "العالمية" التي بدأت من أوكرانيا.
اللغة الجديدة التي يحاول الجميع فرضها كلغة تفاهم مشتركة ومفهومة لا التباسات فيها هي لغة التعاون الإقليمي ووضع كل جهود التنمية ضمن مسار تعاوني مشترك وبتقسيم وظيفي يناسب الجميع.
طبعا، لن نتوقع خروجا سلسا وسهلا من الماضي، لكن اللغة الجديدة قادرة حتى الان على فرض نفسها وبتمدد يتسع يوما بعد يوم، والحاجة إلى متطلبات العيش في ظل جائحة مرضية وأزمة غذاء عالمي ونقص في الطاقة التي تحرك كل شيء مع إدراك ضمني "وجمعي" أن ثورة تكنولوجيا المعرفة قادرة على تجاوز الحدود والجغرافيا كلها تساهم في نشر المفاهيم الجذرية الجديدة، لتحل محل لغة الماضي "القريب جدا" وتنسلخ عنه للدخول في عالم جديد بمنظومة علاقات جديدة ومختلفة كليا.
ببساطة، وفجأة يدرك كثير من سكان الإقليم "البائس بتاريخه الدموي" أن العالم يحتاج إليه منقذا من الجوع والبرد وقلة الموارد، بل وباستيراد أكثر من ذلك منه، وهذه المنتجات التي يحتاجها العالم "والغرب خصوصا" لا يمكن إنتاجها وتصديرها دون تفاهمات تتجاوز الحد الأدنى إلى تقاطعات مصالح وظيفية تتطلب شراكات حقيقية تقفز فوق المفاهيم السياسية التقليدية.
الإقليم يتغير كما ان العالم نفسه دخل مراحله النهائية في صيغة علاقاته الدولية الجديدة، وشرق المتوسط تسمية لا تزال قاصرة لكنها الأكثر قربا من واقع الحال وأدق بكثير من مفهوم "الشرق الأوسط" الذي لم يعد له معنى في كوكب نتفاجأ أن لا وسط فيه بسبب طبيعتها الكروية، أما من لن يستوعب كل تلك المتغيرات فهو بلا شك سيظل رهين وهم الأرض المسطحة يبحث عن مركزيته التي لم توجد يوما، ولا مكان له "قريبا جدا" في هذا العالم الجديد.

