إيران
النظام الإيراني ليس سوى ذلك المعتوه الذي يتحكم في شعب إيران وشعوب المنطقة ويدفع بها نحو الهلاك.

شخصيا لست مع تغيير الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط بالقوة سواء عبر الانقلابات أو الثورات أو غيرها، لإيماني التام بأن المعارضين ليسوا بأفضل من الأنظمة التي يحاربونها إن لم يكونوا أسوء أو يماثلونها سوءا في العديد من الحالات.

فهم نتاج لنفس الثقافة ونفس القيم ونفس العقلية ولسوف يمارسون (وقد مارسوا فعلا في بعض الدول) نفس الأعمال التي لا نحبها جميعا، لذلك لا فائدة ترجى من استبدال شهاب الدين بأخيه، فكلاهما سيئ.

مع ذلك هناك أنظمة لا ينبغي أن تترك من دون عقاب وهي تمارس جرائمها ضد مواطنيها.

النظام الإيراني هو أحد هذه الأنظمة.

هل يمكن لأحد يعيش في هذا القرن أن يتصور وجود دولة تحتفظ بشرطة للأخلاق أو الآداب مهمتها مراقبة الناس ورصد سلوكياتهم وطريقة لبسهم وما شابه؟

وهذه الشرطة لها مطلق الصلاحية في اعتقال النساء، وإهانتهن واستجوابهن وتعذيبهن.

هذا على الأقل ما حدث مع الشابة الإيرانية مهسا أميني (22 عاما) التي اعتقلت يوم الثلاثاء (13 سبتمبر 2022) وتوفيت يوم الجمعة بينما كانت في مركز احتجاز تابع لشرطة "الأخلاق" في طهران. أما التهمة فهي أنها لم تكن تضع حجابا ترضى عنه هذه السلطات!

وهذه الحادثة ليست فريدة من نوعها، الواقع أن هذه الشرطة التي يفترض أن اسمها وحده كافيا للشعور بالاشمئزاز، دأبت على التفنن في مطاردة النساء وقمعهن.

حسنا، كيف يمكن معاقبة النظام على هذه الجريمة وغيرها من الجرائم؟

في البداية ينبغي القول بأن هذه ليست معركة سياسية بين جماعات تريد الوصول إلى السلطة في مواجهة جماعات أخرى تمسك بزمامها.

هذه ليست معركة بالأساس. هي مجرد تعبير لفتاة (أو فتيات) عادية تريد أن تلبس ما تشاء من الثياب وأن تضع على رأسها ما تشاء أيضا من اللباس.

هل يعقل أن تتدخل الدولة في هذا الأمر؟

 وهل يعقل أن تعتقل وتعذب أو تهان أو تدفع حياتها ثمنا لذلك؟

هذا لم يفعله حتى عملاء السافاك أيام نظام الشاه. ومع ذلك يفعله جلاوزة نظام الجمهورية الإسلامية وباسم الدين!

ولذلك لا ينبغي لإدارة بايدن أن تفوت هذا الحادث أو غيره من الحوادث التي يكشف فيها النظام الإيراني عن استهانة لا مثيل لها بحياة الإيرانيات والإيرانيين.

يتعين عليها أن تتخذ موقفا صارما ضد النظام الإيراني ومسؤوليه، بما في ذلك تشديد العقوبات ومساعدة أهالي الضحايا على رفع دعاوى ضد طهران في المحاكم الدولية.

ومن المهم أن يتم نبذ هذا النظام بصورة واضحة وصريحة ورفض التعامل معه.

لذلك من المفهوم أن تثار التساؤلات وأشكال التعبير عن القلق بشأن جدوى المفاوضات لإحياء الاتفاق النووي مع إيران، خاصة وأنها قد تشتمل على تقديم مكافآت لهذا النظام سواء مالية أو عبر تأهيله وإعادته مجددا إلى المجتمع الدولي.  

في المقابل هناك من يجادل بأن الموقف الصارم من إيران قد يدفع متشدديها الى الرد وإلحاق المزيد من الأضرار بالمصالح الحيوية الأميركية في المنطقة.

والجواب هو أن الولايات المتحدة ليست عاجزة عن مواجهة النظام الإيراني، إذا أرادت ذلك، وهي وحلفائها قادرة على إصابته بالعطب.

وحتى إذا اقتضى الأمر اللجوء إلى الخيار العسكري فبإمكان الولايات المتحدة وإسرائيل أن تقصفا وتدمرا المواقع الإيرانية الحيوية وأن تقضيا على أية قدرات نووية أو تسلحية أخرى لدى طهران.

ورغم أنه ليس هناك في الوقت الراهن ما يشير إلى أن الأمور سوف تأخذ هذا المنحى، إلا أن من الواضح أن سياسة الجزرة مع النظام الإيراني قد فشلت في تحقيق أية نتيجة تذكر. على العكس من ذلك فهي شجعت المتشددين في هذا النظام على زيادة قمعهم للمواطنين الإيرانيين وتحدي المجتمع الدولي.  

لقد آن الأوان لتسمية الأشياء بأسمائها وتبني موقف واستراتيجية مضادة للأنظمة الإرهابية التي تنتمي إلى القرون الوسطى.

وليس مفهوما لماذا تضيع الولايات المتحدة جهدها ووقتها في محاولة تحمل أفعال المجنون بدلا من إدخاله إلى المصحة العقلية!

والنظام الإيراني ليس سوى ذلك المعتوه الذي يتحكم في شعب إيران وشعوب المنطقة ويدفع بها نحو الهلاك.

مرة أخرى ليس المطلوب هو إرسال جنود إلى إيران لتغيير النظام لمصلحة معارضة قد لا تختلف عنه في الثقافة والتفكير، ولكن إشعار هذا النظام بأن سلوكه وسياساته غير مقبولة ولا مكان لها في عالم اليوم، وأن تصرفاته تجاه مواطنيه الإيرانيين فاقت كل حد. وأن تهديداته لجيرانه ومعاداته للسامية وعزمه القضاء على إسرائيل تجعل منه خطرا محدقا تنبغي مواجهته بكل السبل والوسائل.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.