جائزة الغونكور
الطاهر بن جلّون أحد أعضاء لجنة تحكيم الغونكور

عندما أصدر ديوانه "الفرح ليس مهنتي" في العام 1970، كتب الشاعر السوري محمد الماغوط: "أنا نبي لا ينقصني إلا اللحية والعكاز والصحراء". وكأنه كان يتنبأ بما سيحدث للمواطنين اللبنانيين اليوم، وهم يعيشون تحت وطأة أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية متصاعدة ومترابطة كسلاسل قيود تطوق الكرامة وتهين الإنسانية، وتدفع إلى مكابدة مرارة الانكسار والاستسلام الكامل للهزيمة النفسية الداخلية، بدل التمرد على واقع التدجين والإذلال والخوف. 

لولا أن الفرح قيمة إنسانية ضرورية لبني البشر. إذ لا بد من تجاوز المزاج السيء والانفلات من التشاؤم وإنْ مؤقتا، من خلال استغلال مناسبات يتم فيها ابتكار طقوس الفرح الجماعي، والإعلان عن التشبث بالحياة وبكرامة العيش، ما يساعد على الانتصار على القهر وتجاوز التحديات. 

من هنا سعي الناس لالتقاط نسمة فرح، والتعبير عنها بمناسبة فوز المنتخب الرياضي لبلدهم مثلا، أو عند حصول مواطنٍ على امتياز عالمي أو قاري أو إقليمي، في مجال من المجالات الرياضية والفنية والثقافية والعلمية، وغيرها.  

بصدد الحالة اللبنانية، ووسط أسوء أزمة اقتصادية يتخبط حاليا في ذيولها وطن الأرز، بعد تدنّي العملة الوطنية بشكل غير مسبوق، إذ لم تعد لأكوام أوراق الليرة اللبنانية قيمة تذكر، كدليل على ذلك أن المحلات التجارية، كالمقاهي والمطاعم، صارت تستعين بماكينة عد النقود التي تستعمل عادة في المؤسسات البنكية، بعد أن أصبح سعر الدولار يتراوح ما بين 38 ألف و40 ألف ليرة. هذا دون أن ننسى أزمة الكهرباء والماء وندرة الدواء، لا سيما أدوية المصابين بأمراض مزمنة كالسرطان. ومع استمرار حجز حسابات المودعين، لجأ اللبنانيون اليائسون من استرداد أموالهم إلى اقتحام البنوك للحصول على مدخراتهم. 

وسط هذا المشهد السوداوي، الذي لا يمت لأجواء الفرح والارتياح بِصِلَة، لا يتردد المواطنون اللبنانيون في الانفلات من أجواء المأساة الرازحة، بالهروب إلى ضفاف الفرح متى استطاعوا إلى ذلك سبيلا، كما حصل عند تأهيل منتخب لبنان لكرة السلة للإقصائيات النهائية لكأس العالم 2023، وقد ابتهجوا أيضا في مستهل هذه السنة، لما أحرز المنتخب ذاته لقب بطولة العرب. 

مرة أخرى، وقبل أيام نسي اللبنانيون أزماتهم المتناسلة، وتملكتهم موجة من فرح جماعي، وهم يتابعون فوز الفرقة اللبنانية الراقصة "ميّاس"، في واحد من أهم برامج المواهب العالمية، برنامج "أمريكان غات تالنت". 

 كأن المبادرات والنجاحات الرياضية والفنية التي تأتي من الشعب اللبناني، تساهم في تأخير ساعة الانهيار الشامل الذي يهدد البلاد منذ أعوام، كما ذهبت إلى ذلك الباحثة الاجتماعية د. دلال البزري. لكن "مسكن الأوجاع لا يشفي من مرض"، قالها المفكر فواز طرابلسي منذ عقود متحدثا عن أغاني المطربة أم كلثوم، التي اتهمها الشاعر بالفرنسية المغربي عبد اللطيف اللعبي بالتسبب في هزيمة العرب في حزيران 1967، وقد نشر اللعبي قصيدته الهجائية ضد كوكب الشرق في أحد أعداد مجلة "أنفاس" اليسارية التي كان يديرها، مصحوبة برسومات للتشكيلية والشاعرة اللبنانية إيتيل عدنان. 

وتتواصل عملية "تأجيل الانهيار"، بهذا الحجم أو ذاك، وبصيغ ومستويات غير مبرمجة أو مخطط لها، فالمسيطرون على شؤون البلد لا يتحكمون في هذه العملية الإيجابية والتنفيسية، بقدر ما تبرمج سياساتهم لهندسة واقع التفقير ومراكمة اليأس وتمديد تغول الأزمة الاخطبوطية، بل إن "نسائم التأجيل" غالبا ما تهب بردا وسلاما من جهات خارجية، تهوِّن على الناس صراعهم اليومي مع تسونامي الغلاء. 

*** 

هذا الشهر، وصل نبأ ترشيح أكاديمية "غونكور" كاتباً لبناني الأصل للفوز بجائزتها التي تعد من أرفع الجوائز الأدبية في فرنسا. وقد حظي بها من قبل الأديب اللبناني أمين معلوف (1993)، إلى جانب بضعة كتاب عرب آخرين، كان أولهم من المغرب الطاهر بن جلون (1987)، ثم ليلى السليماني (2016)، وفؤاد العروي الذي فاز بـ"غونكور" القصة" (2013)، والجزائري كمال داوود (2015). وكانت جائزة "غونكور" 2009 الخاصة بالشعر من نصيب عبد اللطيف اللعبي. 

شكَّل ترشيح سبيل غصوب (33 سنة) لجائزة "الغونكور" مفاجأة سعيدة للكاتب الشاب، ومعه اللبنانيون، بإدراج روايته "بيروت على نهر السين"، (صادرة عن منشورات "ستوك"، باريس، 2022). وهي الثالثة له، بعدما أحدثت روايته الأولى "الأنف اليهوديّ" ضجة داخل لبنان بعد زيارته لإسرائيل. أما روايته الثانية فحملت عنوان: "بيروت بين قوسين". 

تحدث سبيل غصوب أنه كتب رواية "بيروت على نهر السين" تحية لوالديه وانتقاما لهما من الحرب الأهلية اللبنانية. حيث أنه من مواليد 1988 في باريس لأبوين لبنانيّين، خططا لنزوح مؤقت من وطنهما إلى فرنسا سنة 1975 على أمل العودة، ولما طالت سنوات الحرب وجدا نفسيهما مقيمين بشكل دائم بالمهجر الفرنسي. وإنْ لم يعش ابنهما قساوة تلك الحرب المجنونة ومرارتها، التي امتدت خمسة عشر سنة، فإنه ورث أصداءها وعواقبها، ورأى ندوبها على ملامح من عاشوها، وفي مقدمتهم والديه. ولأنه سليل الهجرة طرحت عليه بقلق وجودي وعبثي حاد، أسئلة تتصل بالهوية واللغة والذاكرة والانتماء وخيبة الأمل والعلاقة مع الآخر. لذلك عمد سبيل غصوب إلى نسج حكاية عن "لبنان مختلف"، بناه في ذاكرته على أنقاض حكاية أبويه وقصة هجرتهما. وإن كان الكاتب يُقِرُّ بزيف الذاكرة التي يقدمها للقارئ، إلا أنه يتبناها: "إنها ذاكرة لبنان الخاصّ بي وحدي".  

كأنه ينخرط هنا، عن وعي أو غير وعي، في الجدل الوجودي لقيام كيان اسمه لبنان، الذي بالرغم من احتفاله بذكرى مائة سنة على تأسيسه، ما زالت تتجاذبه قوى إقليمية ودولية، تنازعه الحق في بناء التصور الخاص لتاريخ وحاضر ومستقبل البلد. 

وبما أن الحديث عن جائزة فرنسية، سنكتفي بِصِلَة فرنسا بلبنان.. في هذا الإطار ستشهد بيروت من 19 إلى 30 أكتوبر- تشرين الأول المقبل تنظيم فعالية أدبية فرنكفونية كبرى، تحت عنوان: "بيروت الكتب". وعلى هامش الحدث الثقافي ستجتمع لجنة تحكيم جائزة "غونكور"، المؤلّفة من 12 عضوًا، بينهم المغربيّ الطاهر بن جلّون، وذلك لاختيار القائمة النهائية، وتشمل أربعة متسابقين. 

ولن نبالغ إذا أفصحنا أنه لا يساورنا أدنى شك في أن سبيل غصوب سيكون من بين هؤلاء الأربعة، بل هناك توقعات عالية جدا بأنه هو من سيضاف إلى لائحة الفائزين بـ"غونكور"هذا العام، عندما سينادى باسمه ساعة الإعلان عن المتوج يوم الخميس 3 نوفمبر - تشرين الثاني 2022. 

بعيدا عن أي سوء نية للتنقيص من مُنجز الكاتب اللبناني المرشح هذه السنة، أو من الجائزة نفسها التي تساهم في تنشيط الحياة الثقافية، إلا أن "الغونكور" باتت في الأعوام الأخيرة محاطة بالانتقادات السلبية، لا سيما الموجهة إلى لجان تحكيمها، حيث ذهبت الجائزة مرات لأسماء معينة لاعتبارات غير أدبية، بل خضعت لترضيات "سياسية"، ولتدخلات ما يسمى بـ"لوبي دور النشر" الفرنسية. 

ولأن للبنان مكانة وجدانية خاصة لدى باريس والقادة الفرنسيين، وإيمانويل ماكرون لن يكون استثناء بينهم، إذ يحرص على إبقاء لبنان تحت المظلة الفرنكفونية بالمفهوم السياسي والجيوستراتيجي والتاريخي، وأن تكون اللغة الفرنسية جزءا وثيقا من الهوية اللبنانية. 

هكذا شاهدنا كيف سافر ماكرون إلى لبنان بعد يومين من حادث انفجار ميناء بيروت في صيف 2020، كان الرئيس الوحيد في العالم الذي هرع ليجتمع بساكن قصر بعبدا وأمراء الطوائف اللبنانية، بمن فيهم الثنائي الشيعي بزعامة حزب الله وحركة أمل. ما منح النخبة الحاكمة والطبقة السياسية المسيطرة في لبنان فرصة التقاط الأنفاس، وأضفى عليها شرعية الاستمرارية القائمة على المحاصصة الطائفية، وأفلتها من غضب المتظاهرين في "ثورة 17  تشرين"، الذين ووجهوا بقنابل مسيلة للدموع ورصاصات مطاطية وقاذفات من صناعة فرنسية، كما أكدت ذلك منظمة العفو الدولية. 

وبالرغم من فشل سياسة "الجزرة والعصا" الفرنسية مع لبنان، فإن استراتيجية باريس لم يطلها تغيير كبير حتى اليوم، ولا زالت تراوح تعثرها أمام الحضور الإيراني المتنامي في لبنان الذي يؤمنه سلاح حزب الله. 

هو ما يرجح تتويج سبيل غصوب بالجائزة الفرنسية الكبرى. غير أن الكاتب والصحفي المغربي المعطي قبَّال يشكك في حقيقة الوضع الفرنكوفوني بلبنان، واصفاً إياه بـ"وضع هجين، يفتقد إلى الوضوح. لبنان بلد فرانكفوني بالكاد، لكن بلا كتاب ولا ناشرين ولا صحافة فرنكفونية، ومع ذلك ولأسباب سياسية ترحل لجنة تحكيم "الغونكور" لبيروت للقيام بإعلان ربما لا يهم الغالبية العظمى من اللبنانيين، الذين تتلاحق عليهم الصدمات". ويعلق قبّال ساخرا إنه في حالة فوز غصوب "ستكتب الأكاديمية (غونكور) حكاية أخرى!". 

بانتظار إدخال الكرة الفرنكفونية في السلة اللبنانية المقعورة، (للإشارة فإن "الباسكيت" الرياضة الجماهيرية الأولى في بلد الأرز، رياضة أمريكية النشأة والأصل)... والتفرج على التواءات سياسة "الإيليزيه"، وهي تحاكي مرونة جسد لبناني جماعي في إيقاع مفرد (فرقة ميّاس)... مع متابعة دردشة عابرة بين عاشقين للغة الفرنسية من لبنان، على رصيف مقهى بشارع الحمرا أو "على ضفاف نهر السين"، ما دام سبيل غصوب نقل شوارع بيروت إلى باريس، فالمهم هو اللكنة البيروتية للغة الماكرونية. لنتساءل حول حقيقة ومغزى عبارة "اللغة الفرنسية غنيمة حرب" التي أطلقها ذات يوم الجزائري كاتب ياسين... أترى هي اللغة الفرنسية، أم لبنان بأكمله.. ("بلد بحاله" كما يقول المصريون!) 

ويستمر تأجيل المؤجل.. ولا ملاذ، تأكيدا أن الفرح اليوم ليس لبنانيا، وأن "الفرح ليس مهنة اللبنانيين"، وأن أحلامهم أخشاب تطافية على نهر زمن ميتافيزيقي.. إلى حين. 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!