نعش الملكة إليزابيث
نعش الملكة إليزابيث

فيما قدرت أعداد المتابعين عبر البث المرئي لجنازة الملكة إليزابيث الثانية قبل نحو أسبوع بأربعة مليارات نسمة. اصطفت على جانبي طرقات العاصمة البريطانية حشود من البريطانيين وغير البريطانيين قدرت أعدادهم بمئات الألوف، بأجيالهم وأعراقهم وألوانهم المختلفة، تابعوا بصبر ملفت المسير البطيء للموكب المهيب، منذ بدايته في كنيسة ويستمينستر، وحتى انتهاء مراسم الدفن في قلعة ويندسور.   

فإن كانت الرغبة في عدم تفويت مثل هذ الحدث التاريخي هي مادفعت بنصف سكان الأرض للمتابعة بالنقل المباشر، يمكن إضافة الاحترام والحب كمشاعر صادقة جمعت بين هذه الأعداد الغفيرة من الجمهور البريطاني، الذي لم يكتف بإظهار تأثره الجلي في ملامح الوجوه فقط، بل الحرص على رمي الزهور على نعش مليكته، وتحمل مشقة القدوم وعناء الوقوف لساعات طويلة ومضنية، وسط إجراءات أمنية صارمة لم تسمح بحمل أي طعام أو شراب.

كثير من المحللين الذي شاركوا بآرائهم خلال مراسم التشييع، كانوا قد أجمعوا في تفسيرهم لهذا الحشد الكبير وتأثره الواضح، بوصفه رد فعل طبيعي لحالة الاعتياد الشعبي على حضور الملكة التي عاشت 96 عاما، سبعون عاما منها في الحكم، أي لايقل عن سبعة أجيال تعاقبت على الحياة في ظل حكمها، وماولده غيابها من إحساس بالفقد لهذا الحضور، الطويل والمتميز.

وهو تفسير وإن كان صحيحا بشكل عام، إلا أن العديد من الشخصيات التاريخية التي مكثت طويلا، لم تترك في شعوبها الأثر ذاته. بل على العكس من ذلك، شكل موت بعض حكام العالم ممن طالت فترات حكمهم، ارتياحا عاما وخلاصا لشعوبهم، وأيضا خلاصا لبعض شعوب العالم المتضرر منهم. وفي حالة الملكة إليزابيث الثانية، يمكن ملاحظة أسباب إضافية عدا الاعتياد، دفعت بمشاعر الجموع إلى إظهار هذه المبالغة من التأثر. 

إذ، وبغض النظر عن كونها ملكة، كانت إليزابيث إمرأة أولا وأخيرا،  تمكنت من الحفاظ على أسرتها وسلالتها بإحكام لسبعة عقود متتالية، في مواجهة كل الظروف الصعبة والمتغيرات الدولية والأزمات المحلية، وأيضا في مواجهة الفضائح المدوية والقاسية داخل أسرتها، والتي كان يمكن أن تعصف بشخصية أخرى أو تضعفها، أو تدفعها إلى التراجع أو الإنطواء. 

إلا أنها وعت مبكرا حساسية دورها كإمرأة حاكمة تتوجه الأنظار إليها وتنتقد بشكل مضاعف بسبب جنسها، ونجحت في هذا التحدي. بحيث بدت على الدوام سيدة متماسكة ورابطة الجأش، منحتها صلابتها امتيازات مضافة أثبتت خلالها أنها واحدة من أبرز النساء القياديات المؤثرات بقواهن الناعمة، في محيطهن العام أو الخاص على حد سواء.

أضف إلى كونها امرأة هيمنت هالة الأمومة على شخصيتها بشكل بارز في مظهرها وسلوكياتها. لم تكتف بأداء دورها الطبيعي كأم في سلطتها وتأثيرها على أبنائها بحذاقة فقط، بل لعبت أيضاً دورها النافذ كحماة لعدد من الكنائن من زوجات الأبناء أو زوجات الأحفاد. وهو دور سلطوي، انتقده بعض الجمهور ورفضه واعتبره قمعاً للحريات، إلا أنها لم تأبه إلا لهدفها المتمثل في الحفاظ على وحدة بيتها الداخلي، وتقمصت شخصية الحماة التقليدية باحترافية، محتفظة بمشاعرها الخاصة في الظل، ودون الانزلاق في أية تصريحات أو منح انطباعات تسيء لأسرتها، حتى لو كانوا متمردين أو خطائين.

ومع تقدم السن الذي بدا عليها واضحا في العقدين الأخيرين، تحولت تلك المرأة والأم والحماة الصارمة، واتخذت مظهرا محببا تمثل بالجدة الأليفة، ذات الشعر الأبيض والبنية الممتلئة، التي تعشق الحياة والمرح، وترتدي الأزياء الزاهية والأنيقة والأنثوية حصراً، وتبتعد عن مساحيق التجميل عدا لمسة شفيفة من طلاء الشفاه بما يتناسب مع وقار سنها، دون أن تسهو عن تحيتها الودودة للجموع، أو تغيب عنها ابتسامتها العفوية، أو تسمح بخلق انطباع أن سلطتها قد تراجعت وسط جمهورها وأسرتها مهما امتد بها العمر.

اجتمعت في شخصية إليزابيث الثانية كل هذه التفاصيل وشكلت لدى جمهورها مرجعية عاطفية خاصة، الذي احترمها رغم ما بدا في وقت من الأوقات أنه قسوة، وتلقى منها دروسا في أهمية الحزم للحفاظ على الروابط العائلية. والذي سيفتقد في غيابها هذه المرجعية، وتلك الحالة الخاصة من الأمومة القيادية التي هيمنت على الأمة والأسرة  لسنوات طويلة.

وسيفتقد صورتها الأخيرة التي انطبعت في الذاكرة كجدّة أنيسة مشتهاة لكل أسرة، تدرك إليزابيث بخبرتها أنها تركت هذا الأثر، وأن ملكات كثر قد يأتين بعدها ويضعن تيجانا مرصعة مثلها، لكنهن لن يشبهنها أو يحتللن مكانتها أو يؤدين مثلها، وستظل بشخصها حالة فريدة لن تتكرر، لارتباطها بجيل وزمن وتربية تقليدية اندثرت أو تكاد. 

الملكة إليزابيت الثانية، التي ذكر إنها من وضعت وأشرفت ودققت وأضافت بعض التفاصيل على بروتوكول جنازتها قبل وفاتها بشهور. أكدت أنها حتى في استعدادها للرحيل الأخير، اعتنت بأدق تفاصيل الرحلة، مثل أي أم حريصة على عدم ارتباك الأبناء في غيابها.

وأن تخطيطها الدقيق والمكلف لهذه الجنازة بوصفها ملكة، ليس امتحاناً عاطفياً لمدى تأثيرها ومحبتها فقط، بل محاولة أخيرة منها لتكريس تقاليد ملكية، كانت تدرك بفطنة وأسف في قرارة ذاتها، أن الزمن سيطالها ويغيرها عما قريب، وقد يحيلها إلى المتاحف، وإلى رسومات ملونة في كتب الحكايا التي تروى للأطفال قبل النوم، وتبتدىء بـ"كان ياماكان.. هناك ملكة".    

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.