Russian President Vladimir Putin makes an address announcing a partial mobilisation in the course of Russia-Ukraine military…
بوتين يعلن تعبئة جزئية للجيش الروسي في 21 سبتمبر 2022

أين تقع النقطة التي يتعين عند بلوغها، وقف الحرب في أوكرانيا وعليها، وانتقال الأطراف من ميادين القتال إلى غرف التفاوض؟ ... سؤال، ربما كان الأصعب، من بين عشرات الأسئلة التي أثارها الاجتياح الروسي لأوكرانيا، والحرب الكونية التي تخوضها الولايات المتحدة والغرب، ضد موسكو...هل تتمثل في طرد القوات الروسية من الدونباس وإعادتها إلى خطوط ما قبل الرابع والعشرين من شباط / فبراير 2022، أم يتعين كذلك، إخراجها من جزيرة القرم، والعودة بها إلى خطوط ما قبل العام 2014؟ 

هل يتعين ملاحقة روسيا إلى ما وراء أوكرانيا، في عمقها الاستراتيجي، اقتصادياً ودبلوماسياً على الأقل، وإلحاق إعاقة مزمنة بقدرتها على تهديد أي من جاراتها، كما تعهد بذلك الرئيس الأمريكي، وغير زعيم غربي، وكيف يمكن للغرب التأكد من أن روسيا فقدت القدرة على شن المزيد من الحروب والمغامرات، وأن "نزعتها التوسعية" قد انطفأت، ومتى يمكن للغرب أن يعرف ذلك؟...هل ثمة لحظة محددة في سياق هذه المواجهة المحتدمة الدائرة حالياً، يمكن عندها القول بإن الهدف المعلن للغرب: منع روسيا من تكرار "التجربة الأوكرانية"، قد تحقق...والأهم، هل يمكن تحقيق هذا الهدف من دون الدفع بـ"القيصر" إلى "خيار شمشون"، و"هدم المعبد" فوق رؤوس الجميع؟ 

إن كان الهدف الرئيس للحملة الأمريكية - الغربية – الأطلسية على روسيا، هو تجريدها من القدرة على تهديد جاراتها والغرب عموماً، فأعتقد أن وقائع الأشهر السبع الماضية، أظهرت للرئيس بوتين، وبما لا يدع مجالاً للشك، بأن زمن "القفزات السريعة والخاطفة"، خارج الحدود قد ولّى ... فالجيوش الروسية تكابد أصعب الظروف وتتكبد أشد الخسائر، ومنذ أن تعذّر عليها حسم الموقف الميداني في الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع الأولى لـ"العملية العسكرية الخاصة"، بدا أنها دخلت مساراً انسحابياً، غير منظم، وأن ثاني أقوى جيش في العالم، قد أصابه الكثير من الوهن، على غير ما كنّا نظن ونتوقع. 

ليس هذا فحسب، فرهانات الحرب من الجانب الروسي، بُنيت على هشاشة "الهوية القومية" لأوكرانيا، ومتانة الرابطة القومية الروسية في المقابل، قبل أن يتأكد للكرملين عكس هذه الفرضية تماماً، فالأوكرانيون يقاتلون بروح "الحرب الوطنية الكبرى"، وبدوافع قومية فوّاره، بخلاف الروس، الذين يعتقد قسم منهم أن هذه الحرب ليست حربه، بدلالة ردود أفعاله على قرار التعبئة الجزئية التي أتخذه بوتين مؤخراً. 

والرهان على انشطار "الناتو" وانقسام المعسكر الغربي، سقط منذ الأيام الأولى للحرب، وحتى بعد اشتداد الحاجة للطاقة الروسية من نفط وغاز، وبدا أن الغرب أكثر تماسكاً مما كان عليه زمن الحرب الباردة، كما تبدى للعيان أن الأصوات "الناشزة" في الغرب، التي تتحدث بخطاب مغاير، إنما تصدر عن دول وأطراف هامشية، وهي غالباً، دول تعتمد كلياً على الغاز والنفط الروسيين (هنغاريا) أو أحزاب وقوى من "قماشة" اليمين الشعبوي المتطرف، في أوروبا والولايات المتحدة، سواء بسواء. 

والحقيقة أن قرار اجتياح أوكرانيا، لم يكن صدمةً لكييف وحدها، أو حتى للغرب والمجتمع الدولي فحسب، بل مثّل بتداعياته الفورية والمبكرة، صدمة للكرملين ذاته، إذ من كان يتوقع أن تنهمر شحنات السلاح والمال والدعم الدبلوماسي والإعلامي، بغزارة منقطعة النظير من كل عواصم الغرب إلى كييف؟ ... ومن كان ينتظر من الأوكرانيين، كل هذه الشجاعة والصلابة في ميادين المعارك ... هاتان صدمتان، وليست صدمة واحدة. 

بهذا المعنى، فإن ما حصل حتى الآن، يكفي لردع موسكو عن مقارفة أية مغامرة عسكرية في المستقبل القريب أو حتى البعيد، وهذا هو الهدف المعلن للغرب على أقل تقدير... أما إن كانت للغرب نوايا وأجندات أخرى، كما تقول موسكو، فإن الباب سيظل مشرعاً لسيناريو "هدم المعبد"، وليس صدفة أبداً أن تصدر في وقت متزامن، تصريحات عدة، لقادة عالميين، تحذر من خطر اندلاع حرب نووية، والقول أن المسافة التي تفصل البشرية عنها، باتت تعد بالخطوات والأمتار الأخيرة...وليست مستغربة كذلك، كل هذه التحركات العسكرية الاستراتيجية للمعسكرين المتقابلين، وتلك الإشارات المتكررة لـ "العقيدة النووية الروسية". 

لكن بفرض أن بوتين وصحبه، أدركوا أن كُلَف "المغامرات العسكرية"، لن تكون محتملة بعد اليوم، وأنهم تَمثّلوا دروس الحرب الأوكرانية جيداً، فماذا عن مستقبل الأراضي الأوكرانية التي بسطت روسيا سيطرتها عليها، وأخذت تُجري لسكانها "الاستفتاءات" على الانضمام لروسيا، وهل يمكن التسامح مع فكرة السماح لبوتين بضم هذه الأراضي إلى امبراطوريته، حتى لا يصبح "شمشون العصر الحديث"، أم أنه لا بد من استعادة هذه الأراضي إلى السيادة الأوكرانية أولاً، قبل الجلوس على موائد التفاوض وفتح طريق آمن للدبلوماسية؟ 

إن خرج بوتين بالدونباس، وضمها إلى القرم، فستكون لديه ورقة قوية، يمكنه الاتكاء عليها، لتبرير صوابية قرار الحرب والاجتياح، لكن نتيجةً كهذه، هي هزيمة صافية لكييف وواشنطن والغرب، وهذا ما لن تسمح به هذه الأطراف ... وإن فُرض عليه الانسحاب عنوة إلى حدود الرابع والعشرين من شباط الماضي، ستكون هزيمة مدويّة له، ليس أمام كييف وواشنطن فحسب، بل وفي قلب عاصمة ملكه السعيد كذلك، وستكون لخاتمة من هذا النوع، تداعيات لا تطال شخصه وشخصيته المتضخمة فحسب، بل وربما تطاول "الاتحاد الروسي" كذلك، وقد نكون أمام سيناريو "انهيار كبير" ثانٍ بغد الانهيار الكبير الأول في العام 1990، وهذا أمرٌ لن يسمح بوتين بحدوثه. 

عند نقطة الاستعصاء هذه، يتعين على الدبلوماسية أن تجترح المعجزات، وهو أمرٌ لطالما فعلته من قبل، سيما إن توفرت النوايا والإرادات، وأدرك اللاعبون الكبار، أن ثمن المضي في الحرب والمواجهة، غير محتمل، ولا يتعين دفعه، وأن التنازل على مائدة التفاوض، على قسوته وكلفته الباهظة، يظل أقل قسوة وكلفة، من المضي في الحرب والتصعيد، سيما حين تكون القوى الكبرى، مصطفة في الخنادق المتقابلة، مُشهرة أسلحتها للإفناء الشامل. 

يمكن التفكير باجتراح وضعية خاصة لإقليم الدونباس، تكفل لروسيا دوراً ما في الإقليم، ولأهله الناطقين بالروسية، حقوقهم وحرياتهم وأمانهم في إطار فيدرالي أو كونفدرالي، ويمكن في هذا السياق، وضع جدول زمني مرن، لانسحاب القوات الروسية منه، ويمكن للأمم المتحدة، أن تكون مظلة هذه الحلول وضمانتها. 

ومع أن مقترحاً كهذا شديد التعقيد، ويواجه عقداً وعراقيل كأداء كثيرة، لكن من شأنه أن يوفر للأطراف المتحاربة فرصة الادعاء بتحقيق الفوز، بوتين بتأمينه سلامة الإقليم وأهله من بطش القوميين المتطرفين الأوكرانيين، وزيلينسكي بالادعاء أنه أرغم الروس على إبرام اتفاق، يسقط فكرة الضم والإلحاق، ويحفظ لأوكرانيا سلامة أراضيها وسيادتها .... وسيكون بمقدور واشنطن وعواصم الغرب كذلك، الزعم بأنها "ردعت" روسيا، في أوكرانيا وما ورائها. 

معادلة "رابح – رابح"، يمكن أن تكون الطريق الأقصر لوقف الحرب، ومنع الانزلاق لسيناريو "هدم المعبد"، يمكن أن تحفظ ماء وجه الأطراف، وأن تهبط بهم بسلام، عن قمم الأشجار التي صعودا إليها في الأشهر الأخيرة، والأهم، إنقاذ البشرية. 

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.