هسا أميني توفيت في حجز الشرطة الإيرانية
هسا أميني توفيت في حجز الشرطة الإيرانية

للوهلة الأولى المشاهد تبدو مماثلة جدا وكأنها من مصدر واحد. عناصر أمن ورجال شرطة مسلحون يطاردون المتظاهرين في الشوارع وفي معظم الأحيان يتعقبون متظاهرات غاضبات وهم ينكّلون بهن ضربا قبل أن يعتقلونهن، ويرمونهن في سيارات تنقلهن إلى السجون. أحيانا تضطر أن تدقق في الصور لتتأكد من أنها آتية من موسكو أو أي من عشرات البلدات الروسية التي شهدت مثل هذه التظاهرات او الاحتجاجات، ضد حرب عدوانية تهدد بقتل المزيد من الروس والاوكرانيين، أو لتتأكد من انها صوّرت في طهران أو أي من عشرات البلدات الايرانية التي انفجرت فيها التظاهرات الاحتجاجية منذ مقتل الشابة مهسا أميني البالغة من العمر 22 سنة بعد ان اعتقلتها احدى "دوريات الارشاد" (أو شرطة الاخلاق) بحجة انها لم تكن ترتدي حجابها بشكل مناسب. 

ما شهدته مدن وبلدات إيران وروسيا في الأسبوع الماضي أظهر شجاعة مدهشة وخاصة من الشابات والنساء في وجه نظامين قمعيين محاصرين دوليا ويعانيان من عقوبات اقتصادية ومالية وثقافية دولية بسبب سلوكهما الداخلي والدولي المشين، ويحكمهما رجال متعصبون دينيا وقوميا ومتقدمون في السّن ويعيشون في الماضي ويخافون من شعبيهما. وكما يجمع القمع والترهيب الثيوقراطية الايرانية والقومية الشوفينية الروسية، فإن التطلع إلى مستقبل عادل وسلمي وحر هو ذاته أيضا الذي يجمع المتظاهرين والمتظاهرات الروس والإيرانيين. ولم يكن من المفاجئ ان تسرع كل من ايران وروسيا الى لوم الولايات المتحدة وتحميلها مسؤولية اعمال "الشغب" التي شهدتها شوارع مدنها، في احتقار واضح لتطلعات الشعبين.  

روسيا كانت في أزمة قبل غزوها لأوكرانيا، كما كانت إيران في أزمة قبل مقتل مهسا أميني. أزمة البلدين هي أزمة غياب الشرعية عن نظامين سلطويين مثقلين بإرث ثقيل من الترهيب والفساد والتفسخ الهيكلي ويسيران بسرعة كقطارين مارقين الى المجهول. غزو أوكرانيا كما مقتل أميني كانت الشرارة التي حرقت  اليابس الإيراني والروسي . 

إعلان فلاديمير بوتين عن تعبئة مئات الآلاف من الشباب الروس – معظمهم غير مؤهلين أو مدربين – لحرب أثبتت خلال الاشهر السبعة الماضية أنها حرقت في أتونها عشرات الألاف من الجنود الروس، هو خطوة عكست فشل طموحاته الدموية في أوكرانيا، كما عكست ضعفه داخل روسيا لأنه اضطر لاتخاذ هذه الخطوة الجذرية بعد تردد طويل لأنه يدرك الآن أنه سيجلب الحرب وويلاتها الى البيت الروسي، كل بيت روسي. تهديده باستخدام اسلحة الدمار الشامل بمن فيها الاسلحة النووية أظهر مدى عزلته وانحسار خياراته العسكرية الواقعية.

ويمكن القول ان أبلغ تعبير عن رفض شباب روسيا لطموحات بوتين التوسعية والانتقامية كان في تصويت هؤلاء الشباب بأقدامهم ضد قرار بوتين حين هربوا من روسيا بالسيارات والطائرات والتسلل مشيا عبر الحدود الى الدول المجاورة هربا من المستقبل القاتم والدموي الذي اختاره لهم فلاديمير بوتين. الآلاف اشتروا تذاكر السفر للهرب إلى الدول التي لا تتطلب تأشيرة دخول للرعايا الروس مثل تركيا وارمينيا  وأوزباكستان وأذربيجان. ووفقا للتقارير الصحفية "انهارت" حدود روسيا مع منغوليا ومع جورجيا بسبب موجة الهجرة الروسية.

في ايران أدى القمع الدموي للتظاهرات ومقتل أكثر من أربعين متظاهرا في الأيام الماضية إلى النتائج العكسية المتوقعة، ووصلت الاحتجاجات إلى عشرات البلدات خارج طهران واتسمت بزخم جديد، مع مشاهد التحدي الشجاعة للقمع الحكومي مثل تظاهرات ألاف النساء دون حجاب، أو قيام المئات من المتظاهرات بحرق الاحجبة أو حتى قص شعرهن علنا في رفض صارخ للذكورية الظلامية للنظام الإيراني. ويقول المحلل الإيراني-الأميركي المتميز كريم سادجادبور ان "الحجاب الإلزامي هو من بين الاعمدة الأيديولوجية المتبقية للثيوقراطية الإيرانية، إضافة إلى :الموت لأميركا والموت لإسرائيل".

للنظامين الروسي والايراني سجل طويل وناجح للأسف في قمع التظاهرات والحركات الاحتجاجية بالقوة. النظام الإيراني واجه تظاهرات احتجاجية أكبر من التظاهرات الحالية في 2009 بعد انتخابات رئاسية رأى الكثيرون انها كانت مزورة، وكذلك في 2019 في اعقاب زيادة اسعار المحروقات. خلال تلك التظاهرات قتل المئات من المتظاهرين واعتقل الألاف. في روسيا واجه بوتين تظاهرات احتجاجية ضخمة بين 2011 و2013 عقب انتخابات نيابية في 2011 اعتبرها العديد من الروس وأطراف خارجية من بينها الولايات المتحدة إنها كانت مزورة، وفي 2012 عقب تنصيبه رئيسا للمرة الثالثة. وتم جرح واعتقال المئات في هذه التظاهرات من بينهم  أليكسي نافالني أبرزمعارض لبوتين. وفي السنوات التي تلتها قام بوتين بتصفية منظمة لخصومه من المعارضين البارزين والذين لم يقتلهم في الداخل طاردهم إلى الخارج وقتلهم بمختلف الوسائل من بينها تسميمهم. 

لا أحد يعلم كيف ستتطور هذه التظاهرات الاحتجاجية في روسيا وإيران. ولكن هذه الاحتجاجات تأتي في وقت تجد  روسيا نفسها متورطة في حرب خاسرة ومكلفة في أوكرانيا وهي تعاني من عقوبات غربية غير مسبوقة. وبوتين يواجه اليوم أخطر تحد له منذ وصوله الى السلطة قبل أكثر من عشرين سنة. في ايران يواجه المرشد الأعلى علي خامنئي البلاغ من العمر 83 سنة أزمة اقتصادية متفاقمة بسبب العقوبات الأميركية، وذلك في الوقت الذي يعاني فيه من مشاكل صحية يعتقد إنها خطيرة. 

هذه التحديات التي يواجهها النظامين الروسي والإيراني المعاديين للولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط تتطلب استراتيجيات جديدة ليس فقط لمواجهة العدوانية الروسية والإيرانية في الخارج، ولكن أيضا توفير الدعم المعنوي والتقني ( على سبيل المثال مساعدة المتظاهرين على تقويض جهود السلطات لحرمانها من استخدام وسائل الاتصال الاجتماعي ومن استخدام شبكة الانترنيت) . ولقد حان الوقت للولايات المتحدة وحلفائها الديموقراطيين، من كندا الى استراليا لتوفير الدعم السياسي لهذه الحركات من خلال وعدها بالتخلص من العقوبات الاقتصادية اذا تراجعت عن السياسات والممارسات التي أوصلت البلدين الى هذا الطريق المسدود.

صحيح أننا لا نعلم كيف ستنتهي هذه التظاهرات الاحتجاجية في روسيا وإيران، ولكنها تسمح لنا نظريا على الأقل أن نفكر في مستقبل لا تكون فيه روسيا في قبضة قائد متسلط وعدواني مثل فلاديمير بوتين، أو أن لا تكون إيران في قبضة نظام رجعي وثيوقراطي ظلامي. علينا أن نحلم وأن نخطط وأن نفكر في مثل هذا العالم وكيف ستبدو فيه روسيا وايران كدول هامة وطبيعية تعيش بسلام مع نفسها ومع جيرانها. الحقيقة الساطعة والهامة هي ان أي تغيير سياسي ايجابي يضع روسيا على طريق ديموقراطية تمثيلية سوف يؤدي إلى ترددات إيجابية ليس فقط في هذه الدولة الكبيرة والهامة فقط، ولكن أيضا في القارة الأوروبية، وفي منطقة القوقاز، والشرق الاوسط وآسيا الوسطى.

ومن هنا الأهمية التاريخية للتغيير السياسي الإيجابي في روسيا. وأي تغيير سياسي ايجابي في ايران يضعها على طريق التخلص من الثيوقراطية والسير على طريق نظام تمثيلي يوقف حربه ضد المرأة الايرانية ويعيش بسلام مع نفسه وجيرانه لن يغير فقط هذه الدولة الهامة ذات الحضارة الغنية بل سيؤثر ايجابا على منطقة الخليج والقوقاز، وسوف يفتح المجال امام تغيير ايجابي في الدول التي عاث فيها النظام الثيوقراطي الخراب من لبنان وسوريا الى العراق وحتى اليمن.

كل من يهمه أمن وسلام اوروبا والشرق الاوسط، لا بل أمن وسلام العالم يجب ان يحلم وأن يخطط وان يفكر بما يعنيه سقوط القومية الشوفينية الروسية كما يحددها بوتين وأوليغارشيته الفاسدة، وسقوط الثيوقراطية الإيرانية كما يجسدها علي خامنئي واركان حكمه الظلاميين. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.