وسط مدينة رام الله
وسط مدينة رام الله حيث تستقر قيادة السلطة الفلسطينية

(..بدون تجدد سياسي يخترق العادة سنبقى عالقين هنا أجيالا في اللعبة الدموية الفلسطينية الإسرائيلية، في دولة ثنائية القومية التي تتثبت بسرعة كأهون الشرور، على أنها الحل العملي الوحيد.)

العبارة أعلاه، هي التي أقفل بها الكاتب الإسرائيلي، سيفر بلوكر، مقاله الأخير في الصحيفة اليومية الأقدم في إسرائيل "يديعوت أحرونوت".

تلك القفلة حملت فوقها وعلى مساحة مقال كامل،  كمية هائلة من شعور الخيبة والمرارة عند مواطن إسرائيلي سبعيني، ومن النخب المرموقة والمسموعة، وعاش مراحل الدولة الإسرائيلية منذ هجرته إليها مع والديه، والرجل معه حق في قلقه الواضح، وهو قلق يجب أن يجتاح مشاعر الجميع، وليس الإسرائيليين وحسب، وأتفق مع بلوكر في توصيفه لحل الدولتين بقوله : (  ووحده من يدس رأسه في الرمال – ومثل هؤلاء لا ينقصون في الدبلوماسية وفي الخطاب الجماهيري – يستطيع تصديق ما يسمى حل الدولتين للشعبين.)

وإلى حد كبير أجدني أكرر ما قاله ويقوله الكثيرون في الشرق الأوسط، بأن الفلسطينيين حتى لو توفر لهم المال في سلطتهم المأزومة وجوديا، فإنهم يفتقدون إلى زعامة شرعية وذات مصداقية. لقد وصلوا إلى آخر الطريق في مشروعهم الوطني وقد انهار المشروع كله بسبب فساد قياداتهم.

بلوكر وهو صحفي اقتصادي، وكثيرا ما يكتب افتتاحيات يديعوت أحرونوت، كان يتحدث في مقاله عن فكرة "الخيار الأردني" التي طرحت أول مرة في السبعينات من القرن الماضي.

والخيار الأردني مصطلح تشوبه الكثير من الالتباسات التي تضعه في دائرة الشبهة كحل يميني "قومي- ديني" إسرائيلي يقصد به تفريغ الضفة الغربية من الفلسطينيين وتهجيرهم إلى شرق النهر حيث الدولة الأردنية التي يراها هؤلاء تربة جيدة لدولة فلسطينية بعيدة عن فلسطين نفسها.

وهناك طبعا، تفسير الخيار الأردني على إيقاع القرار الدولي 242، والذي بموجبه لو تم تطبيقه تنسحب إسرائيل من الضفة إلى حدود ما قبل حزيران 1967، حيث كانت الضفة الغربية حينها جزءا لا يتجزأ من سيادة الدولة الأردنية وجغرافيتها الدستورية.

بلوكر في مقاله المليء بالمرارة الذاتية كان واضحا في مفهومه للخيار الأردني كعودة إلى دور أردني "ثقيل الوزن" بالضفة الغربية! لكن، ما يقوله بلوكر في العمق، أننا وصلنا إلى طريق مسدود في كل المعروض على الطاولة واعتمدناه منذ عام 1993 منذ أوسلو! 

ومثل بلوكر، كثير من الإسرائيليين "وغيرهم " يحاولون بجدية ابتكار حلول، عملية البحث عن حلول تحتاج ابتكارا للخروج من الصندوق المغلق.

مثلا، يكتب، آفي ايساكوروف، وهو متخصص في السياسة والأمن، وشهرته الأكثر أنه مؤلف المسلسل الإسرائيلي المدهش والجميل "فوضى"، ومقاله في يديعوت أيضا، معلقا على تصريحات رئيس هيئة الأركان، أفيف كوخافي، بأن تصاعد "الإرهاب" مرتبط بعدم كفاءة أجهزة الأمن الفلسطينية، ويوافق مؤلف "فوضى"، ويستطرد في مقاله، بأن من صنع "عدم الكفاءة" لكل تلك السلطة البائسة كانت المنهجية الإسرائيلية خصوصا في عهد نتنياهو الطويل، طبعا مع عدم نفي فساد و"تعفن" السلطة الذي سمح باستباحتها وترهلها.

آفي، ينهي مقاله بتصور يشبه كتابة سيناريو لفيلم رعب إسرائيلي حين يقول : ( ..يصبح البديل الوحيد للسلطة الفلسطينية هو الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية. ليس احتلالا جزئيا يعتمد على تعاون السلطة الفلسطينية، فيعفينا من إدارة حياة 2.8 مليون فلسطيني، ولكنه احتلال كامل مع وجود عسكري في قلب المدن الفلسطينية. لا يوجد زعيم إسرائيلي يريد مثل هذا الشيء. لا لبيد ولا نتنياهو - الذين فكروا بالفعل في التخلص من السلطة الفلسطينية، ولكنهم لم يفعلوا ذلك في الواقع. وبينما فعل نتنياهو الكثير لدعم حماس ، إلا أنه كان ذكيا بما يكفي لتجنب تدمير السلطة الفلسطينية).

تلك رؤية عدمية مرعبة يضعها آفي، لكن الوضع في الضفة الغربية معلق على المجهول، وعدم كفاءة الأجهزة الأمنية للسلطة التي انتهت صلاحيتها في السيطرة على "الإرهاب" كما يقول آفي ورئيس هيئة الأركان قبله لا تعني عدم كفاءتها في ترسيخ نظام "عصابات" محلية صارت حديث الجميع في أراضي السلطة نفسها، وهي الأراضي المنقسمة بين أراض تستطيع أن تمارس القمع البوليسي فيها، ومخيمات خارج سيطرة السلطة وكل أجهزتها، وفي الحالتين فالوضع محتقن وقابل للانفجار في أي لحظة، وقد تضع الجميع عند نقطة "لاعودة" لا يريدها فعليا أحد.

مطلع سبتمبر الجاري، وقبل مغادرتي العاصمة الأردنية عمان، التقيت إسرائيليا حكيما يعمل "بجهد واضح" على إحياء مفهوم السلام "الإقليمي" عبر برنامج واضح يتجاوز الإنشائيات والخلافات السياسية، وحسب، كوبي هوبرمان، فإن "اتفاق إبراهام" حرك على الأقل الراكد لدى الجميع للخروج بأفكار جديدة، ويتحدث الرجل – كما يكتب كثيرا بعمق-  أن للجميع الحق برفض تلك الاتفاقية الأخيرة والتشكيك فيها، وهذا جيد لأنه يحرك النقاش للبحث وربما ابتكار أفكار يمكن طرحها جميعا على الطاولة للخروج بحلول ينتفع منها الإقليم كله!

بالنسبة له، أهمية الاتفاق الحقيقية تكمن في أنها فتحت الصندوق المغلق على أفكار جديدة يجب أن تكون – حسب رأيه – واقعية ومناسبة لحياة الجميع لا أجندات سياسية لم تعد صالحة للصرف في عالمنا الجديد.

في ذات الأسبوع، التقيت باحثا سياسيا فلسطينيا يعيش في أوروبا، وفي سهرة سياسية جمعتنا في صالون من صالونات عمان المقدرة، تحدث الرجل "وهو مليء بالتجربة والخبرة" عن مسار "نخبوي" يجري الحديث عنه في أوروبا لبحث فكرة جديدة تشبه اتحاد البنلوكس "بلجيكا- هولندا – لوكسمبرغ"، وحسب السياسي الفلسطيني المتقاعد من فكرة ومفهوم "منظمة التحرير الفلسطينية بكل أدبياتها" وقد اعتزلها تماما، فإنه يرى أن أي فكرة جديدة يجب طرحها على الطاولة وفورا، الرجل أكد أن أي حل لن يكون بدون تفاهمات أردنية – إسرائيلية- فلسطينية تضع حجر الأساس لشرق أوسط جديد كليا.

لكن من هو الطرف الفلسطيني الذي يمكن أن يتفق الجميع عليه "ومعه" للوصول إلى حلول، ما دام الكل متفقا على بؤس السلطة الفلسطينية، وهي الوارث الشرعي والوحيد لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تصر على أن تمثل شرعيا ووحدها الشعب الفلسطيني؟

الفلسطينيون الآن بحاجة أكثر من أي وقت مضى لإنتاج قياداتهم التي تمثلهم فعلا، تلك القيادات المجتمعية المنبثقة من داخلهم المجتمعي، التي تعرفهم وتعرف تفاصيلهم اليومية، وقادرة على أن تتحدث باسمهم وتعرف مصالحهم بدقة، وهؤلاء موجودون وحقيقيون ويبحثون عمن يسمعهم، ومنهم من خاض تجربة المنظمة منذ، ياسر عرفات، بكل مراحلها، وأدركوا اليوم فداحة التجربة وخطاياها.

ببساطة واختصار، 
ومع كل ما سمعت وأقرأ وأتابع، فإنه يمكن الاستنتاج  أن هناك ميلا للقفز إلى الخلف فوق أوسلو وما بعدها، والعودة إلى قواعد مؤتمر مدريد، تلك التي كانت تجري فيها المفاوضات على مهل وحذر لكن الطاولة كانت تتسع لأفكار عديدة، كان يمكن أن تشق الحذر بنمو طبيعي يفضي إلى تفاهمات "دول المواجهة".

المعطى الجديد لدينا، وكما قال لي هوبرمان: أن دول الخليج التي كان يتم التعامل معها كجهة تمويل وصراف بنكي، لم تعد كذلك في عالمنا الجديد، وحضورها قريبا من الطاولة لم يعد مجديا، وفي ظل تصور إقليمي مشترك، فهي تطالب بشرعية جلوسها على ذات الطاولة لا قريبا منها.

ربما، يكون الحل في أفكار جديدة فعلا، أفكار لا تستند إلى أجندات انتخابية ولا سياسية ولا هي رهن الماضي "بقريبه وبعيده"، أفكار مستلهمة من واقع الإقليم الراهن، للخروج للجميع فيه، ومن تلك الطريق يمكن أن يجد هذا الجميع حلولا تضمن الحقوق، وأولها حق الإنسان في العيش وتقرير مصيره، وليس آخرها الحقوق السياسية لشعب أضاعه "ممثله الشرعي والوحيد"، وقد فقدت تلك القيادة اليوم شرعيتها وبقيت هي الوحيدة.

هو صندوق مغلق من الأسرار المفضوحة والقواعد منتهية الصلاحية، فمن لديه الجرأة لكسر الصندوق المغلق؟

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.