من الذي جعل من دبي ملتقى الكرة الأرضية برمّتها
من الذي جعل من دبي ملتقى الكرة الأرضية برمّتها؟

في هذا الكلام تعميم واختزال. فالإمارات ليست مطلقة التجانس والتماثل بين مدنها ونواحيها من حيث العمران والتطور والتنمية، كما أنها ليست وحدها من دول الخليج في تحقيق الإنجاز. ولكن لا بأس هنا بقدر من الإجمال، والاقتصار على الجزء ليقوم مقام الكل.

من بنى الإمارات؟ من الذي جعل من دبي ملتقى الكرة الأرضية برمّتها، وسوقها وحاضرتها، ومن ارتقى بأبو ظبي لتصبح عاصمة قرار ومبادرات ورؤى؟ في غضون عقود قليلة، حدث تبدّل هائل عند شاطئ الخليج هذا. ما كان صحراء وبلدات صغيرة تكويها الشمس وتفرض عليها الطبيعة شحّتها، استحال مدناً مستقبلية ثرية بأقدار لم تكن بأي حسبان.

هل النفط ما بناها؟ لا شك أن النفط عنصر ممكّن، أي أن الثروة النفطية هي الأساس الذي راكم الأرصدة وأتاح الانتقال، وإن لم يكن ذلك في جميع الحالات. غير أن من يختصر التحوّل بتوفرّ النفط لا بد أن يفسّر كيف أن هذا النفط هنا قد أنجز، فيما هو في أماكن أخرى لم يُنجِز. ليس العراق ببعيد. يذكر هنا أن العراق في منتصف السبعينات أمّم القطاع النفطي، أي أن عائدات النفط أصبحت مع التأميم بالكامل من حصة الوطن، لا يتشارك بها مع شركات دولية تستنزف خيراته بحجة خبرة تحجرها. الإمارات لم تسلك هذا السبيل. ورغم ذلك، فإن صناديقها السيادية تطفح بالعائدات التي جرى توفيرها، فيما للعراق ديون، لا أرصدة سيادية.

قد يُقال إنها مقارنة مجحفة بحق العراق. ألم يواجه العراق تصديراً للثورة، من إيران الثورة، وما تلا ذلك من حرب طويلة كان فيها العراق درعاً للعالم العربي، ولا سيما دول الخليج منه، في وجه التوسع الإيراني؟ قد يكون ربما أن هذه القراءة، والتي بنى عليها طاغية العراق في أعقاب حربه مع إيران، وحروبه مع شعبه، اجتياحه للكويت، تنضوي على بعض أوجه الصواب. غير أن ما سبق الثورة في إيران، لم يكن في العراق سيراً باتجاه الإنجاز المدني، بل تسخيراً للمدخول النفطي لتعزيز الاستعداد الحربي.

وإذا كانت أوضاع العراق تدفع باتجاه تشتيت المقارنة، فإن أحوال ليبيا مثلاً ينتفي عنها ما عاشه العراق من جوار معادٍ. بل ليبيا بسكانها القلائل إلى أمد قريب وثروتها النفطية الهائلة، كان بوسعها أن تكون كالإمارات، ولكنها لم تكن. ما يجمع العراق وليبيا، ويفصلهما عن الإمارات هي أن كل منهما عاش ما يفترض أنه ثورة هادفة إلى فك قيود الجماهير وتحقيق البعث المنشود أو المستقبل الأخضر لها، فيما الإمارات وغيرها من دول الخليج، على ما رآه التقدميون وصحبهم، كانت ترزح تحت نير الرجعية والتبعية للغرب المستعمر.

طبعاً لا العراق ولا ليبيا، ولا مصر ولا سوريا ولا اليمن ولا السودان شهد الثورات في أواسط القرن الماضي، بل كانت كلها انقلابات عسكرية، استبدلت في معظم هذه البلدان ملكيات وراثية متوافق عليها عرفاً وعلناً بقياديات تسعى حيثما استطاعت إلى أن تكون وراثية، بالتدليس والنفاق، وإن لم تتمكن من "النجاح" بهذا التوريث الوقح إلا في سوريا. وأن يكون التوريث هنالك تعويضياً، إثر وفاة الابن الأول والذي كان يفترض أن يخلف والده في السلطة، يكشف الإصرار عليه ويقطع دابر زعم "الجمهورية".

أسمت هذه الدول نفسها "جمهوريات"، بل في الحالة الليبية "جماهيرية". ولكنها في الواقع لم تكن يوماً إلا "قياديات"، السلطة والسيادة فيها للقيادة، أو القائد الذي يختزل الحزب والثورة والجمهور، والذي يكون فناء الجمهور، بالروح والدم، فداء لشخصه. مهما كان الاسم، مثالها فاشل حيثما كانت، مهما فاضت المداخيل النفطية لدى بعضها. أي أن النفط لم يبنِ الإمارات.

هل بناها الغرب؟ لا شك بأن النظم والمعايير الغربية، والشركات والحكومات الغربية، والمبدعين والموظفين الغربيين، قد كان لهم الدور البارز في توفير الخبرة والمعرفة بما جعل من ظهور الإمارات أمراً ممكناً. ولكن الحذار من الوقوع في فخ افتراض الأمر مهمة "حضارية" أو "تنويرية" للغرب المتقدم في الشرق المتأخر. نعم، النظم والمعايير والأسس والتفاصيل كانت ولا تزال غربية، من حيث إن مولدها ونشأتها ونضوجها قد تمّ في غالبه في الغرب الكبير على مدى القرون القليلة الماضية، ولا حرج البتة من الإقرار بأن الحضارة المادية الحالية كما تأطيراتها الفكرية على مدى الكرة الأرضية قاطبة هي غربية بهذا المعنى. على أنه لا فضل معنوياً للمقاول الغربي، إذ يسعى إلى الاستحصال على عقد يتيح له البناء أو التنقيب أو الشروع بمبادرة مربحة. فهو يسعى للكسب وحسب، شأنه شأن غيره. بل قد يزاحمه المقاول الشرقي أو الجنوبي المستوفي للشروط والإمكانيات. وعليه فإن الغربيين ليسوا هم من بنى الإمارات، ولا هم، بزخمهم المشابه وتوقهم المماثل إلى تحقيق الربح، قد تمكنوا من بناء لا غينيا الاستوائية ولا ڤنزويلا، بما يشبه الإمارات، على ثراء هاتين الدولتين بالنفط.

هل بناها اللبنانيون، أو المصريون، أو الهنود؟ تكثر في كل من هذه الأوساط، وغيرها، ولا غرابة أن ينضم إليهم الإسرائيليون بعد أعوام قليلة، القناعات بأن مساهماتهم في الإمارات هي ما حقّق الإمارات. لكل من هذه المجموعات رواية، وأعذار. نحن المبدعون، والإمارات قد استفادت من مهاراتنا وقدرتنا على الابتكار، ولولا الحروب في لبنان لكانت بيروت تعلو على دبي. بل نحن المصممون الخلاقون القادرون على دمج الأصالة بالحداثة، ولولا أعباء الصراع المنهك بين العسكريين والإسلاميين لكانت أم الدينا أماً للدنيا. بل الإمارات، ودبي تحديداً، مدينة هندية، أكثر سكانها من شبه القارة الهندية، ونحن من بناها، ونحن من يشغل معظم وظائفها، من أدنى المراتب إلى أعلاها. ليس جلياً ما العذر هنا، غير أنه ليس في الهند كلها، لا عند أرقاها ولا عند أثراها، ما يشبه دبي أو ما يحاكي أبوظبي. لا أحد ينكر مساهمة الوافدين من حيث جاؤوا، هند ومصر ولبنان وغيرها الكثير. ولا بد من تثمين إبداع الجميع وإنجازاتهم. هم قدّموا ولا يزالون مداميك أساسية في بناء الإمارات. ولكنهم ليسوا هم من بناها.

هاكم صورة متخيلة، ولكنها غير بعيدة عن واقع لم تعد بالإمكان دقة استرجاعه. قبيل استقلال الإمارات واتحادها، أو ربما خلاله، وفي خضم تمنّع قطر والبحرين عن الانضمام إلى هذا الاتحاد، جلس رجل في مسكنه القديم شكلاً وطرازاً، مصغياً إلى معطيات مستجدة تقدّم له. بلادك يا شيخ زايد على وشك الحصول على مداخيل ضخمة. ما أنت فاعل، وأنت قبلها صاحب المساعي الإنمائية والتطويرية؟ كلمات جواب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم أبوظبي، مؤسس الإمارات العربية المتحدة ورئيسها، وصاحب المسعى لاحقاً مع أمير الكويت لإطلاق مجلس التعاون الخليجي، قد سجّلت أو لم تسجّل. غير أنه يمكن سماعها اليوم. بالصوت والصورة والحس والشعور، على مدى الإمارات.

إذا كان مقام الشخصيات التاريخية يظهر بالإنجاز، وحتى دون اعتبار ما حقّقه الرجل في معالجة المسائل الملحّة وفي نصرة القضايا المحقّة وفي مكافحة الفقر والمرض والتخلّف في أرجاء العالم، فإن إمارات اليوم هي الشاهد الحي المتواصل على رؤياه ورؤيته، بصره وبصيرته، وعلى وضوح قيمه وثباته.

ما ميّز إمارات الشيخ زايد، أحد رموز "الرجعية العربية" في الأدبيات القومية واليسارية، عن العراق وليبيا في أزمنة القادة العظام من طراز صدام حسين ومعمّر القذافي (حيث قياس العظمة بالبطش والشطح)، ليس بأن البلاد قد اتسمت وحسب برجل صادق في موقع المسؤولية الأولى، بل إن هذا الرجل الحاكم كان يحظى في دولته بثقة المطمئنين إلى قيمه وإخلاصه وإنجازاته. وأساس مكانته لديهم والولاء له كان هذه الثقة، قبل أي اعتبار آخر. هي الثقة القائمة على تعاقد انتقل معه، رويداً وتدرجاً، من الصيغة الضمنية العشائرية إلى الشكل المنظّم الذي يلامس المواطنة المدنية.

ما بنى الإمارات هي الثقة التي استحقها الشيخ زايد من الإماراتيين. كانت للشيخ زايد بشخصه، وأراد لها الانتقال إلى مؤسسات الدولة. هي اليوم الدولة المؤتمنة على قيم مؤسسها، قيم أهلها. عسى أن يستمر الازدهار المنقطع النظير للإمارات، عسى أن يستمر مسار المأسسة الذي أطلقه الشيخ زايد، وإلى حين استكمال هذا المسار عسى أن تبقى قيم الشيخ زايد قاعدة ضامنة للثقة التي هي أساس الحكم. طابت ذكرى الشيخ زايد، وكل الخير للإمارات.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.